شراكة الوالدين في تربية الأبناء بعد الطلاق تحافظ على تماسك الأسر العربية

استبدال رؤية الأطفال باستضافتهم يقلل من صراع الأبوين حول النفقة والحضانة.
الثلاثاء 2020/09/15
الاستضافة تكرس التشارك بين الوالدين بعد الانفصال

جرى العرف في قوانين الأحوال الشخصية التي يتم تطبيقها في عدد من الدول العربية، أن أبناء الأزواج المطلقين في حضانة الأم، على أن يراهم الأب لساعات معدودة، بناء على حكم قضائي في ما يُعرف بأحكام الرؤية، وهو إجراء يوصف بالمعيب وغير الإنساني، وتضغط الكثير من المنظمات الحقوقية لتغييره بالاستضافة.

تتعامل قوانين الرؤية مع حضانة الصغار كحق مكتسب للأمهات فقط، باعتبار النساء أكثر رحمة وإنسانية من الآباء في التعامل مع الأطفال والتربية والاحتواء العاطفي، دون إدراك لمخاطر القطيعة بين الابن ووالده، وتأثير ذلك على سلوكيات الصغير وتنشئته وشخصيته عندما يلتقيه كل أسبوع لثلاث ساعات أو أكثر.

رغم توقيع أغلب الدول على ميثاق الطفل العربي، واتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة قبل 30 عاما، مازالت الكثير من الحكومات تتراخى في تطبيق بنودها التي تنص صراحة على أن تحترم الدول حق الصغار أبناء المطلقين في عدم الانفصال عن الآباء، والاحتفاظ بصورة منتظمة بعلاقات شخصية واتصالات مباشرة معهما.

تتعارض اتفاقيات حقوق الطفل مع قوانين الرؤية القائمة، ومازالت أغلب الحكومات تتذرع بأن استبدال الرؤية بالاستضافة قد ينتج عنه اتساع دائرة الصراع بين الأزواج المنفصلين بسبب الأبناء، وتحول الصغار إلى أداة للانتقام والضغط على أيّ منهما، والأطفال بحاجة للمزيد من الاستقرار النفسي والاجتماعي مع الأم.

لم تُدرك الكثير من الدول العربية بعد أن التربية المشتركة للأبناء بين المطلقين تحصّنهم من التبعات السلبية لهدم الأسرة، لأنه من الصعب عليهم التعايش بشكل طبيعي مع ظروف مغايرة لتلك التي اعتادوا عليها، فكيف لهؤلاء الصغار أن يكونوا أسوياء نفسيا وسلوكيا واجتماعيا بعدما فقدوا الأب، رغم أنه مازال على قيد الحياة، وإذا التقوه يضطرون لوداعه بعد انتهاء وقت الرؤية.

صحيح أن مؤسسات القضاء أصبحت مرنة في إصدار أحكام تعطي الحق للأب باستضافة أبنائه، لكن هذه الوقائع مازالت مجرد حالات فردية تخضع للسلطة التقديرية للقاضي، ويكون الحكم لأبعاد إنسانية بحتة دون وجود غطاء تشريعي يعمم الفكرة ويضمن أن يكون للأب علاقات ولقاءات مستمرة مع أبنائه.

يكفي البحث عن أعداد الأحكام القضائية الخاصة بالاستضافة كبديل عن الرؤية، للوقوف على أنها نادرة للغاية في أغلب البلدان العربية، ما يعني أن القوانين التي تجاوزها الزمن، مازالت متحكمة في علاقات الأسرة العصرية بتطوراتها وتغير عاداتها وتقاليدها وأعرافها، فهناك دولة مثل مصر، لم تقترب من قانون الرؤية منذ إقراره في عام 1929.

ويعوّل الكثير من الآباء المطلقين في مصر، على الحكم الصادر قبل أيام من محكمة الأسرة بالقاهرة، ليكون غطاء قانونيا يمكن الاستفادة منه مستقبلا، بعدما سُمح لأحد الآباء باستضافة أبنائه داخل المنزل والمبيت معه مرتين شهريا، وقال القاضي، إنه ليس من الإنسانية تفريق الأب عن أولاده، أو أن تقتصر علاقته بهم على رؤيتهم لساعات أسبوعيا، لأن ذلك يؤثر سلبا على صلة الرحم.

وتطبق بعض البلدان العربية نفس الفكرة، لكن بناء على اتفاق مسبق بين الزوجين المنفصلين، أو وفق أمر قضائي، مثل السعودية والأردن والإمارات وعمان والكويت.

المشكلة أن الأمر برمته يخضع لتقديرات شخصية، سواء من الأم أو المحكمة، وغالبا ما يتم رفض الطلب من الاثنين، ويضطر الأب للتعايش مع واقع الرؤية الذي لا يسمح للآباء والأبناء بالتواصل الإنساني أو حتى الفضفضة.

ويرى مؤيدون لتكريس مفهوم الاستضافة بين غير الحاضن وأبنائه، أنه ينهي احتكار أحد طرفي الأسرة لرعاية وتربية الصغار بما ينعكس إيجابيا على سلوكيات الأبناء، ويجعلهم أسوياء، لأن الرؤية لا تكفي لإشباع نفسية الطفل وتنشئته بشكل سليم.

تفعيل الاستضافة كفيل بإنهاء النزاع بين الزوجين المنفصلين على الولاية التعليمية أو النفقة، ويحجم الصراعات الكيدية بينهما

يقول هؤلاء، إن تفعيل الاستضافة كفيل بإنهاء النزاع بين الزوجين المنفصلين على الولاية التعليمية أو النفقة، ويحجم الصراعات الكيدية بينهما، حفاظا على مصلحة الأبناء، باعتبار أنهما شريكان في التربية والتعليم والرعاية وتلبية الاحتياجات، بحيث لا يكون الصغار أداة للانتقام بين الطرفين، بل يتنافس كلاهما على إرضائهم.

وأكدت أسماء عبدالعظيم، وهي استشارية في العلاقات الأسرية بالقاهرة، أن الرؤية لساعات قد تكفي الأب للاطمئنان على أبنائه، لكن بالنظر إلى مصلحة الطفل فإنه يحتاج إلى التربية من الطرفين، ويكفي أنه خلال الاستضافة ليوم أو اثنين، سيتواصل مع أقاربه ويتعايش مع والده، ويكتسب من شخصيته، والأهم أن يشعر بوجود السند والقدوة.

وأضافت لـ”العرب”، أن تطبيق الاستضافة يكرس التشارك بين الوالدين بعد الانفصال في كل ما يرتبط بحياة الأبناء، لكن الرؤية تحدد مسؤوليات الطرفين، فالأم تكون حاضنة ومربية، والأب ينفق، وهذه أكبر أزمة توّلد المشكلات بين الأبوين بعد الطلاق، ويتم استخدام الأطفال ذريعة للانتقام، فقد تلجأ الأم لحرمان الأب من الرؤية، ويمتنع هو عن النفقة، ويصبح الأبناء ضحية.

المكسب الأكبر من تفعيل هذه المسألة للطرف غير الحاضن لأبنائه، فأغلب الخلافات بين الأبوين حول قضايا النفقة تحل تلقائيّا، فمثلا، إذا كان الابن في حضن والده ليومين أسبوعيا، فإنه سيحاول ترضيته بكل الطرق لضمان ولائه إليه، عبر توفير متطلباته من ملابس وهدايا وألعاب، وإذا كان في احتياج مادي فلن يبخل عليه حتى لا يرفض المبيت عنده، بل قد يزيد النفقة الزوجية لتلبية حاجيات الابن.

ومازالت مبررات الكثير من المطلقات غير مقنعة، في رفض استبدال الرؤية بالاستضافة ومشاركة الآباء في تربية الأبناء، فهذه تتحجج بإمكانية خطف طليقها للأولاد، وأخرى تتذرع بأن ابنها قد يعامل بشكل سيئ من زوجة الأب، وثالثة تدّعي تحريض والد الأبناء لهم على مقاطعة الأم والتمرد عليها وتغيير سلوكياتهم.

وقال عادل بركات، وهو باحث في شؤون العلاقات العائلية، إن مزايا الاستضافة تتخطى هذه الأفكار، لأن الأهم وجود تنافس حميد بين الأبوين على استمالة الطفل، من خلال المعاملة الحسنة وتلبية الاحتياجات والسعي نحو إسعاده لا تعذيبه وقهره، حتى لا يتأثر بسلبيات هدم الكيان الأسري.

وأوضح بركات لـ”العرب”، أن إقرار الأب بالموافقة على الاستضافة، يعني أن الابن في حمايته، وإذا تعرض لمكروه أو ادّعي خطفه، فإنه سيكون مسؤولا عن ذلك، وقد يتم حرمانه من رؤيته لفترة يقررها القاضي، أيّ أن الثغرات يمكن تجاوزها لو كانت هناك إرادة حقيقية لتحصين الصغار من تبعات الطلاق.

وأصبح على المؤسسات التشريعية في الدول العربية تطبيق قوانين الرؤية بشكل أكثر إنسانية مع دوافع التقارب بين الآباء المطلقين وأبنائهم، لأن المعيار ليس في عدد ساعات الرؤية، بل في الدور التربوي والأسري للأب، والمشاركة في التنشئة الصحيحة، والاعتراف بأن باقي أفراد العائلة مثل الأجداد، من حقهم أيضا مجالسة أحفادهم لا الحرمان منهم بفرمان قانون الرؤية.

21