"شركاء السودان" يزيح الحرية والتغيير عن صدارة المشهد

مجلس شركاء المرحلة الانتقالية يمنح سلطات أوسع للجبهة الثورية ومجلس السيادة بشأن تحديد بوصلة التوجهات العامة للحكومة المقبلة.
الخميس 2020/11/26
مرحلة انتقالية جديدة

الخرطوم - تستعد السلطة الانتقالية في السودان للإعلان عن تشكيل “مجلس شركاء المرحلة الانتقالية”، الذي سيضم القوى المدنية في تحالف قوى الحرية والتغيير والجسم العسكري في مجلس السيادة ورئيس الوزراء والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام.

ويمهد الكيان الجديد، الذي يضم طيفا واسعا من القوى السياسية، الطريق لتراجع قوى تصدرت المشهد السياسي منذ الإطاحة بنظام عمر حسن البشير.

وعكس تشكيل المجلس طبيعة التعديلات والتغييرات التي طرأت على موازين القوى، بعد نجاح المكون العسكري في حسم ملفات عديدة لصالحه دون أن يواجه معارضة قوية من الشارع أو الأحزاب.

وبدا استقبال وفد إسرائيلي في الخرطوم، الاثنين، في غياب الحكومة وعدم علمها به، علامة على أن الجسم العسكري بمجلس السيادة يقبض على الكثير من المفاتيح السياسية في البلاد.

ويمنح مجلس شركاء المرحلة الانتقالية، التي خرجت وثيقة تشكيله المبدئية، الثلاثاء، سلطات أوسع للجبهة الثورية ومجلس السيادة بشأن تحديد بوصلة التوجهات العامة للحكومة المقبلة.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن المجلس يضم في عضويته، خمسة ممثلين يختارهم المكون العسكري بمجلس السيادة، وخمسة من قيادات الجبهة الثورية، و12 عضواً من قوى الحرية والتغيير، بينهم اثنان من أعضاء مجلس السيادة المدنيين، ورئيس الوزراء، واثنان من أعضاء حكومته، على أن يجري اختيار رئيس للمجلس قريبا، وتتراجع هيمنة الحرية والتغيير كظهير سياسي وحيد.

وقال شريف عثمان، القيادي البارز في تحالف الحرية والتغيير إن المجلس يختص في فض النزاعات والخلافات بين شركاء الحكم في المرحلة الانتقالية، والتوافق حول السياسات العامة للحكومة، ما يضمن التشاور مع جميع الأطراف دون استئثار طرف بعينه على مفاتيح القرار.

إمام الحلو: السلطة تجس نبض الشارع بشأن وثيقة المجلس الجديد
إمام الحلو: السلطة تجس نبض الشارع بشأن وثيقة المجلس الجديد

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن هناك مشاورات تجري الآن على العدد النهائي لأعضاء المجلس، لأن وثيقة تشكيله النهائية لم تحظ بتوافق جميع أطراف الحكم الانتقالي.

وشهد السودان خلال الأيام الماضية نقاشات موسعة بشأن كيفية توزيع مناصب المجلس الجديد على المكونين المدني والعسكري والفصائل المسلحة، وطالبت لجان المقاومة أن تكون ممثلة فيه، بينما اعترضت قوى منسحبة من التحالف الحكومي على ميل كفة المجلس الجديد للمكون العسكري، الذي نجح في إحداث توافقات عديدة مع قيادات في الجبهة الثورية، والتي أخذت مسافات سياسية بعيدة عن الأحزاب المدنية.

ودخلت الحركة الشعبية شمال، جناح عبدالعزيز الحلو، على خط القوى المناوئة للمجلس الجديد، واعتبرت لائحة تشكيله، “تآمراً صريحاً على أهداف وشعارات ثورة ديسمبر، وتشكل عائقاً أمام التغيير الشامل الذي يحقق تطلُّعات السودانيين”.

واعتبرت الحركة أن تمرير المجلس بالصورة المعلنة حاليا يغلق الطريق أمام التفاوض معها حول جذور الأزمة في السودان، وسيصبح مجلس الوزراء بلا صلاحيات، ويتحول إلى كيان دستوري هلامي لا دور له.

ويخشى متابعون، أن يحول المجلس بتشكيلته المتوقعة دون تحقيق مدنية الدولة، واتهم البعض عددا من شركاء الفترة الانتقالية بانتهاك الإعلان السياسي والوثيقة الدستورية، ومواصلة السيطرة على السلطة المركزية في الخرطوم.

ويرى هؤلاء، أن سحب البساط من تحت أقدام القوى الأساسية التي شكلت تحالف الحرية والتغيير لن يكون سهلاً، وأن الانسحابات التي شهدها تحالف الحرية والتغيير، رمت إلى منع توسيع نفوذ المكون العسكري من خارج هياكل الحكم الانتقالي.

وأكد عضو المكتب السياسي لحزب الأمة، إمام الحلو، أن الفترة الانتقالية تمر بمرحلة انتقالية ثانية بدأت منذ التوقيع على اتفاق السلام، وتكون الغلبة فيها للحركات المسلحة والمكون العسكري الذي استغل تفكك وتشرذم التحالف الحكومي لتقوية نفوذه.

ورجح في تصريح لـ”العرب”، أن تكون هناك نسخة ثالثة يعاد فيها النظر في شكل السلطة الانتقالية مع توقيع اتفاق سلام مع حركتي عبدالعزيز الحلو وعبدالواحد محمد نور، قبل الوصول لمحطة الانتخابات.

وأوضح أن السلطة الحالية تجس نبض الشارع والقوى السياسية بشأن التوافق حول وثيقة المجلس التي خرجت للعلن، وتبقى فيها حظوظ تمثيل قوى أخرى قائمة بناءً على ردة الفعل الشارع، ومن غير المنتظر أن تظهر قوى الحرية والتغيير مواقف موحدة، لأنها تعاني من عدم وجود قيادة قوية تستطيع تسيير القرارات السياسية.

وذهب البعض من المراقبين، للتأكيد على أن تصعيد الحديث عن إعلان “مجلس شركاء الفترة الانتقالية” محاولة للتغلب على الأزمات العديدة التي تواجه توزيع مقاعد المجلس التشريعي على قوى المدنية والعسكرية.

وتسببت هذه الأزمات في إرجاء تشكيل المجلس التشريعي إلى نهاية العام الجاري، وهناك قناعة عامة بأن الكيان الجديد سيمارس صلاحيات التشريعي، ما يمهد الطريق لغض الطرف عن تشكيله قبل نهاية العام، وتوجيه الاهتمام لإعادة تشكيل مجلسي السيادة والوزراء.

وتشير المعطيات الراهنة، إلى عدم وجود جدية حقيقية من أطراف المرحلة الانتقالية في تشكيل المجلس التشريعي، أو أن الصعوبات التي مرت بها محاولات التوافق حول كيفية تحديد نسب التشكيل هزمت هذه الأطراف.

ومن الصعوبة قبول وجود مجلسين يتقاربان في الوظائف والصلاحيات وبميزانيات مختلفة، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد.

وذكر المحلل السياسي الفاتح وديدي، أن السودان يشهد ولادة عسيرة لحاضنة سياسية جديدة بعد أن تدهورت شعبية قوى الحرية والتغيير، التي تواجه تصرفاتها بانتقادات شعبية عديدة، بما يصب في صالح الحركات المسلحة والعسكريين الذين ينتهزون الفرصة للهيمنة على هياكل الحكم الفاعلة، على أن تكون باقي القوى تحت قيادة شخصيات محسوبة على الجيش في النهاية.

ولفت في تصريح لـ”العرب”، إلى وجود حالة من الغليان المكتوم في الشارع جراء تمدد العسكريين في السلطة المدنية، وقد تواجه بعض التحركات بالمزيد من المظاهرات في مناطق متفرقة وتوقيتات متباينة، انتظاراً للحظة فارقة قد تجلب معها توافقا حول ضرورة النزول إلى الساحات والميادين مجددا.

وتتداخل تعقيدات العملية السياسية مع المشكلات الاقتصادية، وتمثل وقودا جاهزا للاشتعال في أي لحظة، وثمة قناعة راسخة لدى فئة عريضة من المواطنين بأن الفترة الانتقالية ضلت طريقها، وبحاجة إلى تدخل ثوري عاجل لإعادتها إلى مسارها السليم.

2