شرق الشرق أم جنوب الشمال.. في الحوار عن العرب وجوارهم الآسيوي

الأربعاء 2014/02/05
الثقافة العربية تتعامل بانتقائية مع الثقافة الغربية

إن البحث في علاقة العرب بمحيطهم الآسيوي أو بمجالهم الحيوي، لا بدّ أن يأخذ في الاعتبار جملة من المسائل المفهومية والتاريخية، باعتبارها تمثل مدخلا أساسيا للمشاركة في الحوار الذي طرحته مقالة الشاعر نوري الجراح “عرب وشرقيون في لحظة وجودية فارقة”، والردود التي جاءت من قبل بعض الزملاء عليها، في محاولة لفتح حوار واسع وموضوعي، يتناول مثبطات هذا الانفتاح العربي وأسباب غيابه بهدف استعادة المجال الحيوي للتفاعل الثقافي والحضاري العربي، مع ما يجاورهم من ثقافات وفضاءات آسيوية. وعلى الرغم من أن الجراح يركز في الحديث على منطقتين أساسيتين في هذا الجوار الآسيوي، هما تركيا وإيران، إلا أن المفهوم الجغرافي لدول الجوار العربي يتخطى المجال الآسيوي إلى المجال الأفريقي معا، وهناك ما اصطلح على تسميته بالشرق الأوسط والشرق الأقصى، على ما بينهما من تباين واختلاف، سواء على مستوى الروابط الثقافية، أو العلاقة التاريخية بالنسبة لنا، في حين أن الجنوب الأفريقي بالنسبة للشمال الأفريقي العربي من جهة، وللغرب الآسيوي بالنسبة لليمن ودول الخليج العربي من جهة أخرى، يتميزان بوضعية تاريخية وثقافية مختلفة، نتيجة عوامل التجارة والهجرات وانتشار الإسلام في تلك المناطق. هذا الوضع الجغرافي والتاريخي يفترض مقاربة أوسع وأشمل، تأخذ في اعتبارها هذا التنوع الثقافي والديني والإثني في هذه البلاد الواسعة، كما هو الحال كذلك بالنسبة للجوار الآسيوي. لكن قبل الحديث عن الجوار التركي والإيراني، ثمة جوار آخر يقيم بين ظهرانينا، أشار إليه الكاتب هيثم حسين هو الجوار الكردي الذي نرتبط معه بوشائج تاريخية وثقافية، أعمق وأشمل من أيّ جوار آخر، ورغم ذلك ما زالت العلاقة التي نرتبط بها معه هي علاقة احتواء أكثر منها علاقة تفاعل وتمازج ثقافي وإنساني.

من المعلوم أن العرب قصروا في مسألة الانفتاح والتفاعل مع ثقافات هذه الشعوب، لكن المسؤولية عن هذا التقصير ليست مسؤولية العرب وحدهم، لأن أية علاقة لا تقوم على رغبة وتطلعات طرف واحد، بل هي تحتاج إلى توفر الإرادات الطيبة والنوايا الحسنة من جميع الأطراف المشتركين في هذا المجال الحيوي، المحكوم بإرث تاريخي وسياسي وثقافي مركب، يزيد من تعقيد الحالة وتأثيراتها السلبية، ولا سيما بعد صعود قوى الإسلام السياسي بعد الثورة الإيرانية ونشوب الحرب العراقية الإيرانية، ومحاولات مدّ النفوذ الإقليمي وما تستدعيه هنا أو هناك من عصبيات وموروث دموي وإلغاء للآخر أو شيطنته، بحيث تلغي أي مساحة للتلاقي، وتستبدل منطق الحوار بمنطق الصراع والنفوذ. من هنا فإن الجميع يتحملون المسؤولية عن هذا الانقطاع الذي قاد إلى غياب التفاعل الحضاري والثقافي، الذي بات محكوما بهذا الإرث التاريخي والنوازع السياسية- القومية، لا سيما في ما يتعلق بأكثر دول الجوار قربا منا، وهم الإيرانيون والأتراك.

إن عدم الخروج من عباءة التاريخ وصراع النفوذ والمصالح والتحرر من الرؤية النمطية التي سادت نظرة الجميع تجاه بعضهم البعض يشكل مثبطات قوية، ما زالت تحول دون تطور العلاقة وتعمقها وصولا إلى خلق مجال ثقافي حيوي ومتقدم، تشارك فيه جميع ثقافات المنطقة وشعوبها على قدم المساواة وعلى قاعدة الاحترام والثقة المتبادلة. في ظل هذا الوضع من الطبيعي أن تكون عملية الترجمة العربية عن الفارسية والتركية محدودة، وتعتمد على جهود فردية، لكن بالمقابل علينا أن نسأل عن حجم الترجمات التركية أو الفارسية عن اللغة العربية، وهل هي تتجاوز وضع الترجمات العربية عنها، أم أنها لا تزال في وضع مشابه، إن لم نقل إنها في وضع أقل من عدد الترجمات العربية عنها؟


الآخر ودلالاته


تطرح مقالة الجراح طيفا واسعا من الأفكار والقضايا المركبة، التي تحتاج إلى وقفات تأمل وقراءة وتحليل مطولة ومنهجية تتجاوز هذا الحيز، طالما أنها كانت وما زالت تطرح نفسها على الوعي العربي الراهن، وتتطلب مناقشة موضوعية تخرج بالثقافة العربية وتحررها من هيمنة السياسي والعقائدي الشمولي عليها. في البداية تطرح المقالة مسألة الدور الذي لعبته تحولات الوضع العربي منذ بداية القرن العشرين في تحديد وتوسيع مفهوم الآخر بالنسبة للعربي، كما تشير إلى مسألة بالغة الأهمية حكمت الوضع الثقافي العربي طوال العقود الماضية، نجمت عن الدور الذي لعبته الأيديولوجيا والسياسة في تحديد اختيارات الثقافة العربية وانتقائيتها على صعيد الترجمة عن التركية والفارسية، بالنسبة للمنجز الثقافي لرموز وأعلام هاتين الثقافتين. وهو ما يدلل على سطوة تأثير السياسي والأيديولوجي على الثقافي وتحكمه بحركته وتشكيل مجاله الحيوي.

أشعر بالحنين إلى سوريا المستقبل، التي غنى لها إبراهيم القاشوش وضحى في سبيلها حمزة الخطيب وغيره من أطفالها الذين هم أيقونات مقدسة

ولا أظن أن الحالة قد تغيرت الآن عما كانت عليه سابقا، وإن اختلف المحتوى الأيديولوجي والسياسي عما كان سابقا.

أما في ما يتعلق بالعلاقة مع الغرب فلا بدّ من الاعتراف بأن ثقافة المركز لا بدّ أن تشكل عامل اجتذاب وجذب وتأثير قوي على ثقافة الأطراف بحكم الحالة الدينامية الثرية والمتقدمة، التي تعيشها تلك الثقافة، إضافة إلى الانتشار الواسع عالميا الذي عرفته اللغات الأوروبية، بحكم الدور الاستعماري للغرب وموقعه الحضاري والسياسي. لكن الثقافة العربية ما زالت تتعامل مع الثقافة الغربية أيضا بنوع من الازدواجية والانتقائية، تعبر عن مواقف متناقضة ومتباعدة تعكس طبيعة القوى الاجتماعية والثقافية، التي لا تزال تتصارع داخل المجال الثقافي العربي نفسه. وطالما أن مسألة الترجمة ارتبطت بمشروعات وجهود فردية، فإن ثمة اعتبارات ظلت تحكم تلك الجهود والمبادرات، في مقدمتها حالة الانبهار التي ظل القارئ والمثقف العربي يعيشها على مستوى علاقته بالثقافة الغربية، وهي حالة لا نستطيع أن ننكر قوة تأثيرها، بفعل ما تمتلكه تلك الثقافة من عناصر الثراء والتعدد والتطور فكريا وأدبيا وفنيا، تقابلها حالة من انعدام التواصل الثقافي، جعلت عدد الذين يتقنون اللغة الفارسية أوالتركية محدودا، ممّا انعكس على حجم الترجمة، في حين أن زيادة الانفتاح والتواصل في السنوات القليلة الماضية زادت من حجم الترجمة عن الأدب التركي، بصورة تزيد عمّا تمّت ترجمته عنه في الماضي كثيرا.

وعلى الرغم من تركز القسم الأكبر من الترجمات عن اللغات الأوروبية الرئيسية، فإن حجم هذه الترجمات ما يزال متواضعا، وخاضعا في كثير من الأحيان لنوع من الانتقائية أو لأهداف تجارية أو سياسية، ترتبط بشكل وثيق بتدني حركة النشر، حيث يأتي العرب في نهاية سلم الدول على هذا الصعيد بما في ذلك الدول الأفريقية. العدد الأوفر من هذه الترجمات ظل يتركز في حقل الأدب، على عكس ما هو حاصل في مجال العلوم والتكنولوجيا والفلسفة، ربما لحاجة الترجمة في هذا المجال إلى مترجم مختص فيها. لم تكن حالة الانبهار الثقافي هي العامل الوحيد في تعزيز عمليات الترجمة عن الغرب، فقد لعبت المراكز الثقافية الغربية والملحقيات الثقافية دورا مهما في دعم جهود الترجمة عن اللغات الأوروبية، كما لا يستطيع أحد أن ينكر محاولات الغرب الترويج لأفكاره وقيمه وتطلعاته، من خلال بعض المؤسسات التي أصبح بعضها مكشوفا، وأدوار من كانوا يتولون إدارة مشاريعها أصبح معروفا، لكن المشكلة تكمن في غياب الرؤية الثقافية العربية والدعم العربي للثقافة، وتوفير مناخ الحرية الذي يمكن أن يسهم في نمو الثقافة العربية وتطورها لتكون ثقافة فاعلة ومؤثرة ومبدعة، وليست مجرد ثقافة تلقّ واستهلاك وإعادة إنتاج.


الحرية أولا


القضية الأبرز التي طالما يجري طرحها وتتم المطالبة بإعادة نقدها من الداخل هي قضية الحداثة، وهنا نجد أنفسنا دائما أمام مسألة تعكس وعيا نظريا ما زال عاجزا عن التمييز بين مفهومي التحديث والحداثة، بحيث يكشف عن طبيعة الاختلاط والتداخل بين المفهومين، لأن الحداثة هي صيرورة وعملية تغيير وبناء شاملة، في حين أن مسألة التحديث التي طالما استخدمت بوفرة من قبل النخب السياسية الحاكمة، وجرى استخدامها بطريقة انتقائية ومن فوق، فهي تشمل عملية التغيير دون الاهتمام بخلق وعي فلسفي ونظري يوطن هذا المشروع ويدرجه في سياق التحوّل التاريخي والسياسي والاجتماعي، وهو ما لم تتوفر شروط تحققه، وفي المقدمة منها قضية الحرية، التي ما تزال عصيّة على التحقق في مجتمعات الثيوقراط والاستبداد السياسي والديني. لم تنشأ الحداثة لمجرد وجود قوى اجتماعية أرادت ذلك، وإنما مهد لهذا تحوّل فكري وفلسفي وثقافي كان يعكس وضعا تاريخيا وانقلابا اجتماعيا، في حين ما زالت الفلسفة والبحث الفلسفي لدينا كيانا مطرودا في جامعاتنا وفي مراكز البحث العربي ذلك أن الفلسفة تبحث وتسأل وفي ثقافتنا الرائجة هناك إجابات منجزة ومسبقة لكل الأسئلة تكشف عن فكر لا تاريخي عابر للزمان والاجتماع. المجتمعات الآسيوية التي أخذت بالحداثة لم تكن انتقائية، صحيح أنها لن تتجرد من هويتها الثقافية والاجتماعية، لكنها عملت على التكيف مع قيم الحداثة مستوعبة متطلباته وشروط نموها.

15