شرطة الفكر

الأسر العربية سواء أكانت على درجة من العلم والثقافة أم الجهل فإنها لا تنتج سوى أطفال مات بداخلهم حب الاستطلاع، لأنها تقتل عندهم الرغبة في طرح الأسئلة.
الثلاثاء 2018/02/27
في حاجة إلى جيل يحطم جدران الخوف

استوقفتني أثناء مطالعتي لرواية 1984 للكاتب البريطاني جورج أورويل عبارتا “شرطة الفكر” و”مجرم فكر” والمفارقة أن هذه الشرطة تنضوي تحت لواء وزارة الحقيقة التي تزوّر الحقائق وتبتدع الأكاذيب، فتقوم بتزوير الماضي أو تخفيه، أو تقوم بتحريف ما جاء بالصحف الأجنبية، أو ما جاء بكتب التاريخ، فتغيّر وتعدل فيه وتمزق ما لا تريده أن يصل.

ولعل ما دعاني إلى التوقف عند هاتين العبارتين هو أن هذه الراوية كان منطلقها الواقع برؤية تنبؤية تحذيرية تشاؤمية، وهو فعلا ما نعايشه اليوم، حيث أضحى الابتكار والاختراع في العالم العربي يصنفان على أنهما جرم “إعمال العقل”.

لعبة تحوير الكلمات لا تقتل المعنى، فالتهمة واحدة والغاية أيضا واحدة، لا تكاد تخفى على أحد.

وهذا النوع من الهرطقات لا يختلف كثيرا عن ألوان الفتاوى الغريبة التي تحاول تخطيط حياة الناس وفقا لأهوائها وغاياتها، وهما بالنهاية وجهان لعملة واحدة تكبّل العرب في سجونها ليتعمق بدواخلهم الجهل وتصرفهم بسياط عربية أصيلة عن التقدم والرقي.

ولكن الشباب العربي بكل أقطار العالم إذا سئلوا بأي ذنب هُمِّشَوا فبماذا سيجيبون، بأي جريرة سيؤاخذون بجرم التفكير أم الاستسلام للعقائد البشرية المُدِينَةَ لكل انفتاح على نوافذ المستقبل المشرق المطل على حضارة الغرب التي كرست كل طاقاتها للتمعن والاستفادة من جهابذة الفكر العربي.

المشكلة أن الأسر العربية سواء أكانت على درجة من العلم والثقافة أم الجهل فإنها لا تنتج سوى أطفال مات بداخلهم حب الاستطلاع، لأنها تقتل عندهم الرغبة في طرح الأسئلة، إذ أن العائلات عامة لا تحسن التعامل والتفاعل مع أسئلة أبنائها العميقة، بل وإنها تعمل على مغالطتهم وتثبيت إجابات بعيدة عن الصحة بعقولهم الصغيرة.

والحال أن “حق السؤال هو أساس تقدم الإنسانية” على رأي السياسية الهندية أنديرا غاندي، فالسؤال هو اللبنة الأولى لبناء فكر تقدمي منفتح على ثقافات الآخر وطريق النجاح للرقي بالمجتمعات العربية وتكوين كفاءات فكرية تقطع مع الرجعية وتهدم أسوار الجهل وتحطم جدران الخوف من الجهر بالتفكير.

ولا أدري لماذا يكبر الشباب العربي ويكبر معهم الاعتقاد الراسخ بأن أي مخترع تسري في عروقه دماء عربية مصيره الحتمي الموت برصاصة مجهولة، أو التجميد في صالات انتظار مرصوصة بأصحاب الشهائد العليا على أمل الحصول على وظيفة مناسبة لتحصيله العلمي.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يتجاوزه إلى تفضيل أغلب الطلاب للشعب العلمية البعيدة عن المختبرات والتجارب وإعمال العقل حتى لا يقضوا بقية أعمارهم فارين من شرطة الفكر، لكنهم بالمقابل يظلون مشدودين إلى أسقف أملهم ورغبتهم في الحياة هاربين من أفكارهم خوفا من افتضاحها للعلن.

كما أن هذا التفضيل وليد فكر يرتكز على مبدأ أن أي شعبة علمية تتطلب جهودا فكرية وعقلا لا يهدأ هي بالضرورة شعبة لا آفاق للمنتمين إليها داخل أوطانهم، فمن تعلقت همته بها على عائلته الأرستقراطية أن ترسله إلى “الخارج” -وهو وصف عربي تنعت به الدول الغربية- حتى يتم تعليمه ويوظف بعد ذلك وإن كان من أصحاب العقول المتقدة ذكاء وعلما اتخذته الدولة الحاضنة لأفكاره وليدا لها وقطعت صلته بوطنه الأم وتبنته قلبا وقالبا.

ولو وقع تتبع مسار حروف كلمة فكر سيتم العثور على أسباب وأسرار هذا البون الشاسع بين المجتمعات العربية ونظيرتها الغربية، فحرف الفاء يكشف فطرة الغربيين في التعامل مع الحداثة في المقابل يرفع الستار عن تطرّف العرب في الانحياز إلى فيسبوك، كذلك حرف الكاف يجهر بكفر الغرب ببهرج العروش الزائلة ويؤكد انشداد العرب للكرسي، أما حرف الراء فهو رجاء الغربيين أن تبارك كل خطاهم نحو استيطان الفضاء وإرجاء العرب لكل صغائرهم إلى وقت غير معلوم.

وبين حرفي الفاء والراء يستريح الفكر العربي بعيدا عن أنظار شرطة الفكر.

21