شرط الجمال يضيع هيبة العمل

لم يطلب صاحب الشركة الاطلاع على شهادات الفتاة، مدى كفاءتها، ويبدو أنه لم يكن يريد موظفة للعمل وإنما "دمية" بشرية بمواصفات خاصة.
الاثنين 2018/02/26
قصر النظر إلى شكليات يضيع هيبة العمل

تفرض عدة مهن ومؤسسات علاقة شرطية واضحة ومعلنة بفجاجة بين الجمال والتوظف، وتجد علاقة قوية بين حتمية توظيف الفتيات ومظهرهن الخارجي وحسن طلتهن وحلاوة اللسان والدلع والأنوثة، حتى أن هذه الشركات والمؤسسات لا تتحرج من فرض شروطها في إعلانات التوظف بالصحف وكافة وسائل النشر، ناهيك عن تلك التي تتطلب حالة اجتماعية ما، مطلقة أو أرملة، أو عزباء بشرط صغر السن!

بلا أدنى شك تثير هذه المطالب الغريبة ريبة الكثيرين نحو الأشغال التي لا تنظر بعين التقدير إلى مؤهلات دراسية أو دورات تدريبية وثقافة تكنولوجية، وإنما تختصر كل هذه الأمور في بريق خارجي وأنوثة طاغية.

عدة مواقف مرّت في حياتي لمشاهدات قريبة للغاية تتطلب هذا النوع من النساء، ربما لم أعر الأمر الاهتمام اللائق به كونه لا يعينني، وكانت لفترة وجيزة تقتصر هذه المواصفات على وظائف السكرتارية، تلك المهنة التي أصبحت -للأسف الشديد- توصم كل من تمتهنها، رغم كون كثيرات يعملن في السكرتارية ويجتهدن في عملهن بإخلاص وتفان، ولا تنطبق عليهن القاعدة المتسعة وتلك الأحكام المسبقة الجاهزة للتوزيع المجاني على الجميع.

ولكن نموذجا غريبا اقترب مني، بتقدم ابنة جارتي، مهندسة مدنية، حديثة التخرّج للعمل في شركة مقاولات كبرى، وعدم قبولها بسبب هزلي ملخصه أن سنوات الدراسة الطويلة أرغمت الفتاة على ارتداء نظارات طبية تأكل نصف وجهها كما أخبرها صاحب الشركة، وأنها لا تتمتع بالقدر الكافي من الجمال.

لم يطلب صاحب الشركة الاطلاع على شهادات الفتاة، مدى كفاءتها، ويبدو أنه لم يكن يريد موظفة للعمل وإنما “دمية” بشرية بمواصفات خاصة! وتوضع أسفل كلمة خاصة هذه مئة علامة تعجب، ومئة خط عريض، وإلى جوارها ألف علامة استفهام.

وفي دراستها المعنونة بـ”نساء في سوق العمل” أكدت مؤسسة المرأة الجديدة على أن المظهر الخارجي أصبح شرطا أساسيا لدى كثير من أصحاب الأعمال، ليضع فيلم “فتاة المصنع” نموذجا حيا يتجسد على أرض الواقع لما تتعرّض له فتيات في بيئات عمل غير آمنة ومثقلة بأعباء التحرش، والاستغلال الجنسي والعنف الجسدي بشتى صوره وألوانه.

حاول المسلسل المصري “هبة رجل الغراب” في نسخته العربية عن المسلسل الكولومبي (yo soy betty، la fea)، “أنا بيتي، أقبح واحدة”، تقديم صورة السكرتيرة القبيحة الخلقة، التي رفضتها العديد من المؤسسات لهذا السبب، ولكن زوجة صاحب الشركة منحتها الوظيفة لذات السبب وهو قبحها، هربا من أن تضع في طريق زوجها سكرتيرة حسناء، ولكن الفتاة المجتهدة استفادت من تلك الصدفة في الارتقاء بالعمل على أسس من الكفاح والإخلاص، واستطاعت بجهد ودأب شديدين لفت انتباه العديد من أصحاب الشركات المتعاملة معهم حتى أصبحت محط أنظارهم وبهرتهم بثقافتها وذكائها الفطري، وأنجزت العديد من الصفقات دون أن يكون للجمال أدنى نصيب في هذه المعادلة، أظهرت صورة واضحة لعملها ولم تقدّم نفسها للحظة واحدة كفتاة.

في كتابها “أسرار” كشفت الدكتورة ليلى سليم العديد من التفاصيل لشهادات رواها أصحابها بوجع التجربة، وبمرارة الشكوى استفاضت بعضهن في سرد ما تعرضت له من انتهاكات جسدية ونفسية، واستباحة الفتيات والنساء المتقدمات للوظائف بإستغلال ظروفهن القاسية وحاجتهن للمال تحت ضغط الفقر والعوز، لدرجة يُندى لها الجبين، حتى باتت معظم الوظائف تحمل سمعة سيئة تخافها كثيرات خشية أن يلحقهن عارا مجانيا يطال صاحبات المجال دون تحقق من صحة الاتهام الموجّه سلفا.

تحمل ذاكرة أجيال متواترة صوت معبودة الجماهير شادية وهي تتغنى بكلمات مرسي جميل عزيز وعلى ألحان بليغ حمدي في مقطعها الشهير”قال إيه شرابي مدلدل قال، وكاوية شعري بمكواة رجل”، تعليقا على رد أحمد مظهر عليها وعلى مظهرها الرث في اختبارات التقدم للانضمام إلى فرقته السينمائية، في فيلمهما “أضواء المدينة”، لتذهب الفتاة مكسورة الخاطر ثم تعود إليه بعد فترة وجيزة ببريق يخطف بصره، وتقدّم نفسها كبرنسيسة قادمة من خلفية قصور ملكية زائفة، فيلهث خلفها من جديد، لم يختبرها في المرة الأولى ولا الثانية ولم يحكم على قدراتها التمثيلية، وإنما كانت نظرته لمظهرها في الأولى والأخيرة.

من الظلم الشديد، حصر المرأة في مساحة ضيقة ووضع المظهر قبل الكفاءة، وإن كان على المظهر عاملا لا يستهان به، ولكن قصر النظر إلى شكليات يضيع هيبة العمل ويتدنى به إلى أشياء أخرى تنال من قدسيته.

21