شرف الدين ماجدولين وكتابه "قارئ الرواية"

الأحد 2018/01/28
الشيطان يختبئ هناك (الرسمة للفنان أسامة بعلبكي)

“قارئ الرواية” هو عنوان الكتاب الأخير للناقد المغربي شرف الدين ماجدولين. ولئن كان الكتاب بحثا موغلا في الرواية وأثرها على القراء، فإن هذا العنوان إنما ينطبق على مؤلف الكتاب نفسه، ذلك أن شرف الدين ماجدولين هو قارئ نهم للروايات، مولع بتفاصيلها. والبحث في طبقات النقاد المعاصرين يؤكد لنا أن النقاد العارفين بأسرار الرواية هم الذين طالعوا روايات أكثر، وليسوا أولئك الذين انصرفوا إلى قراءة الدراسات النظرية والمناهج النقدية، وسعوا في تطبيقها وإسقاطها “من المساء إلى الأرض” على أول رواية كان ذنبها الوحيد أنها وقعت بين أيديهم.

فقه القراءة

تتردد أعمال شرف الدين ماجدولين ما بين الدراسات النقدية المحكمة، الموجهة إلى المتخصصين والباحثين، منذ أطروحته المرجعية “بيان شهرزاد” وكتاب “”ترويض الحكاية” و”الفتنة والآخر”، وما بين كتب ودراسات تتوجه إلى عموم طبقات القراء، مثل “حكايات صور” و”الصورة السردية”، وصولا، اليوم، إلى كتاب “قارئ الرواية”.

ففي هذا الكتاب، يتقاسم المؤلف مع قرائه شغفه بالروايات وفتناتها، ويستدرجهم إلى عوالمها السرية وسراديبها الخفية. مثلما يتقاسم معهم عشق روايات بكاملها، ومتعة اللقاء بشخصيات وفضاءات تجري معها وفيها وقائع هذه الروايات.

وإذا كان مؤلف الكتاب من الأسلوبيين العرب المعاصرين الباحثين في أضغاث الصورة السردية والروائية، فهو يدشن اليوم مبحثا جديدا (ثالثا) في هذا الكتاب، يتعلق بـ”صورة القارئ”، قارئ الرواية والأدب والفنون بشكل عام.

يمكن القول، ضمن هذا النقاش الجمالي، إن القارئ هو أحد الأبطال الأساسيين في كل الروايات، وإن الحدث الجديد في “مورفولوجية الرواية”، هو حدث أو فعل القراءة في حد ذاته. والروائي الجيد هو الذي يستطيع أن يبحث له عن قارئ جيد وفيّ، يقرأ الرواية إلى آخرها، ليخرج إلى المكتبات، ويسأل “بائع الروايات” عن أعمال أخرى للمؤلف. وقد يكون على علم بها، إذا هو صادف في نهاية الرواية أو في ظهر غلافها تلك العبارة الإرشادية: “صدر للمؤلف”.

والخلاصة هي أن الروائي الجيد “مسامر جيد”، كما يسميه كولن ولسون في كتابه يحمل هو الآخر عنوان “فن الرواية”، يثبت من خلاله أن مؤلف الرواية صانع حاذق وعاشق أيضا.

الروائي الجيد هو الذي يستطيع أن يبحث له عن قارئ جيد وفيّ، يقرأ الرواية إلى آخرها، ليخرج إلى المكتبات، ويسأل "بائع الروايات" عن أعمال أخرى للمؤلف

عاشق الرواية

كتاب شرف الدين ماجدولين خطاب في العشق “الروائي”. والرواية أثر، ولا بد للأثر من تأثير على القارئ. والإثارة هي أساس العشق ولغزه، في ما يقوله كونديرا في “فن الرواية” أيضا. لكن كتاب ماجدولين إنما هو في “فن القراءة”، والقراءة عشق. هذا ما يخبرنا به ألبيرتو مانغيل، تلميذ بورخيس، في كتابه “يوميات القراءة”، وهو يضع له عنوانا فرعيا “تأملات قارئ شغوف طوال سنة من القراءة”.

وفي هذا الكتاب يعرّف الأرجنتيني القراءة بأنها “فعل مريح، هادئ، وحسي”، بينما يُعَرِّفُ القارئَ بأنه “عاشقٌ محبٌّ للتفاصيل”، عنوانُ إحدى روايات مانغيل. من هنا، كان القارئ عاشقا، وهو يبدي استعدادا لأن يصدق ما يرويه الكاتب، ويعيشه، ليس باعتباره واقعا فقط، بل واقعا مضاعفا، قادرا على فهم الواقع الذي نعيشه ونسميه حقيقيا.

شيطان الرواية

إذا كانت الرواية امرأة، مثلما يسميها ماجدولين، في مقابل الشعر المرتبط بالفحولة، فإن للرواية شيطانا أيضا، وشيطان الرواية هو الذي يجعلها فنا للتفاصيل. وبقدر ما يكمن الشيطان في التفاصيل تكمن الرواية في التفاصيل أيضا. من هنا، يرى المؤلف أن قارئ الرواية لا يحتاج إلى قواعد، بل إلى تفاصيل.

فالقواعد النظرية هي عدة الناقد والمترجم والمنظر الأدبي… بينما التفاصيل هي عدة القارئ العام، وهو ينتبه إليها ويحتفي بها انطلاقا من مبدأ “التذوق”، من خلال استدعاء تلك “التفاصيل الملتبسة، التي تصل النص بذاكرة القراءات وأفقها المفتوح”. وهذه التفاصيل هي الأداة الرئيسية التي تجعل الذهن يستوعب مدونات السرد الروائي ومعجمه ومجازاته وشخوصه وعوالمه…

هكذا، وعندما يحدثنا المؤلف عن كون “الرواية امرأة”، وهي مثلها، إذ طالما ظلت مهمشة ومضطهدة، وأنه “لا رواية دون عائلة”، “الرواية فعل”، فهو يقدم لنا مداخل تعيننا على التقاط التفاصيل، هنالك حيث تكمن الرواية. ألم يقل المؤلف إن للرواية عمقا شيطانيا، وإن الأدب، بطبعه، شيطاني وغرائزي، وإن الرواية غواية، بإبدال الراء غينا، مثلما ينطقها أحد “الغوائيين” المعاصرين.

دليل القارئ

يقترح علينا المؤلف ما يشبه “دليل القارئ نحو صنعة الرواية”، باستعارة أمبرتو إيكو. وكأن الروايات مدن من كلمات وصفحات، ومؤلف هذا الكتاب “مرشد سياحي” خبير بأزقة ودروب هذه المدينة، ومعالمها وعوالمها. وصدق الكاتب الفرنسي فوجي دو مونبرون حين قال “إن من لم ير سوى بلده لم يقرأ سوى الصفحة الأولى من كتاب الكون”.

الرواية شيطان التفاصيل

غير أن هذا الدليل لن يكشف لنا، بوضوح، أسرار الرواية، فلا هو يشرح ولا هو يوضح ولا يفضح، لأن “شرح الواضحات من المفضحات”، والمعنى الواضح فضيحة كما يقيس المؤلف. وإنما يكمن سر الصنعة الروائية في “الالتباس الروائي”، بل يتحول الالتباس نفسه إلى صناعة. هذا ما يكشفه لنا المؤلف، في الفصل الأخير من الكتاب، حين يقرأ رواية “أرنب السباقات الطويلة”، مثلا، للروائي المغربي الميلودي شغموم، حيث تقوم الرواية بفتح مدارات الالتباس على احتمالات أوسع في كل فصل من فصولها.

والدليل هنا ليس ناقدا، من طبقات المفسرين والشراح، ولكنه كمن يقود قارئا إلى نزهة سردية في حدائق الرواية وغاباتها ومدنها وحيواتها المتقاطعة أو المتجاورة. إنه قارئ خبير يعرض خدماته وخبراته على باقي القراء، ويحرضهم على عشق القراءة. وهنا يصبح الكتاب الذي بين أيدينا بمثابة رسالة إلى قارئ شاب، على غرار رسالة ماريو فارغاس يوسا إلى روائي شاب.

وكان الروائي البيروفي قد انطلق في رسالته من فرضية مفادها أن الروائي، إذ يلجأ إلى الخيال، إنما يحمل نقدا ضمنيا للواقع والحياة من حوله. وإذا كانت مهمة الأكاديميين هي نقد الرواية فإن مهمة الأدب هي نقد الحياة، كما يقول ماثيو آرنولد. وكذلك هو كتاب ماجدولين، لا يعلمنا نقد الرواية بقدر ما يعلمنا كيف تقوم الرواية بنقد الحياة.

عزيزي القارئ

كلنا يتذكر تلك العبارة الشهيرة التي ظلت تتصدر ظهر غلاف العديد من الروايات، وهي عبارة “عزيزي القارئ”. كانت العبارة بمثابة دليل لقارئ الرواية، كما تقدم. ولا تزال هذه العبارة توشح جل الكتب الصادرة عن دور النشر، بل إن دور النشر العالمية لا تزال توظف متخصصين في كتابة النصوص المدونة في ظهر الغلاف، تمدهم بالكتاب قبل نشره، وتطلب منهم قراءته وتحرير نحو 150 إلى 200 كلمة لوضعها على ظهر الغلاف.

هذه النصوص، إذا أدرجناها في دائرة النقد، لا تقدم قراءة في الرواية، ولا تلخص أحداثها وأطوارها، لا تصف ولا تفسر أو تؤول. لنقل إنها ترغب في قراءة الرواية وتحبب إليها، وتحرض على متعتها. والكتابة حول الرواية أجناس نقدية عديدة، على غرار الأجناس الأدبية.

ونحن إذا ما أحصينا عدد المرات التي استعمل فيها شرف الدين ماجدولين، في هذا الكتاب، عبارة “عزيزي القارئ”، أدركنا أن كتابه هذا دعوة مفتوحة إلى تقاسم متعة قراءة العشرات من الروايات مع مؤلف الكتاب، ودعوة إلى قراءة روايات أخريات، وتلك رواية أخرى عزيزي القارئ.

كاتب من المغرب

11