شرق المتوسط دلالات وتوريات

الثلاثاء 2014/09/23

اختار عبدالرحمن منيف “شرق المتوسّط” عنوانا لروايته الذائعة الصيت التي نشرها سنة 1972. ويشير من خلاله إلى مكان يبدو معلوما، لكنّه يفسح المجال لاتّساع الدلالات، واجتهاد التأويلات، فهناك مَن أشار إلى أنّه يقصد جنوب المتوسّط، أو جهاته كلّها، وأنّه حدّد الشرق معتمدا نوعا من التورية، بحيث ينطبق التوصيف هنا وهناك، وينطلق من هذه الجهة إلى تلك، وبالعكس.

جرى في أكثر من مكان في العالم العربيّ التعتيم على رواية منيف، فلم تمنع علنا كي لا تشتهر أكثر، ولم يُسمَح لها إلّا بالتقادم، كان التضييق السمة الرئيسية في التعاطي معها، لكنّ ذلك لم يمنع من وصولها إلى عدد كبير من القرّاء، وإحداثها هزّات في وجدانهم، بحيث لا يجدي بعدها غضّ النظر عن ظاهرة السجن السياسيّ، ولا عن العنف المقترف بحقّ السجين. عمّم المسؤوليّة بروايته، وأنار عتمة السجن، حتّم فتح “العيون المغلقة على اتّساعها”، فكّ الرباط عن التكميم الذي ظلّ سائدا لعقود.

رغم أنّ منيف حدّد الجهة المشار إليها في عنوانه، وهي الشرق المنفتح على حدود العنف والضغينة، حدود الاستبداد والقهر والطغيان، تخوم البؤس والأسى والإجرام، إلّا أنّه رسّخ مفهوما جغرافيّا لم يكن قيد التداول، نقله الإعلام تاليا دون أيّة إشارة إلى “براءة” التسمية للروائيّ، ولا إلى روايته التي تعرّي ظاهرة السجن السياسيّ في العالم العربيّ. استلّت الإشارة بنوع من تمييع الاسم، بتداوله وتعميمه، فنسمع هنا وهناك ويتكرّر التوصيف في النشرات الجوّيّة وأحوال الطقس.

لجأ منيف إلى اختلاق أسماء لأماكنه الروائيّة، “عمورية، موران..”، بحيث أنّ المكان الروائيّ يكتسب تعميما من خلال اختيار أسماء متخيّلة، ويرمز إلى ظواهر لا إلى حالات فقط، ويسهم في التوظيف الدلاليّ، والإسقاط الواقعيّ، فعمورية هي دمشق، وبغداد، وبيروت، والقاهرة، وطرابلس الغرب، وتونس، والرباط، والجزائر، وغيرها من المدن العربيّة التي لم تخل من تقييد بهذه النسبة أو تلك.

الحضور المتكرّر لعنوان رواية منيف في نشرات الطقس يثير السؤال عن ماهيّة العلاقة بين الرواية والإعلام، وكيف يكون تلقّف العنوان، وتجييره، كمصطلح جغرافيّ، برغم أنّه مكان مفتوح على أمداء واسعة، ويحتوي العديد من الأماكن التي ينبغي تحديدها لتكتسب المعلومة الدقّة والموثوقيّة.

لا يخفى أنّ الخيال في الرواية ينهض بدوره الهامّ، ويسبغ التخيّل على الأماكن أردية أدبيّة وأقنعة رمزيّة، لكن في حال التعاطي مع المعلومة، وفي جوانب يفترض بأنّها تقوم أساسا على التنبّؤ العلميّ، لا الأدبيّ الاستشرافيّ أو الخياليّ، يفقد التعميم صفته المحمودة، ويدخل في بحر الضبابيّة والتعتيم.


كاتب من سوريا

15