شراكة إستراتيجية بين مصر وروسيا مسكونة بهواجس إقليمية

القاهرة تتحفظ على التناغم الكبير في العلاقات بين موسكو وأنقرة.
الأحد 2021/01/17
تفاؤل حذر

اتفاقية الشراكة الشاملة بين روسيا ومصر دخلت حيز التنفيذ، لكن الحماس لها بدا فاترا في ظل تعارض الأجندات السياسية، فروسيا ترى أن مصر أقرب إلى الولايات المتحدة. لكن المصريين يعتقدون أن الأنفع هو بناء علاقات متوازنة ومتنوعة مع دول متعددة بدل الارتهان إلى تحالف تقليدي مع هذه الدولة أو تلك. كما أن لديهم مؤاخذات واضحة على موسكو بسبب تقاربها مع أنقرة في ملفات مختلفة، وهو ما يتعارض مع حسابات القاهرة.

القاهرة – تحاول العلاقات بين مصر وروسيا تجنب الكثير من المطبات التي يمكن أن تؤدي إلى تباين في التقديرات السياسية والعسكرية، والتركيز على المصالح العريضة المشتركة لتوسيع أطر التعاون إلى حين يتسنى تبديد الهواجس الإقليمية التي تنتاب كل طرف، بما يمكنه من اعتبار الآخر شريكا إستراتيجيا حقيقيا.

ودخلت اتفاقية الشراكة الشاملة والتعاون الإستراتيجي الموقعة بين مصر وروسيا حيز التنفيذ في العاشر من يناير الجاري، وهي خطوة من المفترض أن تمثل حدثا مهما في طريق تطوير علاقات الصداقة التقليدية، وتوجب تخطي أي منغصات.

وفي الوقت الذي بدت فيه وزارة الخارجية الروسية محتفية بدخول الاتفاقية حيز التنفيذ، لم يظهر ذلك لدى نظيرتها المصرية أو جهة رسمية أخرى، وهو ما يدعم فكرة الحذر التي باتت معرقلة لبعض الأطر كي تشق العلاقات طريقها نحو المزيد من الروابط.

وشددت وثيقة الشراكة على تعزيز التعاون في المجالات السياسية والتجارية الاقتصادية والثقافية وغيرها، وتعميق التنسيق بين البلدين على مستويات مختلفة، ما يعني أنها تغطي تقريبا جميع المجالات.

ويوحي الشكل الظاهر للعلاقات بين القاهرة وموسكو أنها قطعت شوطا جيدا في عدد من الملفات، لكنها في نظر بعض المراقبين لا تعبر عن رهانات كل دولة حيال الأخرى، فدخول اتفاقية الشراكة حيز التنفيذ لم يصطحب معه حتى الآن ما يعزز الثقة المطلقة، أو على الأقل يكشف التطلعات التي تريدها القاهرة من موسكو، والعكس.

ورغم إعلان موسكو عزمها قرب عودة السياحة الروسية إلى مصر أكثر من مرة، بعد توقفها منذ سقوط طائرتها فوق صحراء شرم الشيخ منذ حوالي خمس سنوات، غير أن هذه الخطوة لم تكتمل. وكلما لاحت فرصة لاستئناف رحلات الطيران تبدو موسكو متباطئة، وتربط ذلك بالحصول على مكاسب نوعية في قضايا معينة.

الشكل الظاهر للعلاقات بين القاهرة وموسكو يُوحي بأنها قطعت شوطا جيدا في عدد من الملفات

وتركت هذه المسألة غصة في حلق القاهرة التي أوفت بتعاونها مع موسكو في منحها منطقة صناعية كبيرة في منطقة شرق قناة السويس، ووقعت معها اتفاقية بناء مفاعل الضبعة النووي السلمي على البحر المتوسط، لكن روسيا تريد ما هو أكثر.

ويقول متابعون إن العلاقات بين مصر وروسيا تتسم بالحذر الشديد، حيث لا تريد الأولى الاقتراب كثيرا من موسكو بما يضر بعلاقاتها مع الولايات المتحدة، وتجد موسكو أن أمامها فرصة للحصول على مزايا فريدة في مصر، كأن تحصل على تسهيلات عسكرية كبيرة في البحرين المتوسط والأحمر.

ولم تحل الممانعة المصرية في ذلك دون تبادل المناورات العسكرية في مصر أو روسيا، ولم تمنع استمرار التعاون في قضايا مكافحة الإرهاب، لكنها أيضا حوت محددات أثارت ريبة القاهرة في شأن العلاقة القوية بين روسيا وتركيا، ووصلت إلى ليبيا التي تعد فناء خلفيا حيويا للأمن القومي المصري.

وصادق مجلس النواب المصري في ديسمبر الماضي على الاتفاقية التعاون الإستراتيجي، التي وقع عليها الرئيسان المصري عبدالفتاح السيسي والروسي فلاديمير بوتين بمدينة سوتشي في 17 أكتوبر 2018، ووقتها جرى الحديث عن طموحات واسعة ظهرت تجلياتها في حصول القاهرة على أنواع متقدمة من الأسلحة الروسية.

ويلتزم الطرفان بموجبها القيام بزيارات متبادلة على مستوى رئيسي الدولتين على أساس منتظم، مرة واحدة على الأقل في العام بالتناوب في موسكو والقاهرة، وتنظيم حوار سياسي بشكل منتظم مرتين على الأقل سنويا، يشمل مشاورات بين وزيري الخارجية بالتناوب في عاصمتي الدولتين، وعقد مشاورات (2 + 2) بين وزراء الخارجية والدفاع في البلدين، وتسهيل الاتصالات بين البرلمانَين المصري والروسي.

وشددت الاتفاقية على إٕيلاء اهتمام متزايد بمشاريع البنية التحتية، وتطوير الطرفين التعاون في المجالين العسكري، والعسكري التقني. كل هذه الملامح الإيجابية لم تفض إلى الوصول إلى الثقة الكاملة، حيث تبين أن كل طرف يريد ما هو أكثر من الثاني.

وقالت مصادر مصرية لـ”العرب”، إن أجواء التفاؤل التي سادت العاصمتين لم تخل من تحديات تتعلق بطموحات كل جانب على الآخر، وتشعب العلاقات مع قوى تبدو على يسار أو يمين كليهما، ناهيك عن بوادر خلاف مستتر قد ينشب من وراء سعي مصر لتكون مركزا إقليميا في مجال الغاز، والمعروف أن روسيا أكبر منتجيه.

نحو تطوير علاقات الصداقة التقليدية
نحو تطوير علاقات الصداقة التقليدية

قد تكون هذه الزاوية، من بين زوايا عديدة، جعلت روسيا تتمسك بورقة التنسيق مع تركيا في كل من سوريا وليبيا، وتستفيد من مناوشاتها مع دول أوروبية، وفي شرق البحر المتوسط الذي يمثل أهمية مركزية في التوجهات المصرية.

وإذا كانت القاهرة تتحفظ على التناغم الكبير في العلاقات بين موسكو وأنقرة، فإن روسيا تتحفظ على التردد في بعض مقاربات مصر معها، وترجعه إلى حرصها على عدم التفريط في العلاقات المتينة مع واشنطن، وربما توظيف التعاون مع موسكو لجلب مكاسب كبيرة من الولايات المتحدة التي تعيد صياغة رؤيتها في المنطقة.

ولفتت المصادر ذاتها إلى أن طبيعة التوجهات العالمية، والمصرية خصوصا، تميل إلى تنويع العلاقات وعدم الرهان على جهة معينة، ويفرض تعدد الصراعات وتشعب القضايا والسيولة التي أصبحت عليها، على كثير من القوى اللجوء إلى القبض على أوراق عدة، وهذا لا يعني التخلي عن الثوابت الرئيسية، لكنه يأتي من رحم الخوف من التداعيات الغامضة التي تفضي إليها معالم الفوضى المختلفة.

وأوضحت أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية نورهان الشيخ، أن دخول الشراكة بين البلدين حيز التنفيذ يقلل من الشكوك المستترة، ويعني أن هناك تعاونا في مجالات علمية واقتصادية وعسكرية، لاسيما أن مصر تعول على تقوية قدراتها العسكرية من خلال منظومات الأسلحة الروسية.

القاهرة تميل إلى توسيع قاعدة الشراكة العسكرية مع كل من روسيا والصين وألمانيا وفرنسا

وأشارت لـ”العرب”، إلى أن ثمة تحديات فعلية تواجه هذه الشراكة، تتمثل في مخاوف بعض الدوائر من أن يكون ذلك من العناصر المؤثرة سلبا على العلاقة مع الولايات المتحدة، وهو أمر في غير محله، لأن الحرب الباردة انتهت ولم يعد هناك معسكر شرقي وآخر غربي، كما أن واشنطن نفسها لديها علاقات متطورة مع موسكو.

وفسرت التهديدات الأميركية الخاصة باحتمال فرض عقوبات على مصر حال توسعها في مجال التعاون العسكري مع روسيا، بأنها تنطلق من مصالح شركات السلاح العالمية والتنافس المتصاعد بينها دون أن تكون لها تأثيرات مباشرة على الشراكة.

وتميل القاهرة إلى توسيع قاعدة الشراكة العسكرية مع كل من روسيا والصين وألمانيا وفرنسا، وعدم اقتصارها على دولة بعينها كي تتجنب وضع أوراقها في سلة واحدة، أو تتعرض لفرض شروط مجحفة في تعاونها العسكري.

وإذا ظلت العلاقات بين البلدين مسكونة بهواجس إقليمية متبادلة، سوف تفقد اتفاقية الشراكة الإستراتيجية جانبا مهما من زخمها السابق، وتتحول إلى ورقة معنوية يلجأ إليها كل طرف عندما يحتاج لها، ولذلك فنقطة البدء تأتي من التفاهم حول المساحات المتفق عليها والمختلف حولها، منعا لأي مطبات لاحقة.

4