شراكة الأزواج في مواقع التواصل: دليل ثقة أم خوف من الخيانة

العصر الرقمي يفرض على الأزواج معيارا جديدا للعلاقات.
الجمعة 2021/04/23
ليس من الحكمة أن يتبادل الأزواج كلمات مرور حسابات مواقعهم الاجتماعية

فرضت الحياة الزوجية على نسبة كبيرة من الأزواج الشراكة في الكثير من الأشياء، ومن بينها كلمات السر للمواقع الاجتماعية وبطاقات الائتمان، ولم يعد من السهل على بعضهم الاقتناع بضرورة وجود حدود فاصلة بين الأشياء المشتركة التي تجمعهم والأشياء الخاصة التي تفصلهم.

يسعى الكثير من الأزواج إلى كسر جميع الحواجز مع شركاء حياتهم بالشراكة في كل شيء، بما في ذلك كلمات السر لبطاقات الائتمان البنكية ومواقع التواصل والبريد الإلكتروني من أجل البرهنة على حبهم وصدق مشاعرهم، ولتجنب التصادم والاختلاف في الآراء والمواقف، مما يدعم استقرار العلاقة الزوجية.

ولأمد طويل رجح علماء النفس وخبراء الأسرة فائدة الثقة المتينة المتبادلة بين الزوجين لكي تكون حياتهما مستقرة وسعيدة وخالية من المشاكل والمنغصات.

ويتطلب بناء الثقة بين الأزواج مشاطرة الكثير من الخصوصيات والقيم، والتشارك في الأهداف الشخصية والعملية ومساعي الحياة عموما.

ولذلك فقد أصبح من البديهي اليوم أن يتشارك الزوجان الأصدقاء والمهام المنزلية وممارسة الهوايات المشتركة والإنفاق على الأسرة، ويأتي ذلك بالنفع لكل منهما، ويساهم في تعزيز الرضا عن العلاقة الزوجية، ونجاح علاقتهما على المدى الطويل.

الشعور بالراحة النفسية

علينا بيرسون: مشاركة كلمات المرور مع الأزواج محفوفة بالكثير من المخاطر

كما فرض العصر الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي معيارا جديدا للثقة على معظم الأزواج ودفعتهم إلى مشاركة كلمات السر مع شركائهم للتعبير عن صدق مشاعرهم، ولبناء علاقات أكثر متانة وحميمية.

وكشفت دراسة جديدة أن 70 في المئة من الأزواج يتبادلون مع شركاء حياتهم كلمات المرور إلى مواقعهم الإلكترونية الشخصية أو بصمات الأصابع الخاصة بأجهزة بعضهم البعض.

وعلقت علينا بيرسون الخبيرة في الشؤون الزوجية ومديرة مدونة “باست كومباني” على ذلك بقولها “من الشائع أن يشارك الأزواج كلمات المرور الخاصة بهم لأنهم يعتقدون أن هذه خطوة مهمة لإظهار الثقة للطرف المقابل”.

وأضافت “أعتقد أيضًا أن الأزواج يشاركون كلمات المرور مع بعضهم لمجرد الحصول على مستوى من الراحة النفسية، فعلى سبيل المثال قد يستخدم أحد الأزواج جهاز الكمبيوتر الخاص بشريكه في كثير من الأحيان، لذا فإن منحه كلمة المرور يتيح له استخدام حسابات شريكه بحرية دون الحاجة إلى طلب كلمة المرور باستمرار”.

ويعتقد معظم الأزواج الذين تحدثت إليهم “العرب” أن مشاركة كلمات المرور مع شركاء حياتهم كان الهدف منها تمتين علاقاتهم، وأنها لا تمثل مصدر قلق أو إزعاج لهم، بل كانت ذات فائدة بالنسبة إليهم، حيث وضعتهم في قالب مستمر من العلاقة الزوجية القوية والصادقة.

وقالت إحدى الزوجات التي فضلت عدم ذكر اسمها “أعتقد أنه لا يوجد أي شيء يخفيه الأزواج عن بعضهم، بل يجب أن يتشاركوا محبّتهم وجميع أسرارهم بما في ذلك كلمات المرور في مواقع التواصل”.

وأضافت “من الجيد أن نتبادل كلمات المرور، إلا أن ذلك لا يعني أن نضع الشريك قيد الاختبار بشكل متعمد للتعرف على مدى صدقه أو خيانته، لأن ذلك ناتج عن عدم الشعور بالأمان والثقة بين الطرفين”.

اتساع دائرة الشك

العصر الرقمي فرض على معظم الأزواج مشاركة كلمات السر مع شركائهم للتعبير عن صدق مشاعرهم
العصر الرقمي فرض على معظم الأزواج مشاركة كلمات السر مع شركائهم للتعبير عن صدق مشاعرهم

لكن قد يؤدي تحفظ بعض الأزواج عن منح كلمات السر لأزواجهم إلى اتساع دائرة الشك، ما يدفع أحدهم إلى التجسس على هاتف الشريك أو اتهامه بالخيانة الزوجية. وقد أظهر استطلاع سابق للرأي أجرته إحدى شركات الاتصال العالمیة أن 20 في المئة من النساء العربيات يتجسسن على أزواجهن، ولكن الظاهرة ليست مقتصرة على النساء، بل هي متفشية أيضا بشكل كبير في صفوف الرجال.

وسبق وحذرت أستاذة الفقه بجامعة الأزهر والعميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية بالأزهر من تعمد الزوجة قراءة الرسائل القصيرة التي ترد على هاتف زوجها معتبرة ذلك “صورة من صور الغيرة المرضية التي تفتح الباب أمام الخلافات الزوجية، وهو ما يرفضه الإسلام ويعتبره تجسساً”.

وترى صالح أن مثل هذا السلوك “يساعد في زيادة حالات الطلاق، فضلا عن أن الإسلام يعلي قيمة احترام الخصوصيات”.

وعلى الرغم من أن أغلبية الأزواج ينظرون بإيجابية إلى مسألة تبادل كلمات المرور التي أصبحت شائعة جدا بين الأزواج في كل المجتمعات، إلا أن الخبراء يعتقدون أنها يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة إذا ما طرأت مشاكل على حياتهم الزوجية وكانت سببا في انفصالهم، ويحذرون من المخاطر التي قد تتسبب فيها إمكانية وصول المطلقين إلى المواقع الاجتماعية أو الحسابات البنكية لأزواجهم السابقين.

وقالت مديرة مدونة “باست كومباني”، “يمكن أن تكون مشاركة كلمات المرور وتسجيلات الدخول أمرًا جيدًا لأنها ترسخ الثقة وتحقق التوافق بين الأزواج، ولكنها قد تكون أيضًا محفوفة بالمخاطر للغاية”.

وأضافت “أرى أن مساوئ مشاركة كلمات المرور مع الشريك تفوق الإيجابيات، فعلى سبيل المثال قد يبدو الشريك جديرًا بالثقة في البداية عندما تمنحه كلمات المرور الخاصة بك، ولكن يمكنه بسهولة استخدامها لتبديد أموالك الخاصة ومراكمة قدر كبير من الديون عليك، أو يستخدم كلمة السر للتجسس عليك، ويجعلك تواجه مشكلات أكبر بكثير لمجرد انتفاء حدود الخصوصية”.

الخوف من العواقب

ودعت جودي كورينسكي المختصة في علم النفس السريري بجامعة كولومبيا الأميركية الشركاء إلى ضرورة التخلي عن الاعتقاد السائد بأن إطلاع الشريك على كلمات السر لمواقعهم الاجتماعية من شأنه أن يعزز أواصر المحبة بينهم، مؤكدة أن العلاقات الزوجية الناجحة هي التي يحافظ فيها الطرفان على قدر كاف من الخصوصية في حياتهما الشخصية.

وأوضحت قائلة “ليس من الحكمة في شيء أن يتبادل الأزواج كلمات المرور أو أن يطلبوا من بعضهم البعض ذلك، فالعلاقة مع الشريك لا تحتاج إلى كلب حراسة ليقوّمها متى حادت عن مسارها”.

وأضافت “ما أنصحكم به هو أن تكونوا حذرين من هذه الخطوة، وأن تحاولوا قدر الإمكان المحافظة على حيز شخصي في علاقاتكم العاطفية، لأن الرغبة في معرفة كل ما يدور في حياة الشريك إما ناتجة عن صعوبة بناء جسر من الثقة والتواصل الجيد بين الزوجين، وإما لأنها طريقة سهلة وبسيطة للتجسس والإطلاع على أفعال شريك الحياة”.

بناء الثقة بين الأزواج يتطلب مشاطرة الكثير من الخصوصيات والقيم، والتشارك في الأهداف الشخصية والعملية ومساعي الحياة عموما

ومن جانبها أكدت بيرسون على ضرورة وجود حدود صحية للخصوصية على الإنترنت هي التواصل الجيد، وقالت “تحدثا مع بعضكما البعض حول استخدام الإنترنت وما يعنيه بالنسبة إلى علاقتكما. ناقشا مستوى الحدود الذي يشعر كلاكما أنه مريح وتوافقا مع ذلك. ثقا في بعضكما البعض حتى لا يتجاوز كل منكما حدود الآخر. إذا تجاوز أحدكما، إذا محادثة أخرى حول الحدود والحكم على ما إذا كانت العلاقة جديرة بالاهتمام أم لا”.

وأكد ريتشارد تمبلر الخبير الإنجليزي في مجال التنمية البشرية أن العلاقات الزوجية القوية هي التي يعرف أصحابها كيف يتعاملون مع الأوقات العصيبة ويحافظون على حيوية وزخم علاقاتهم ويحترمون خصوصيات أزواجهم ولا يعتدون عليها.

وقال تمبلر “لكل طرف في العلاقة الزوجية الحق في امتلاك مساحة من الخصوصية”.

غير أنه ليس من السهل على الأزواج تقبل فكرة رفض شركاء حياتهم إعطاءهم كلمات المرور للمواقع الاجتماعية وحساباتهم البنكية، أو الاقتناع بضرورة وجود حدود فاصلة بين الأشياء المشتركة التي تجمعهم والأشياء الخاصة التي تفصلهم.

21