شرعية فلسطينية في مهب الريح

الاثنين 2015/08/31

يبدو أن القيادة الفلسطينية حسمت أمرها لجهة عقد مجلس وطني لانتخاب لجنة تنفيذية جديدة، بعد التوافق الحاصل بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ورئيس المجلس الوطني سليم الزعنون، إثر تراجع الأخير عن تحفظه، متسلحا بالنظام الداخلي، الذي لا يجيز انتخاب لجنة جديدة بدون توفر نصاب الثلثين.

بغض النظر عن تقييم هذه الخطوة أو استهدافاتها، ثمة حقيقة مفادها أن الشرعية الفلسطينية في مهب الريح، وأنها لم تكن مهددة يوما مثلما هي اليوم، لعدة أسباب أهمها، أولا، أن الخيارات السياسية التي أخذتها القيادة على عاتقها لم تنجح، ونقصد بذلك خيار التسوية أو المفاوضة، والمشكلة أنه لا توجد خيارات بديلة ممكنة، أو لا يوجد لا رغبة ولا قدرة عليها، ما يستنزف من شرعية هذه القيادة. ثانيا، الشرعية المتعلقة بالكيانات السياسية الفلسطينية السائدة انتهت آجالها الزمنية منذ سنوات، فالمجلس الوطني للمنظمة لم يعقد اجتماعا له منذ عشرين عاما، وهو الذي يفترض أن تتجدد عضويته كل ثلاثة أعوام، ويفترض أن يعقد اجتماعا واحدا له كل سنة. أما المجلس التشريعي، فقد بات له عشرة أعوام، وهذا ينطبق على موقع الرئيس ذاته. ثالثا، وفوق ما تقدم، فنحن إزاء طبقة سياسية دبت فيها الشيخوخة، إذ أن متوسط أعمار أعضاء المجلس الوطني في الستينات، وهذا ينطبق على اللجنة التنفيذية، التي بات معظم أعضائها في السبعينات أو الثمانينات، ناهيك أننا إزاء طبقة سياسية لم يعد لديها ما تضيفه أو ما تقدمه. وبالطبع فإن، هذا يشمل المنظمات والاتحادات الشعبية، التي لها حصة في المجلس الوطني، فهذه أيضا بات لها قرابة ربع قرن لم تجر انتخابات، بل إنها لم تعد تمثل الفلسطينيين في الداخل والخارج، بعد أن باتت تركز وجودها في الداخل.

بغض النظر عن رأينا في مشروعية الدعوة للاجتماع من عدمه، فإن بعض المتحفظين على شرعية الدعوة يتناسون أنهم أنفسهم روجوا لاتفاق أوسلو أو سكتوا عنه، وأن هذا الاتفاق مر أو تم فرضه، بطرق غير شرعية ومن خارج المجلس الوطني، ومن خارج أطر “فتح”، ومتناسين أنهم برروا تهميش منظمة التحرير، وبالتالي وصولها إلى هذه الحال. فوق ذلك فإن بعض المتحفظين من الفصائل يتناسون أنهم سكتوا على نظام المحاصصة الفصائلي “الكوتا”، لأنه وحده الذي يمنحهم الشرعية، مع فصائل لم تعد لها أي مكانة عند شعبها ولا أي دور في مواجهة العدو، ولا أي معنى سياسي أو فكري.

المجلس الوطني سينعقد، على الأرجح، رغم كل التحفظات، وفي الوقت الذي حدده الرئيس، والفصائل المتحفظة ستحضر، لأن النظام الفلسطيني يشتغل منذ زمن على التواطؤ فيما بين الطبقة السياسية السائدة في المنظمة والسلطة والفصائل، لأنها بذلك تعوم ذاتها وترسخ مكانتها، بغض النظر عن حجمها ودورها، وبمعزل عن اختلافاتها.

طبعا ثمة مشكلة في النصاب اللازم لعقد الاجتماع، فالمجلس الوطني بحاجة إلى تجديد عضويته، ليس لتجديد شبابه فقط، وإنما لأن تشكيله على أساس نظام المحاصصة الفصائلي لم يعد له معنى، مع وجود فصائل لم يعد لها لا حول ولا قوة، ومع التحول نحو النظام السياسي التمثيلي، الذي يقوم على الانتخابات؛ وهذا يشمل النصاب المتأتي من المنظمات الشعبية، التي بالكاد يلحظ الفلسطينيون دورها.

المعنى من كل ما تقدم أن المجلس الوطني الفلسطيني سينعقد في هذه الظروف، وبغض النظر عن النواحي القانونية، وأن ثمة مصلحة لمعظم الأطراف في انعقاد شمله، لتأكيد شرعيتها، أي أن المشكلة ليست قانونية وإنما سياسية. أيضا، الفكرة ليست في انعقاد المجلس أو عدم انعقاده، وإنما في قدرته على الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الواقع على الفلسطينيين اليوم.

كاتب سياسي فلسطيني

9