شراكة يقظة بين موسكو وطهران.. المصالح المتبادلة لا تصنع الثقة

ما تشهده الأراضي السورية لم يعد مجرد قتال بين قوات النظام والمعارضة، بل أصبح ميدانا لحرب دولية، تصبّ فيها مخرجات دهاليز السياسة الدولية، وتستقطب إليها فصائل مسلحة لخوض صراع تدخل فيه أطراف دولية بأجندات مختلفة. وأحدث فصول التدخل الخارجي في الشأن السوري تمثّل في تحالف روسيا مع إيران، لزيادة الدعم العسكري للنظام السوري وإدماج الأسد ضمن أي تسوية سياسية محتملة.
الأربعاء 2015/09/16
سوريا الأسد آخر مركز واضح للتأثير الروسي في الشرق الأوسط

موسكو- ذكرت تقارير عسكرية واستخباراتية أن قوات من الحرس الثوري الإيراني بحجم كتيبة تضم حوالي 1000 جندي وصلت مؤخّرا إلى مدينة اللاذقية، شمال غربي سوريا، وسيطرت على القاعدة العسكرية ومطار صغير يسمى جورين جنوب المدينة؛ لتلتحق هذه الكتيبة بركب القوات العسكرية الروسية التي وصلت هي الأخرى إلى مطار اللاذقية منذ أيام، مرفوقة بثلاث طائرات شحن عملاقة. في الوقت الذي تم فيه تفريغ المطار من القوات الجوية السورية ومن المعدات والطائرات العسكرية القديمة التي كانت راسية هناك، وسط أنباء عن أن المطار سوف يتحول إلى قاعدة عسكرية روسية.

وذكرت شبكة فوكس نيوز، الأميركية نقلا عن مصادر استخباراتية، أن القوات الروسية المرابطة في سوريا ستقوم بنقل بطاريات صواريخ مضادة للطائرات من الطراز المتقدم من “أس 300” ثم نصبها حول القاعدة العسكرية الجوية الجديدة في منطقة جبالا، الواقعة شرق المدينة، والتي تحولت إلى مقر رئيسي لقوات المارينز الروسي. وستوفّر المقاتلات الروسية “ميج- 31” الناشطة في مطار المزة العسكري بدمشق الغطاء العسكري لهذه القوات الثنائية، فضلا عن القوات البحرية الروسية المتواجدة على عين المكان، وتتقدمها أكبر غواصة نووية في أساطيل العالم، ديمتري دونيسكوي.

في ذات السياق، نشر المرصد السوري لحقوق الإنسان، مؤخرا على موقعه الإلكتروني، صور قال إنها لـ”روس يعملون على توسعة مطار الحميدية الزراعي، جنوب طرطوس، غربي سوريا، فيما شهد مطار حميميم الأسابيع الأخيرة قدوم طائرات عسكرية محملة بمعدات عسكرية ومئات من المستشارين العسكريين والخبراء الروس”.

تزامن ذلك مع صور تداولها ناشطون سوريون، على حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، تُظهر ما قالوا عنها إنها طائرات حربية روسية وجنود، في سوريا، دون تحديد مكانها بالضبط.

روسيا تعول على تطوير علاقاتها مع إيران من أجل تخفيف مخاوفها من انهيار منظومة الأمن في بحر قزوين

ونقلت شبكة فوكس نيوز عن مصادر في وزارة الدفاع الأميركية أن معظم المعدات العسكرية الثقيلة الروسية قد وصلت عن طريق البحر على متن سفن النقل البرمائية الروسية. وأكد مسؤولون أميركيون وصول إجمالي ثماني طائرات شحن عسكرية من روسيا في الأيام القليلة الماضية إلى خارج اللاذقية.

وكشفت الشبكة الإخبارية الأميركية أن متابعات البنتاغون الحذرة للتعزيزات العسكرية الروسية في سوريا، تأتي على خلفية رصد اجتماع سرّي جرى في أواخر يوليو الماضي، جمع في موسكو قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ورغم نفي الجهات الروسية والإيرانية لهذا الاجتماع إلا أن فوكس نيوز ومصادر استخباراتية أميركية، أخرى، أكّدته، مشيرة إلى أن بوتين وسليماني ناقشا خطة عسكرية مشتركة تخص سوريا خلال ذلك الاجتماع. وقال أحد المسؤولين الاستخباراتيين الأميركيين إن “الروس لم يكتفوا يتقديم المشورة والعتاد للنظام، بل أصبحوا يشاركون في قيادة الحرب الميدانية في سوريا”.

متابعات البنتاغون الحذرة للتعزيزات العسكرية الروسية في سوريا، تأتي على خلفية رصد اجتماع سرّي جمع في موسكو قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين

ووفق المعلومات الاستخباراتية، زار سليماني موسكو في الفترة ما بين 24-26 يوليو الماضي، أي بعد 10 أيام فقط من إعلان الاتفاق النووي الإيراني. والتقى الجنرال الإيراني بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير دفاعه سيرغي شويغو حيث تمّ بحث خطة عسكرية مشتركة لدعم رئيس النظام السوري بشار الأسد، وهي الخطة التي يتم تنفيذها الآن من خلال تدخل القوات الروسية في سوريا.

ويعزّز اللقاء العسكري الروسي الإيراني على الأراضي السورية، ما ذكر عن وجود تنسيق بين الجانبين فيما يتعلق بالأزمة في سوريا، التي تلتقي فيها مصالح الجانبين؛ رغم أن العلاقة التاريخية بينهما لم تكن مثالية.

الأمر الذي يدعو بعض المراقبين للتساءل: لماذا يستمر الروس في دعم الأسد؟ والجواب برأيهم هو أن الروس شديدو الاهتمام ببقاء الأسد، ليس حبا لشخصه وإنما لكونه -حسب الرؤية الروسية- آخر حاكم علماني في العالم العربي لا يعتبر حليفا للإدارة الأميركية، أو مؤيدا للحركات الإسلامية المتطرفة التي تهدد السيطرة الروسية على مناطقها الشرقية. وتعتبر سوريا الأسد آخر مركز واضح للتأثير الروسي في الشرق الأوسط.

أسباب التحالف الروسي الإيراني

أطلق الخبير الروسي فلاديمير زاهشين على التحالف بين روسيا وإيران مصطلح “الشراكة اليقظة”، بمعنى أن الحكومة الروسية سعت لتطوير العلاقة مع طهران بحيث لا تتجاوز حدا معينا قد يثير استفزاز الدول المعادية لإيران. في ذات السياق، يؤكّد الباحث الروسي نيكولاي كوزهانوف، في دراسة حملت عنوان “فهم إعادة إحياء العلاقات الروسية الإيرانية”، أنه على الرغم من مظاهر الصراع بين روسيا وإيران إلا أنهما لا يمكنهما الاستغناء عن بعضهما البعض في ظل المتغيرات الراهنة.

روسيا تعمل على منع سقوط الأسد لأنه الضامن الوحيد لمصالحها

ومثّلت عودة فلاديمير بوتين إلى الكرملين في عام 2012 بداية مرحلة جديدة في العلاقات الروسية الإيرانية؛ ففي سياق توتر العلاقات ما بين موسكو والقوى الكبرى، سعت روسيا إلى تطوير علاقات جيدة مع قوى غير غربية مثل إيران التي لم تعد، عند الروس، مجرد جار جنوبي، بل حليف ومنافس في نفس الوقت.

في ظلّ التحديات الراهنة، لم تجد روسيا، المفروض عليها عقوبات من الاتحاد الأوروبي بسبب الأزمة الأوكرانية، والتي تنظر دائما للولايات المتحدة على أنها غريم، بدّا من الشراكة اليقضة مع إيران، بالتالي دعم حليفها الرئيسي في المنطقة، بشار الأسد، لأن ذلك يعني، قبل كل شيء، منع سيطرة إيران المطلقة على سوريا، وخاصة الساحل الممتد من الناقورة، جنوب لبنان إلى اللاذقية، شمال غرب سوريا. وهو ما أكّده علاء الدين نصار، القائد الميداني في كتائب أنصار الشام، الذي قال إن “التواجد الروسي في سوريا ليس جديدا، إلا أن موسكو عززت وجودها، بعد خروج مساحات واسعة من الأراضي السورية عن سيطرة الأسد”. وأضاف أن “روسيا بدأت تبحث عن مخرج، حيث تحرص على أن يظل لها في البحر المتوسط موطئ قدم، على غرار شبه جزيرة القرم وأوكرانيا، فزجّت بقواتها البرية، وكثفت تواجدها”. لكن، الحفاظ على المصالح في سوريا، ليس سوى سبب من مجموعة أسباب تدفع روسيا بكل ثقلها في هذا الملف، وتتحالف مع إيران.

مصالح في آسيا الوسطى

التحالف بين موسكو وطهران، اللتان تعيشان اضطرابات داخلية كبرى، وتسعيان لتصدير الأزمات للخارج للتغطية على ما يجري في الداخل، سيضمن لكل طرف جارا حليفا و”آمنا” في منطقة آسيا الوسطى، ذات الأهمية الجيواستراتيجية الكبرى؛ فهذه المنطقة تشكّل مثل مفتاح السيطرة على العالم، وفق الباحثة حنان أبوسكين التي تشير في دراسة لها حول التنافس الدولي في آسيا الوسطى أن التمركز في هذه المنطقة يتيح الإطلالة الأكثر سهولة والأقل تكلفة باتجاه العمق الحيوي الروسي باتجاه الشمال، والعمق الحيوي الصيني باتجاه الجنوب الشرقي، علاوة على العمق الحيوي لشبه القارة الهندية باتجاه الجنوب والعمق الحيوي الإيراني باتجاه الجنوب الغربي؛ بالإضافة إلى العمق الحيوي لكامل منطقة بحر قزوين باتجاه الغرب.

ومن مميزات المنطقة أيضا أنها تتيح السيطرة على موارد آسيا الوسطى والتحكم في إمدادات النفط والغاز والمعادن والموارد الزراعية إلى روسيا والصين وشبه القارة الهندية ودول الاتحاد الأوروبي. كما أن السيطرة على ممرات آسيا الوسطى تتيح السيطرة على الممرات البرية والجوية التي تربط بين شبه القارة الهندية وروسيا والصين، وغير ذلك من الطرق والممرات التي تتيح ضبط التفاعلات والعلاقات البينية التي تربط بين الأقاليم المحيطة بالمنطقة.

الحكومة الروسية سعت لتطوير العلاقة مع طهران بحيث لا تتجاوز حدا معينا قد يثير استفزاز الدول المعادية لإيران

وتعول روسيا على تطوير علاقاتها مع إيران من أجل تخفيف مخاوفها من انهيار منظومة الأمن في بحر قزوين؛ حيث تخشى موسكو أن يتم تمرير خط أنابيب عبر بحر قزوين الأمر الذي يشكل تهديدا خطيرا لاحتكارها إمدادات الغاز الأوروبية. وتخشى موسكو أيضا تحركات جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق في حوض بحر قزوين، لا سيما بعد تكثيفها التعاون مع الولايات المتحدة وأوروبا حول قضايا الأمن والطاقة، فمثلا تمتلك تركمانستان رابع أكبر احتياطي من الغاز في العالم وتتنافس مع الغاز الروسي في السوق الصينية.

في هذا السياق، يؤكّد اللواء فايز الدويري، الخبير الاستراتيجي والعسكري السوري، أن تدخل روسيا في سوريا، يرجع إلى “بحثها عن موطئ قدم في المياه الدافئة، كما أنها تعمل على منع سقوط الأسد لأنه الضامن الوحيد لمصالحها”.

ويشير الدويري إلى سبب آخر لا يقلّ أهمية في شأن التحالف بين طهران وموسكو، ويتعلّق بخطر المتطرفين الإسلاميين، فـ”سقوط الأسد يعني انتصار المحور السني، الذي يبدأ من الحجاز (المملكة العربية السعودية) وينتهي في غروزني (الشيشان)، ما يعني خطر عودة الآلاف من الجهاديين بما يهدّد روسيا”.

ويذكر أن إيران وروسيا قد نجحتا سابقا في الحصول على موافقة وبالإجماع من بقية دول بحر قزوين، أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، على عدم إجازة أي تواجد عسكري أجنبي في بحر قزوين واعتباره بحيرة مغلقة على الدول الخمس التي تتشارك شواطئه، ليغلق الطريق رسميا أمام أي نشر محتمل في المستقبل لقوات حلف شمال الأطلسي في منطقة حوض قزوين.

إيران وروسيا نجحتا سابقا في الحصول على موافقة وبالإجماع من بقية دول بحر قزوين، أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، على عدم إجازة أي تواجد عسكري أجنبي في بحر قزوين

ويقر بعض المراقبين أن الولايات المتحدة الأميركية تسعى بكل ثقلها إلى خلط أوراق العلاقات الروسية الإيرانية، خاصة وأن مؤشرات وأمثلة تاريخية عديدة أثبتت أن هناك عقبات كثيرة تمنع تقارب حقيقي بين طهران وموسكو، حيث يشير الباحث نيكولاي كوزهانوف إلى أنه على الرغم من التحسن في العلاقات الروسية الإيرانية، فإنه ثمة مجموعة من العقبات الجادة التي قد تُوقف تقدم تلك العلاقات، ومن أبزرها:

* غياب الأسس السياسية والاقتصادية القوية التي تضمن استمرارية العلاقات ما بين روسيا وإيران أمام التحولات المختلفة.

* عدم الثقة المتبادلة بين البلدين، حيث أثبتت فترة حكم ميدفيديف أن روسيا قد تضحي بعلاقاتها مع إيران مقابل إعادة إحياء علاقاتها مع الولايات المتحدة.

* تخوف موسكو من عقد أي تحالف استراتيجي مع الجانب الإيراني بما يضر بعلاقاتها بعدد من الدول الأخرى بالشرق الأوسط، وعلى رأسها الدول الخليجية.

* تتقارب وجهات النظر الروسية والإيرانية حيال عدد من القضايا المشتركة، إلا أنها لا تتطابق كليا؛ وبالتالي تصعب تلك الفجوة التوصل لاتفاق ما بين البلدين، وقد تكون مصدراً لتوتر العلاقات.

6