"شرفة الهاوية" تخلع الأقنعة عن وجوه المجتمع العربي

السبت 2014/10/11
إبراهيم نصرالله يكتب شرفة الهاوية رواية "شخصيات" أحداثها داخل نفوس الشخوص

إبراهيم نصرالله كاتب روائي، وشاعر، وناقد، من أصل فلسطيني. له أعمال كثيرة أهمها في ميدان الرواية: براري الحمى، والأمواج البرية، وعوْ، والملهاة الفلسطينية. وأبرزها طيور الحذر، وطفل الممحاة، وزيتون الشوارع، والشرفات في أربعة أجزاء. آخر روايات نصرالله “شرفة الهاوية”، التي كانت من أبرز المرشحين لنيل جائزة البوكر 2014. وقد حاز الكاتب على سبع جوائز عن أعماله الروائية والشعرية.

رواية شرفة الهاوية، تحيل القارئ إلى تهافت البنى السائدة، وتخلفها عن قيم العصر الكونية. وهو ما يقدمه الكاتب في بنائه للشخصيات الرئيسية الثلاث في روايته “سلمان بيك”، و”الدكتور كريم”، و”المحامية ديانا”. ومن خلال محمول الشخصيات الذكورية خاصة، يقف القارئ على درجة التفسخ والفساد الاجتماعي، كعينة وضعها المؤلف في مختبر الكشف عن “الأورام السرطانية”. فتكون العلاقات الإنسانية المشوهة والانتهازية، مع مجموعة من العقد النفسية، التي تتكثف في العلاقة بين الرجل والمرأة، عاطفيا واجتماعيا وجنسيا، وتظهر تلك العقد موصولة، بشكل من الأشكال، أو متعايشة ومتداخلة، مع البناء السياسي المهيمن.


التحول والأقنعة


محور الرواية يقوم على تأثير الفساد في سلوك الأفراد، ومواقفهم من القضايا الاجتماعية والإنسانية. فحين تستخدم القوى النافذة أسلوب الترهيب تارة، والترغيب تارة أخرى، تتمكن من إخضاع الأشخاص لإملاءاتها التي تخدم بنية النظام. ولا بدّ أن تهافت الشخصيات التي تتعرض للترهيب والترغيب، وهشاشة تكوينها الإنساني والفكري والروحي، يكشف طمعها وسعيها للوصول إلى مواقع مؤثرة.

الشخصيتان الرئيسيتان في شرفة الهاوية، سلمان بيك، ود. كريم، يقدمهما السرد على حقيقتهما، رغم محاولاتهما وضع القناع على وجهيهما. أما الشخصية النسوية الأبرز، ديانا، فهي تتحول تدريجيا إلى التمرّد على السلطة الذكورية ورغباتها، بعد نضج تجربتها مع الشخصيتين الذكوريتين “سلمان” و”كريم”. تطلِق الأول، وتنهي علاقتها مع الثاني، بعد اكتشافها لخداعه وهشاشة بنيته النفسية والروحية، وهي التي كانت قد وقعت في عشق حميم لشخصيته.

سلمان المحامي، الذي كان مناضلا، يمضي وهو يبحث عن طموحه الشخصي، ليعمل مع جهاز الأمن كمدير دائرة، بعد وعد منه لسليمان يطمئنه فيه بأنه لن “يحقق مع أيّ يساري، فاليسار قد أنهك بما فيه الكفاية، بل مع أعداء اليسار، وأعداء الوطن”. وهو ما يكشف عن سلمان كـ”مناضل يساري سابق”.

محور الرواية يقوم على تأثير الفساد في سلوك الأفراد، ومواقفهم من القضايا الاجتماعية والإنسانية

قبل سلمان الوظيفة التي سترفعه إلى رتبة وزير، ولم تعد لمهنته “المحاماة” من ضرورة، فيفض شراكته في المكتب مع ديانا حين كانت زوجته.

تتسع أملاكه وعقاراته وصفقاته التجارية الفاسدة، حتى مشاريع الحكومة يدخل بها في مشاريع وهمية، ويتم توقيع العقود بتصويت من أعضاء البرلمان، فهم بنسبة ثمانين بالمئة لهم سجلات في مخالفة القوانين، تمنعهم من رفض التصويت على الصفقات. ولإكمال قناع الخداع والادعاء، يختار سائقا شخصيا له، باقتراح من مدير مكتبه، هو أحمد، ابن شهيد سقط على أرض فلسطين، لتلميع صورته “الوطنية” أمام الناس.

د. كريم، الأستاذ الجامعي المطرود من الوظيفة، والعائد إلى بلده “الأردن”، بعد قرار إنهاء الأحكام العرفية، ظن أنه سيعود إلى عمله بشكل طبيعي. لكن سلمان كان له بالمرصاد، فبعد مطالعة ملفه، وجمع المعلومات عن شخصيته وعلاقاته الاجتماعية، خاصة مع النساء، تتفتق في ذهنه فكرة استخدام قصص حياة كريم الصاخبة مع الجنس الآخر، لتكون قصصا ينتحلها لنفسه، كي يتباهى بها أمام مجالس الرجال من الطبقة الغنية والنافذة، وبذلك يكتمل لديه مثلث السلطة والمال والنساء.

فبعد مساومة مع كريم قامت على التهديد الناعم والسافر أيضا، يقبل كريم العودة إلى الوظيفة المعلنة، وهي أستاذ في الجامعة، وبالوظيفة الثانية الأهم: أن يبيع تجاربه وقصصه ومغامراته وذاكرته لسلمان بيك. حينئذ، وحسب وصفه لدوره، تتحول حياته وتجاربه وقصصه لتخدم “قضيب” سلمان بيك، وتظهر فحولته.

د. كريم ، الذي تخرَج من فرنسا، في فرع العلوم الاجتماعية، تقوم تجاربه مع المرأة على الخداع، ويستغل مهنته كأستاذ جامعي، لاستدراج الطالبات إلى سريره وابتزازهن عن طريق علامة النجاح. كما أنه يوظف معارفه الفكرية والنظرية في إدهاش النساء، ولفت انتباههن إليه. امرأة رفضت أكثر من ستة رجال تقدموا للزواج منها، وقعت في شرك سلمان بيك، لا لشيء، فقط لأنها كما تقول: لا شيء يمكن أن يفتنها مثل رجل فصيح. وهي سيدة جميلة ومعتدة بنفسها ومحامية ناجحة، وهي “ديانا” التي تعني آلهة القمر.

الأحداث تجري في فضاءات داخل نفوس الشخصيات

أولا بأول راحت ديانا تكتشف ما خلف قناع الفصاحة. وأول شيء اكتشفته في سلمان هو البخل، رغم ثرواته الطائلة. ثم اكتشفت قسوته نحو ولديه من زوجته السابقة، كما وشت سلوكياته نحوها بأنه اختارها فقط ليظهر أمام رجال طبقته كرجل ناجح، دليله هو زوجته ديانا ذات الجمال المذهل. إلى جانب اكتشافها له باهتا ومهزوزا، فالسرد الذي تقوم به ديانا في الرواية يخبرنا بأنه لا يطمئن إليها، ويريد مرافقتها أينما ذهبت، لكن الأسوأ والأكثر بشاعة، اكتشافها له يتمرغ ويعانق ويضاجع ثيابها الداخلية، في الفترة التي أبعدته عنها جسديا بشكل قاطع، قبل طلاقها القانوني منه.


شرفة على الهاوية


يتعرف كريم على ديانا في ندوة ثقافية لتكريم أحد كبار الأدباء في مدينة عمان. تعجب ديانا بمداخلة كريم، وبشكله، ويندهش هو بها، ويشبهها بالممثلة الإيطالية التي برزت في أفلام الستينات “كلوديا كاردينالي”.

ديانا لم تكن تعلم شيئا عن علاقة كريم بزوجها سلمان، وهو لا يعرف، ولم يكن يتخيل أن تكون ديانا زوجة سيّده، الذي من أجله راح يكتب قصص تجاربه الجنسية، لينتحلها سلمان باعتبارها قصصا حصلت معه ولا علاقة لكريم بها.

وتكون الصدمة التي تلقتها ديانا حين رن هاتف كريم، وهي في خلوة معه بشقته، وقد اقتربا في حميمية جلستهما من الالتحام الجسدي، لتقرأ اسم سلمان على الشاشة، فتصاب بالذعر وتغادر، ويصاب كريم بالإحباط ولا يعرف السر، وهو الذي كان قد قرر أن يكتب قصته مع ديانا، كي يأخذها كريم ويتلوها أثناء جلسة “الكبار”.

صدمة أخرى مدمرة تصيب سلمان بيك، فالقصة الأخيرة التي باعها له كريم هي قصة “صاحبة سيارة الكورولا السوداء”، العائدة لديانا، وهنا تقترب الهاوية، وتتداعى أفكار سلمان لتدمير كل ممتلكاته وأمواله وعقاراته.

نطّلع في السرد على زمن الأحداث التي واكبتها الرواية، وهي تمتد من ثمانينات القرن الماضي حتى الحرب على غزة 2008، مرورا بغزو العراق سنة 2003. فمنذ أن شاهد سلمان ديانا للمرة الأولى، نتعرف على زمن الغزو الأميركي للعراق، عندما خرجت المظاهرات في عمان تندد به وكانت ديانا من بين المشاركين فيها. وندرك أيام الحرب على غزة 2008، حين كان السائق أحمد يدير مؤشر الراديو في سيارة سلمان بيك ليستمع إلى أخبار العدوان عليها، بينما سلمان يتذمر لأنه لا يريد متابعة تلك الأخبار.

والرواية هي أقرب ما تكون رواية “شخصيات”، فالحدث المتنامي فيها ليس خارجيا، إنه حدث- أحداث تجري في “فضاءات” داخل نفوس أفراد، تبرزها سلوكاتهم وهم يسردون همومهم واهتماماتهم، فتظهر من خلالها تلك الشرفة المفتوحة على الهاوية، من انهيارات الشخصيات، حيث أن كل واحدة منها لها خصوصيتها، وإن كان ما يربط بينها هو تحلل وخراب الفئة الوسطى في المجتمع.

17