"شرعية" النهضة شماعة لإفشال الحوار الوطني

الاثنين 2013/11/25
التوافق السياسي غائب والحوار الوطني معلق حتى اشعار آخر

تونس- يكتنف الغموض المشهد السياسي في تونس على وقع انتظار ما ستؤول إليه الأمور بعد تعليق الحوار الوطني بين الائتلاف الحاكم والمعارضة، وتسود أجواء من عدم التفاؤل حيال قدرة الأطراف السياسية على الخروج بحل من الأزمة السياسية التي لازلت تراوح محلها.

تفاقمت الأزمة السياسية في تونس بعد تعثر الحوار الوطني وروزنامة خارطة الطريق التي وقع عليها يوم 5 أكتوبر الماضي زعماء 21 حزبًا تونسيًّا ممثلا في المجلس التأسيسي و"الرباعية" الراعية للحوار، التي تشتمل على قيادات منظمات المحامين وحقوق الإنسان والنقابات، ورغم إجماع الأوساط السياسية على أن المخرج من المأزق يكمن في "التوافق"، فإن المعطيات المرافقة للسجال السياسي والإعلامي بين الائتلاف الحاكم وأحزاب المعارضة ابتعدت كثيرا عن ذلك، راسمة مشهدا مليئا بالتناقضات التي جعلت "المجهول" يتهدد البلاد بالنظر إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتزايد المخاطر "الإرهابية" التي فشلت الحكومة في القضاء عليها.

ولاح العديد من التساؤلات التي لم يجد لها التونسيون أجوبة: هل أن الحوار الوطني الذي راهن عليه كثير من صناع القرار السياسي في السلطة والمعارضة التونسية تطور إلى "معضلة" بعد أن أُريد له أن يكون الحل والمخرج من الأزمة السياسية الأكثر حدة التي تمر بها البلاد منذ أشهر؟ وهل سيتوصل ساسة تونس إلى توافق سياسي أم سيفشلون فتتدخل المؤسستان العسكرية والأمنية لحسم الموقف في سيناريو يذكر بما جرى في مصر في يوليو الماضي.

يعتبر معارضون بارزون أن المستيري "جيء به" ضمن أجندة مسكوت عنها تقف وراءها النهضة الإسلامية وحلفاؤها والدليل رفضها جميع المرشحين وتمسكها به فقط لأنها تبحث عن ضمانات للبقاء في السلطة


عدم توافق سياسي


على الرغم من تعاقب التحركات الماراثونية في الكواليس منذ الإعلان عن تعليق الحوار الوطني وفشل مبادرة الرباعية النقابية والحقوقية، فإن الطبقة السياسية تبدو أبعد ما تكون عن التوافق وخاصة بين حركة النهضة الإسلامية وجبهة الإنقاذ المعارضة بزعامة الباجي قائد السبسي رئيس الحكومة السابق والجبهة الشعبية اليسارية بزعامة حمة الهمامي، زعيم الحزب العمالي الشيوعي، والكتلة التي ينتمي إليها الفقيدان شكري بلعيد، ومحمد البراهمي.

وتتّهم أحزاب المعارضة التونسيّة حزب "حركة النهضة" الإسلامي الحاكم في تونس بإفشال الحوار الوطني وإفراغه من محتواه بهدف إجهاض خارطة الطريق التي ترعاها كبرى المنظمات غير الحكومية التونسية. كما حذّرت قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل من الأخطار التي قد تهدد البلاد في حال الفشل التامّ في مفاوضات الخروج من الأزمة المستفحلة.

وفي ظل هذه الاختلافات الحادة تراوحت المواقف داخل الرأي العام الشعبي وزعامات المعارضة بين التفاؤل والتشاؤم، بين حديث عن تعليق مؤقت للحوار الذي رعته الرباعية وتوقعات بـ"فشله نهائيًّا" والدعوة إلى مبادرة جديدة ترعاها شخصيات مستقلة لا تكون طرفًا في الصراعات على غرار إثنين من أعضاء الرباعية يتهمهما البعض بالولاء لحزبين في جبهة الإنقاذ.

وبالرغم من استخدام الأمين العام لاتحاد نقابات العمال حسين العباسي مصطلح "تعليق الحوار" وليس عبارة "فشل"، فقد سادت في مختلف التقييمات والتعليقات في وسائل الإعلام التقليدية والإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي وجهة النظر التي تعتبر أن الأمر يتعلق فعلا بـ"فشل ذريع ونهائي للحوار ولوسطاء أعضاء "الرباعية" ولقيادات الأحزاب الكبرى في إنجاز المهمات التي تعهدوا بإنجازها في ظرف شهر، وعلى رأسها اختيار الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، ورئيس الحكومة الجديد، والمصادقة على الدستور، وتحديد موعد الانتخابات القادمة".


ضد الحوار


أشار سمير بن عمر القيادي في حزب المؤتمر بزعامة الرئيس منصف المرزوقي، إلى أن إعلان الرباعية عن فشل الحوار أكد صدق التقييمات التي قدمتها الأحزاب التي رفضت التوقيع على خارطة الطريق، ومن بينها حزب المؤتمر، بسبب عدم قابلية تلك الخارطة للتطبيق.

وأقر بن عمر أن الإعلان عن "التعليق" جاء بعد شهر كامل من حفل التوقيع على وثيقة خارطة الطريق في قصر المؤتمرات بالعاصمة يوم السبت 5 أكتوبر الماضي، في مناخ مشحون، وبعد تأجيل دام 3 ساعات وفي ظرف تمسكت فيه 3 أحزاب "برلمانية" من بينها حزب المؤتمر بموقفها الرافض للتوقيع على الوثيقة، والتي اعتبرت أن "الأيام ستؤكد أنها غير واقعية وغير قابلة للتطبيق".

وقد عبر قيادات من أحزاب المؤتمر والإصلاح والتنمية و"تيار المحبة" ومن جبهة الأحزاب الـ11 التي شكلت جبهة "الدفاع عن الشرعية الانتخابية" بزعامة محمد القوماني عن رفضهم المشاركة في الحوار و لم يترددوا في وصفه بـ"المحاولة الانقلابية على الشرعية الانتخابية في صالونات مغلقة بعيدًا عن ملايين الناخبين".


"الانقلاب الأبيض"


ترى المعارضة أن الشرعية التي تتمسّك بها حكومة النهضة هي "شرعية واهية"، إذ بالإضافة إلى أن الشرعية الانتخابية انتهت منذ أكثر من سنة فقد فقدت الحكومة شرعيتها الشعبية نتيجة الفشل الذريع الذي مُنيت به في إدارة شؤون البلاد على جميع الأصعدة سواء السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.

وعلى الرغم من أن عددا من قيادات الحزب الحاكم يعترف بضرورة بناء "شرعية توافقية" مع المعارضة من خلال الحوار الوطني فإن تلك الاعترافات تبقى مجرد خطاب سياسي يروّج للنهضة على أنها "حركة حوار" لإسكات المعارضة أو تحذيرها من خطورة الجماعات الإسلامية الجهادية.

وقد نالت قيادة "الرباعية" نصيبا من الاتهامات من البعض بالعمل على تمرير "انقلاب أبيض" عجزت بعض الأطراف عن فرضه عبر تهييج الشارع والإضرابات والاعتصامات والعمليات الإرهابية، أو عبر "محاولة فاشلة لاستدراج المؤسستين الأمنية والعسكرية إلى السيناريو المصري".

و أصبح أبرز رموز أحزاب الترويكا يوجهون انتقادات علنية لاذعة إلى زعاماتهم بمن فيهم رئيس الحركة راشد الغنوشي، ورئيس الحكومة علي العريض، ورئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر ويتهمونهم بالانخراط عن قصد أو عن غير قصد في استراتيجية "الانقلاب الأبيض على الشرعية" من خلال توقيعهم على وثيقة خارطة الطريق، ودفع الأوضاع عمليًّا نحو صيغة أخرى للسيناريو المصري.

وسارت في نفس المنحى وبلهجة أكثر حدة "جبهة الرفض" في المجلس التأسيسي التي تضم حوالي 40 عضوًا على رأسهم عبد الرؤوف العيادي، رئيس حزب "وفاء" الذي سبق أن انشق مع مجموعة من المقربين منه عن حزب المرزوقي، احتجاجًا على ما اعتبروه تنازلات قيادات الترويكا لرموز الفساد والاستبداد في العهد السابق، ومصالحتهم مع بعض المسؤولين السابقين في الدولة وخاصة في مؤسستي الأمن والقضاء في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

ويستدل هؤلاء باعترافات مسؤولين بارزين في "جبهة الإنقاذ" المعارضة، مثل الباجي قائد السبسي، ومحسن مرزوق، والطيب البكوش، الذين أقروا بمحدودية ورقة تهييج الشارع والشباب حول مطالب سياسية وحزبية، وضرورة التفكير في سيناريوهات بديلة لتحقيق هدف إسقاط الإسلاميين وحلفائهم من الحكم. واعتبر عدد من النشطاء البارزين في النهضة وأحزاب الائتلاف الثلاثي الحاكم منذ انتخابات أكتوبر 2011 أن موافقة قيادات في الترويكا على خطة "تنازل الأغلبية التي فازت في الانتخابات بثلثي المقاعد عن الحكم لأطراف لم تشارك فيها أو فازت فيها بنتائج هزيلة جدًّا، انخراط في مؤامرة "الانقلاب الأبيض".

المعارضة تخشى من تورط النهضة والائتلاف الحاكم وحلفائه في إحياء خلافات قديمة بين المستيري وقائد السبسي تعود إلى انتخابات 1981


الخلافات بين المستيري والسبسي


يؤكد كثير من رموز المعارضة، مثل حمة الهمامي عن الجبهة الشعبية وحزب العمال ومحسن مرزوق القيادي في حزب "نداء تونس" و"جبهة الإنقاذ" على تقييمات تصف ما حصل مؤخرًا من تعليق للحوار بـ"فشل مسار المصالحة" التي يمكن أن تجنب تونس العنف والإرهاب، واستفحال المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.

ولم يشكك أي من المعارضين في نزاهة أحمد المستيري، ومصداقيته، وتاريخه في النضال الديمقراطي منذ انشقاقه عن نظام الحبيب بورقيبة في مؤتمر الحزب الحاكم قبل أكثر من 42 عامًا.

ويعتبر معارضون بارزون أن المستيري "جيء به" ضمن أجندة مسكوت عنها تقف وراءها النهضة الإسلامية وحلفاؤها، هدفها ضرب زعيم المعارضة الحالية السبسي. والمعروف أن المستيري كان رئيس السبسي في الحكومة، وفي وزارة الداخلية في الستينيات، ثم في تيار "المعارضة الدستورية" ما بين 1971 و1977، وفي مجموعة الديمقراطيين الاشتراكيين، بعد تأسيس الحركة في يونيو 1977.

و ترفض المعارضة ترشيح المستيري لشكوك في وضعه الصحي وعدم ملاءمته، لمقتضيات المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد، ورأى حمة الهمامي القيادي بالجبهة الشعبية أن "النهضة رفضت جميع المرشحين وتمسكت به فقط لأنها تبحث عن ضمانات للبقاء في السلطة".

وقد اختلف المستيري وقائد السبسي في انتخابات 1981 و1989عندما تمسك المستيري بالمعارضة، واختار قائد السبسي "سيناريو المشاركة مع بورقيبة ثم مع بن علي"، مما مكنه من دخول البرلمان رغم إقراره بتزييف الانتخابات، وتولى بذلك حقيبة الخارجية ما بين 1980 و1986، ثم رئاسة مجلس النواب بعد أول انتخابات في عهد بن علي في 1989، قبل أن يعوض الحبيب بولعراس شريكه في التمرد على المعارضة الليبرالية آنذاك بزعامة أحمد المستيري.

ويخشى بعض المعارضين من تورط النهضة والائتلاف الحاكم وحلفائه في إحياء خلافات قديمة بين المستيري وقائد السبسي تعود إلى انتخابات 1981 التي أكد الباجي قائد السبسي في كتاب ألفه عن سيرة حياته أنها كانت مزيفة، لأنها أسندت إليه بأمر من بورقيبة 150 ألف صوت، وإلى أحمد المستيري 1500 صوت فقط، رغم تأكيدات بكون قائمته كانت الفائزة في الانتخابات وليست قائمة حزب بورقيبة التي ترأسها قائد السبسي.


مخرج للأزمة


في محاولة للخروج من المأزق السياسي والدوران في الحلقة المفرغة أعلن محسن مرزوق المقرب من قائد السبسي ومن أطراف نقابية ويسارية عديدة، عن "شرط جديد لاستئناف الحوار مع حزب النهضة الإسلامية وحلفائها يتمثل في إقرار كل الأطراف مسبقًا بـ"انتهاء شرعية انتخابات 23 أكتوبر 2011، وشرعية المجلس الوطني التأسيسي والسلطات المنبثقة عنه".

وهو بذلك أعاد إلى السطح موقفًا سبق أن عبر عنه السبسي ومقربون بارزون منه، أي أن يشمل التغيير كل مؤسسات الدولة وحل المجلس التأسيسي، وعلى غرار تجربة "المجلس التأسيسي الموازي" دعا محسن مرزوق إلى تأسيس حكومة ظل من الكفاءات الوطنية، تعمل على الإعداد لبرنامج إنقاذ للبلاد تنفذه عندما تكون في السلطة بالطرق الشرعية.

هذا الإقرار شبه الجماعي بـ"فشل" الحوار الذي نظمته "الرباعية" يعيد تونس إلى "المربع الأول"، ويفتح الباب مجددًا أمام كل السيناريوهات، وسيكون الخاسر في النهاية جل قادة الأحزاب "الكبرى"، فيما ستندثر حظوظ "الأحزاب الصغرى" التي ساهم بعضها في تعقيد الأزمة الحالية بـ"المال السياسي" و"الفوضى الإعلامية".

لكن الأقدار شاءت أن يقتفي بعض ساسة تونس أثر نظرائهم في مصر، من حيث إعادة النظر جوهريًّا في مسار تلك الثورات، وفي أداء السلطات التي أفرزتها الانتخابات التي أعقبتها، خاصة أن حصيلتها كانت في البلدين انتقال عدد من رموز "الإسلام السياسي" من مرحلة السجون والاضطهاد إلى طور مواجهة تحديات حكم البلاد.

وهي تحديات تبدو أخطر من أن يكون أي طرف سياسي وحده قادرًا على رفعها، ورغم تجربة حكم للائتلاف الإسلامي العلماني المعتمد في تونس ضمن ما عرف "بديمقراطية التوافق"، وهي إستراتيجية تختلف عن تلك التي اعتمدتها قيادة الإخوان المسلمين في مصر، حيث احتكرت الحكم بالتحالف مع السلفيين، ورفضت مشاركة أحزاب علمانية وقوى من المجتمع المدني، إلا أنها أثبتت أيضا فشلها نظرا إلى أن من يأخذ القرارات السياسية ومن يتحكم بزمام الأمور في النهاية هم الإسلاميون فقط.

6