شراكة أوروبية مأزومة مع الجمهوريات السوفييتية

إغضاب روسيا شبح يحاصر الدول الشيوعية السابقة التي تدرس إمكانية التقرب من الاتحاد الأوروبي.
الاثنين 2019/05/13
هل ينفذ لوكاشينكو رغبات بوتين
 

بدا عزم الاتحاد الأوروبي على الاحتفال بالذكرى العاشرة لاتفاقية “الشراكة الشرقية”، الاثنين مع جمهوريات سوفييتية سابقة، بمثابة الفرصة الهامة للتأكّد من وجود توجس لدى قادة بعض الدول الشيوعية سابقا من الاقتراب أكثر من الاتحاد الأوروبي أو أي تحالف آخر بسبب تجمع عدة تراكمات ودوافع يبقى على رأسها التوجّس من إثارة غضب روسيا الرافضة رفضا قاطعا لانضمام أي من الدول الست التي تعتبرها جزءا لا يتجزأ من تاريخها لأي تجمع آخر قوي كالاتحاد الأوروبي أو حلف شمال الأطلسي. ولعل في رفض رئيس بيلاروس ألكسندر لوكاشينكو حضور عشاء الاحتفال في بروكسل أفضل الدلائل على بقاء الشراكة بين الطرفين في أزمة.

بروكسل – يحتفل الاتحاد الأوروبي، الاثنين بالذكرى العاشرة لـ”الشراكة الشرقية” التي تجمعه بجمهوريات سوفييتية سابقة، وسط أجواء مشحونة تثيرها بعض الدول الست الشيوعية سابقا.

وفي هذا الصدد، رفض رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو حضور عشاء في بروكسل للاحتفال بهذه المناسبة، وفضّلت بلاده إرسال وزير الخارجية، حيث يحتفل الاتحاد الأوروبي بهذه المناسبة الاثنين في قمة لقادة التكتل.

موسكو في الأذهان

كانت حكومة بيلاروس تفضل استقبالا عظيما للوكاشينكو، للاحتفال بالشراكة على قدم المساواة. فيما يشعر الكثير من قادة الاتحاد الأوروبي بالقلق إزاء التداعيات السلبية للارتباط بتوسيع الاتحاد الأوروبي في الوقت الذي تستعد فيه بلدانهم لخوض انتخابات البرلمان الأوروبي.

ويعاني الاتحاد الأوروبي من متاعب كبيرة بسبب انسحاب بريطانيا المزمع من التكتل بحيث يصعب عليه الاهتمام بدول الشراكة. والى جانب بيلاروس، لدى الاتحاد الأوروبي اتفاقيات شراكة شرقية مع الجمهوريات السوفييتية السابقة، أوكرانيا ومولدوفا وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان.

ويعتبر العديد من المراقبين أن مرد انزعاج الجمهوريات السوفييتية السابقة يكمن في كونها أصبحت أكثر حذرا في التعامل مع الاتحاد الأوروبي بسبب التخوف من إمكانية إغضاب روسيا، خاصة بعد كل ما أثارته التجربة الأوكرانية من جدل.

وتأتي هذه التخوفات المتجددة، بعدما نجحت موسكو -إثر تدخلها في أوكرانيا- في منعها من الاندماج في الاتحاد الأوروبي أو حلف شمال الأطلسي.

ويقول نبي عبدالله-ييف، مدير الشؤون الروسية بمجموعة “كونترول ريسكس” للاستشارات العالمية، “حققت روسيا بتدخلها في (شؤون) أوكرانيا هدفها الذي يتمثل في منع أوكرانيا من الاندماج الرسمي في تحالفات غير ودية، مثل الاتحاد الأوروبي والناتو“.

الجمهوريات السوفييتية السابقة باتت أكثر حذرا في التعامل مع الاتحاد الأوروبي، بسبب التخوف من إغضاب روسيا

ويؤكد ييف أن الحكومة الروسية لن تغير همها الوطني الأساسي الذي طرحه بوتين، وهو لن يكون هناك تحالف سياسي وعسكري غير ودي على أراضي الجمهوريات السوفييتية السابقة”.

وتأتي هذه الرغبة الروسية بعدما انضمت سابقا ثلاث جمهوريات سوفييتية تطل على بحر البلطيق، وهي لاتفيا وليتوانيا وإستونيا، إلى الناتو خلال ولاية فلاديمير بوتين الأولى. ولدى أوكرانيا وجورجيا -وهي جمهورية سوفييتية سابقة أيضا- طموحات في اللحاق بركب الحلف العسكري الغربي.

ورغم بعض النتائج الإيجابية، ليس لدى هذه الدول الشيوعية السابقة الست الكثير لتحتفل به في هذه الذكرى. فقد حققت أوكرانيا وجورجيا وأرمينيا ومولدوفا تقدما في إجراء انتخابات ديمقراطية، ولكن هناك آمالا أخرى لم تتحقق.

وأثناء القمة الأخيرة لدول “الشراكة الشرقية” التي عقدت في نوفمبر 2017، كان هناك تثبيط واضح لرغبة أوكرانيا في التوصل إلى اتفاق شراكة مع الاتحاد.

وتوسيع الاتحاد الأوروبي لم يكن على جدول الأعمال، وفقا لما ذكره رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر آنذاك. وعلى أي حال، كيف يمكن لدول الاتحاد الأوروبي أن توفر منظورا واضحا لشركائها وهي لم تتفق على منظور خاص بها؟ وبعد فترة قصيرة من توقيع الاتحاد الأوروبي اتفاقية شراكة مع أوكرانيا، وهي الأكبر بين الجمهوريات السوفييتية الست في الشراكة، اندلع صراع انفصالي بالقرب من حدود أوكرانيا مع روسيا، ولقي أكثر من عشرة آلاف شخص حتفهم في القتال بين الجيش الأوكراني والانفصاليين المدعومين من روسيا.

ومع توجه كييف نحو الغرب، قامت روسيا في عام 2014 بضم شبه جزيرة القرم في البحر الأسود، التي تظل وفقا للقانون الدولي جزءا من أوكرانيا. كانت موسكو تنظر منذ فترة طويلة إلى “الشراكة الشرقية” على أنها لعبة قوة يسعى من خلالها الاتحاد الأوروبي إلى التوسع باتجاه حدود روسيا، وهو ما يمثل اعتداء على المصالح الروسية.

ودأبت روسيا على التحذير من الشراكات على حساب علاقاتها الوثيقة مع دول الاتحاد السوفييتي السابقة، ما يجعل هذه الأخيرة متخوفة من إمكانية توسيع منطقة الصراع لتشمل داخل أوكرانيا وبعض الجمهوريات الأخرى للمزيد من التوسع في أراض تعتبرها امتدادا تاريخيا لها.

مارك جاليوتي: ليس من المحتمل  أن توسع  روسيا النزاع إلى داخل أوكرانيا
مارك جاليوتي: ليس من المحتمل  أن توسع  روسيا النزاع إلى داخل أوكرانيا

وفي هذا الصدد، يقول مارك جاليوتي، الخبير في “معهد براغ للعلاقات الدولية”،” ليس من المحتمل أن تسعى روسيا إلى توسيع منطقة النزاع بصورة أكبر إلى داخل أوكرانيا، من أجل السيطرة على المزيد من الأراضي”.

وقال جاليوتي “ربما تكون لدينا وقائع مثل اشتباك كيرتش، كما ستتواصل المناوشات على طول خط التماس (في دونباس)، ولكن ليس من المرجح أن يرغب الروس أو الأوكرانيون في التصعيد على أي مستوى جدي”.

في المقابل يعتبر إيفان كوريلا، أستاذ العلاقات الدولية والتاريخ بالجامعة الأوروبية في سان بطرسبرغ، أنه من الممكن أن يستمر الصراع في دونباس، طالما حافظت روسيا على استقرارها الوطني.

ويقول كوريلا، في إشارة إلى منطقتي مولدوفا وجورجيا المنشقتين حيث تجمد الصراع حاليا، إن النزاع في دونباس “يبدو أنه قد تم تخطيطه على غرار ترانسنيستريا أو أوسيتيا الجنوبية، في عقود سابقة”.

وتخشى روسيا قبل كل شيء خسارة المزيد من النفوذ في فضاء ما بعد الاتحاد السوفييتي وترك المجال مفتوحا أمام الشركات الغربية. وفي ظل الذكرى العاشرة للشراكة الشرقية، من الواضح أن المواجهة مع روسيا قد احتدمت. وعلى كلا الجانبين هناك مقارنات مع حالة التوتر التي سادت بين الشرق والغرب خلال حقبة الحرب الباردة. وكثيرا ما أعطى الاتحاد الأوروبي الانطباع بأنه يتعين على شركاء التكتل المحتملين الاختيار بين رباط وثيق مع الاتحاد أو علاقة وطيدة مع روسيا. وكانت هذه القضية على وجه التحديد هي التي أدت إلى اندلاع الحرب الأهلية في أوكرانيا. وقررت أرمينيا في وقت مبكر ألاّ تسلك مسارا قد يثير غضب روسيا. وتعتمد أرمينيا على روسيا كقوة حماية في نزاع على الأراضي مع جارتها أذربيجان. وبهذه الطريقة وحدها يمكن لأرمينيا أن تحتفظ بالسيطرة على منطقة ناجورنو قرة باغ المتنازع عليها. وفي أعقاب أزمات ضربت في مولدوفا وأوكرانيا، لا يزال أمر أيّ الدولتين الأفقر في أوروبا غير محسوم.

فقدان الأمل في الرخاء

بالنسبة لأوكرانيا، تمكن الرئيس المنتهية ولايته بيترو بوروشينكو من الوفاء بوعد ضمان دخول الأوكرانيين إلى دول الاتحاد الأوروبي دون تأشيرة وخابت مساعي بوروشينكو للفوز بولاية رئاسية جديدة لصالح الممثل الكوميدي فولوديمير زيلينسكي في انتخابات حاسمة جرت الشهر الماضي والتي يمكن النظر إليها على أنها كانت حكما أصدره الشعب الأوكراني.

وفقد كثيرون الأمل في تحقيق الرخاء من خلال الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. وقال زيلينسكي ليلة فوزه إن أوكرانيا مثال مشرق للديمقراطية في فضاء ما بعد الاتحاد السوفييتي.

وتفتقر بيلاروس إلى التقدم الديمقراطي، كما هو الحال في أذربيجان، وفقا لناشطين حقوقيين. ويبدو الرئيس السلطوي لأذربيجان، إلهام علييف، متمترسا في السلطة أكثر من أي وقت مضى. وقال أستاذ العلوم السياسية توبياس شوماخر أمام مؤتمر دولي عقد في وارسو مؤخرا “الإصلاحات السياسية غير موجودة أو يتم ما يناقضها أو أنها فقدت الزخم في أجزاء كبيرة من الضاحية الشرقية”.

ويجب على المشاركين في الاحتفال المقرر في بروكسل الاثنين مناقشة استمرار “الشراكة الشرقية” وكيف يحدث ذلك. وفي الوقت نفسه، يتواصل الحديث عن تعاون الاتحاد الأوروبي المحتمل مع “الاتحاد الاقتصادي الأوراسي” الذي دشنته روسيا.

واقترحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل هذا الاحتمال خلال اجتماع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في عام 2015. ولا تزال روسيا، على أي حال، منفتحة لإجراء حوار، كما يروج بوتين منذ فترة طويلة لمبادرة تهدف إلى إقامة منطقة تجارة حرة من لشبونة إلى فلاديفوستوك.

7