شراكة استراتيجية بين واشنطن والخليجيين لا تخضع لغير قاعدة الندية

مثلت القمة الأميركية الخليجية، التي احتضنها منتجع كامب ديفيد، مؤخرا، نقطة تحول في مسار العلاقات القائمة بين الطرفين، لما تمخّضت عنه من اتفاقات أمنية وسياسية تتعلق بمجمل القضايا والأزمات الإقليمية الراهنة، توحي بتبلور شراكة استراتيجية جديدة لا تخضع لغير الندية في التعامل والمساهمة في صياغة السياسات المشتركة.
السبت 2015/05/16
قادة الخليج يثبتون قدرتهم على مجاراة الخيارات الأميركية من موقع قوة

كامب ديفيد - سطّرت الولايات المتحدة الأميركية رفقة ممثلي دول الخليج ملامح السياسة المشتركة للفترة المقبلة، تحت مسمى “شراكة استراتيجية جديدة”، أوردها البيان الختامي للقمة التي التأمت في “كامب ديفيد”، قبل أن يتفقوا حول الاجتماع مجددا على موعد لاحق سنة 2016.

وقد شمل البيان الختامي ملامح استراتيجية تبدو طويلة الأمد، وتتضمن كيفية التعامل إزاء كافة التطورات التي قد تشهدها المنطقة، خلال عام من الآن، والتي يتلخص أبرزها في؛ تحديد إطار عام للشراكة الاستراتيجية الجديدة وتعزيز التعاون الأمني بما يضمن أن تظلّ العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي دعامة من الدعائم الأساسية للشراكة القائمة بين الطرفين وحجر الزاوية في الاستقرار الإقليمي.

تناغم نسبي في الرؤى

لئن تعهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، خلال قمة كامب ديفيد، بمساندة حلفاء الولايات المتحدة الخليجيين ضدّ أي “هجوم خارجي” ساعيا إلى طمأنتهم بالالتزام الراسخ للولايات المتحدة بأمنهم، حيث قال “إنّ الولايات المتحدة ستقف إلى جانب شركائها في مجلس التعاون الخليجي ضد أي هجوم خارجي، وسوف نعمق ونوسع التعاون بيننا”.

فقد كانت الإجابة الخليجية مضمنة في كلمة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي أكّد بدوره أنّ أمن منطقة الخليج العربي هو جزء أساسي من الاستقرار العالمي لما تمثله هذه البقعة من العالم من أهمية اقتصادية وسياسية واستراتيجية تمس الأمن العالمي، لافتا إلى أنّ الإمارات العربية المتحدة مع شقيقاتها دول مجلس التعاون الخليجي تدرك جيدا حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها للحفاظ على سلامة وحيوية المنطقة، وقد تمكنت عبر مراحل وفترات مختلفة من توظيف طاقاتها وإمكانياتها لمواجهة تحديات ومخاطر عديدة.

وأكد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أن الولايات المتحدة شريك استراتيجي أساسي لدول مجلس التعاون الخليجي ولها دور حيوي في حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة بما تملكه من ثقل عالمي ودور محوري، وبما يربطنا معها من مصالح مشتركة وعلاقات تعاون وشراكة وثيقة، مشيرا إلى أنّ هذه المرحلة التاريخية المهمّة تتطلب منا جميعا في دول الخليج وبالتعاون مع أصدقائنا وضع إطار تعاون يخدم المصالح المتبادلة ويؤسس لمرحلة جديدة تأخذ في الاعتبارات التهديدات والتحديات الجديدة.

الشيخ محمد بن زايد آل نهيان: منطقة الخليج العربي يجب أن تظل بمنأى عن أي أخطار أو مهددات أمنية واستراتيجية في حال عدم ارتكاز الاتفاق النووي النهائي على معايير واضحة

وأضاف قائلا “لقد نجحنا معا بالتعاون البناء في التحالف العربي وبمساعدة الأصدقاء من خلال عملية إعادة الأمل في اليمن والتي استطعنا من خلالها وأد مشاريع إقليمية كانت تسعى إلى بث الفوضى والخراب والفتن في المنطقة”.

وأشار إلى أنّ القمة التاريخية غير المسبوقة بين الطرفين، تمثل إضافة نوعية حقيقية إلى مسيرة العلاقات الخليجية-الأميركية، وهي تعكس حرصا مشتركا على تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والولايات المتحدة الأميركية، منوها بأنّ المحادثات تمثل مناسبة لتبادل الرأي ووجهات النظر والتشاور العميق حول التحديات والتهديدات الأمنية في منطقة الخليج العربي.

ولئن سعى أوباما أيضا إلى تهدئة مخاوف الدول العربية الخليجية من أن الرّفع المحتمل للعقوبات الدولية عن طهران سيجعلها أكثر قدرة على تغذية المزيد من الصراعات الطائفية في المنطقة، فإن الشيخ محمد بن زايد آل نهيان قد شدد على الموقف الخليجي القاضي بضرورة إبقاء منطقة الخليج بما لها من أهمية استراتيجية بمنأى عن أي أخطار أو مهددات أمنية واستراتيجية محتملة، خاصة في حال عدم ارتكاز الاتفاق النووي النهائي على معايير واضحة والالتزام بها، ما يعنيه ذلك من توافر ضمانات قانونية وتعهدات دولية كافية تكبح الطموحات النووية في المنطقة والهيمنة الإقليمية وتحول دون انتشار تسلح نووي.

كما أعرب عن ثقته في تفهّم الإدارة الأميركية بواعث القلق والمخاوف المشروعة لدى دول الخليج وشعوبها حيال هذه الأخطار الاستراتيجية المحتملة، لا سيما في ظل تفاقم عوامل الاضطراب والنزاعات الطائفية والمذهبية وانتشار جماعات الإرهاب وتنظيماته.

تعاون أمني متميز

شملت ملامح الاستراتيجية تقديم الولايات المتحدة لضمانات أمنية، حيث أوضح البيان أن “الولايات المتحدة تشارك شركاءها من دول مجلس تعاون الخليجي المصلحة العميقة في منطقة سلمية ومزدهرة، وتشاركهم مصلحة حيوية، في دعم الاستقلال السياسي ووحدة أراضيه، والحماية من العدوان الخارجي على شركــاء دول مجلس التعــاون الخليجي”.

كما أشار إلى أن “سياسة الولايات المتحدة هي استخدام كل عناصر القوة لتأمين مصالحنا الأساسية في منطقة الخليج، وردع ومواجهة العدوان الخارجي ضد حلفائنا وشركائنا، كما فعلنا في حرب الخليج، وهو أمر لا لبس فيه”.

كما قررت الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي تشكيل فريق عمل عالي المستوى لمتابعة وتطوير قدرات الاستجابة السريعة، مع الأخذ بعين الاعتبار مفهوم الجامعة العربية كـ”قوة عربية موحدة”، وذلك للمساهمة بطريقة تكون منسقة في التصدي لعمليات الإرهاب وحفظ السلام والاستقرار في المنطقة.

واشنطن ودول الخليج سيعقدان منتدى ثانيا للتعاون الاستراتيجي بينهما، وسيكون معنيا بمكافحة الإرهاب وأمن الحدود لمتابعة الجهود السابقة للتعاون في مجال أمن الحدود ومكافحة تمويل الإرهاب وحماية البنية التحتية الحيوية

نظام الدفاع ضد الصواريخ البالستية، مثّل هو الآخر نقطة أساسية من نقاط الاتفاق، حيث لفت البيان إلى أن دول الخليج ملتزمة بتطوير قدرات دفاعية ضد الصواريخ البالستية تشمل نظاما للإنذار المبكر وتساعد واشنطن في إجراء دراسة حول هذا النظام الدفاعي وتقدم المساعدات التقنية في تطوير نظام الإنذار. وستعمل الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي معا لإنشاء مكتب مشتريات المبيعات العسكرية الخارجية مخصص لعمليات البيع الواسعة مع دول مجلس التعاون الخليجي، وتبسيط التحويلات من طرف ثالث، واستكشاف السبل التي يمكن للولايات المتحدة الإسراع في اقتناء وإيصال القدرات الرئيسية.

الأمن البحري، ملف آخر كان حاضرا كذلك، فقد قرّرت دول مجلس التعاون الخليجي زيادة مشاركتها في فرق العمل البحرية الدولية في مجال مكافحة الإرهاب ومكافحة القرصنة. كما قررت اتخاذ المزيد من الخطوات لتبادل المعلومات بشأن هذه الأمور، واعتراض شحنات الأسلحة غير المشروعة إلى مناطق الصراع. كما شدد الطرفان على مكافحة الإرهاب وتمويله. وبناء على الالتزام المشترك لمواجهة التهديدات الحادة التي يشكلها تنظيم القاعدة، فإن الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، سيتابعان مبادرات لمواصلة بناء قدرتهم على تعقب والتحقيق وملاحقة المتورطين في الأنشطة الإرهابية داخل حدودها، وكذلك لاحتواء وردع المرور، والتمويل والتجنيد من قبل المتطرفين الذين يمارسون العنف.

وقد لفت البيان الختامي إلى أن واشنطن ودول الخليج سيعقدان منتدى ثانيا للتعاون الاستراتيجي بينهما، وسيكون معنيا بمكافحة الإرهاب وأمن الحدود لمتابعة الجهود السابقة للتعاون في مجال أمن الحدود ومكافحة تمويل الإرهاب وحماية البنية التحتية الحيوية.

وسوف تزيد الولايات المتحدة والدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي من الجهود الرامية إلى منع تمويل الإرهاب، بما في ذلك جهود تعزيز تبادل المعلومات الاستخبارية وتنفيذ تجميد أصول الأفراد والكيانات في إطار قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، وخاصة في المنطقة.

باراك أوباما: أميركا ستقف إلى جانب دول الخليج ضد أي هجوم خارجي

إيران والقضايا الإقليمية

بالإضافة إلى جملة النقاط الأخرى المتعلقة بالتعاون الأمني والتدريبات العسكرية المستقبلية وعمليات نقل الأسلحة للمساهمة في الأمن الإقليمي، وتعزيز الأمن البحري وغيرها من المسائل المحورية الأخرى، فقد حظيت العلاقة مع إيران بجانب هام من أشغال القمة، حيث استعرض المجتمعون ما وصلت إليه المفاوضات بين مجموعة 5+1 وبين إيران، وأعلنوا معارضتهم لـ”نشاطات طهران الرامية إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة وأنهم سوف يعملون معا لمواجهة تلك النشاطات”، وشددوا “على ضرورة انخراط إيران في المنطقة وفقا لمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام السلامة الإقليمية بما يتفق مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”.

وطالب المجتمعون إيران بـ”اتخاذ خطوات ملموسة وعملية لبناء الثقة وتسوية الخلافات مع جيرانها بالطرق السلمية”.

ويرى مراقبون أنه على الرغم من هذه الاتفاقات المشتركة إلا أنّ موضوع النووي الإيراني يظل الأكثر إثارة للجدل ومحل خلاف بين الطرفين، خاصة أن واشنطن ما زالت لم تع بعد حقيقة التهديدات التي يمكن أن يمثلها هذا الاتفاق على الأمن الخليجي.

في سياق آخر فقد حظيت مواجهة تنظيمي داعش والقاعدة بنصيب من النقاشات، حيث تم الاتفاق على تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، بما يشمل إحباط الهجمات مع التركيز على حماية البنية التحتية، وتعزيز التدابير الأمنية في الحدود والطيران، ومجال مكافحة غسل الأموال، وسبل تمويل الإرهاب، واعتراض المقاتلين الأجانب، ومواجهة التطرف العنيف بكافة أشكاله.

وأكدوا التزامهم بمساعدة الحكومة العراقية والتحالف الدولي في القتال ضد داعش، وشددوا على أهمية تقوية العلاقات بين الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي والحكومة العراقية، على أساس مبادئ حسن الجوار.

وأعلن المجتمعون في ما يتعلق بالشأن السوري التزامهم بـ”مواصلة العمل لإيجاد حل سياسي مستدام في سوريا ينهي الحرب ويشكل حكومة شاملة تحمي الأقليات، ويحافظ على مؤسسات الدولة”، مشددين على أنّ الأسد فقد شرعيته كلها، وأنه ليس له دور في مستقبل سوريا. ودعموا بشدة الجهود المتزايدة للحط من قدرات تنظيم داعش في سوريا وتدميره في نهاية الأمر”.

ويرى مراقبون أنّ جملة هذه الاتفاقات التي شملت العديد من القضايا والمجالات إنّما تؤكد على النفس الجديد الذي أضحى يسود لعلاقة بين الطرفين، والذي أضحى معه قادة الخليج الذين يتمتعون بنفس شبابي قادرين على مجارات الخيارات الأميركية من موقع القوة بما يضمن صياغة اتفاقات واستراتيجيات تخدم مصالح الجانبين ولا تخضع لغير قاعدة الندية.

7