شركات الاتصالات وضرائب الإنقاذ والتوعية

الأحد 2015/01/18

ذكرت في مقال الأسبوع الماضي “شبكات التواصل الاجتماعي وأفيون العصر” كيف أن وسائل التواصل الاجتماعي الأكثر شيوعاً من تويتر، فيسبوك، انستغرام، بلاك بيري، اليوتيوب، والواتس آب أصبحت أفيون العصر خاصة بين الشباب فيما يتعلق باغتراب أفراد الأسرة داخل البيت الواحد إلى أن امتد الاغتراب بين الأصدقاء عندما يلتقون، وإعلان أحدهم للطرف الآخر وأمام الملأ عن عدم احترامه لجليسه.

عدم احترام الآخر لم يتوقف إلى هذا الحد بل إن شبكات التواصل الاجتماعي ساعدت الكثير من المرضى الذين يُعانون عقداً نفسية واضطرابات شخصية في أن يتخذوا من الحسابات الوهمية منابر لهم يتهجمون ويسبون ويشتمون من لا يعجبهم أو من لا يتفق مع توجهاتهم، وأحياناً إلى جانب المضطربين نفسياً هناك ضعاف الشخصية ممن يتم شراؤهم ببضع دولارات للتهجم على أفراد وشعوب ودول.

وذكرت في مقالي أن أهم قضية يجب أن نقف عندها ونجد لها حلولاً هي الأرواح التي فقدناها ولا نزال نفقد الكثير منها يومياً، أرواح شباب لاهية ساهية يمسك الشاب منهم مقود المركبة بيد ويتواصل اجتماعياً مع الناس بيد أخرى ماسكاً جهاز الهاتف المتحرك.

ومهما كان الحذر عند القيادة إلا أن الكتابة تتطلب من الشخص أن يتواصل بصرياً مع الشاشة وأحياناً في تلك الثانية ربما يفقد روحاً لا ذنب لها إلا أنها تواجدت أمام مدمن معتوه.

شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت إدمانا عند الشباب والكبار أيضاً، ومخاطر إدمان شبكات التواصل الاجتماعي أشد خطراً من إدمان الكحول والمخدرات.

ولا يخفى على الكثير منا كيف ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي وبقوة في نشر الكراهية وإثارة الفتن بين الناس عن طريق الطعن في المذاهب، ثم التطاول على الحكومات العربية فقط تحت مسمى الديمقراطية التي تحولت فيما بعد إلى الدعوة إلى الثورات خلال مراحل الربيع العربي، ليتضح للعالم فيما بعد أنها خطط من جهات سياسية لتمكن الإخوان الإرهابيين من الأراضي العربية بمن فيها. وعندما فشل الإخوان وحلفاؤهم، فاجأتنا الأخبار التويترية عن “داعش” حتى أن داعش لها حسابات رسمية في شبكات التواصل تنشر خطاباتها وتعلن عن ضحاياها بالصوت والصورة.

قبل الثورة في مصر كان الاشتراك في خدمة الإنترنت سهلا وغير باهظ الثمن بل يعتبر مجاناً مقارنة مع الدول الأخرى، ويُقال إن الازدحام في شوارع مصر نهاراً بدأ يقل لأن الكثير بدأ يتخذ من المنزل مقراً لعمله من خلال النت. قلّ الازدحام وتم تخفيض الأسعار أكثر إلى أن تم استخدام النت بشكل سلبي في التخطيط للثورة في مصر، وكذلك الحال في دول أخرى التي بدأت التحريضات فيها للثورة عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي.

وكانت الدول الأكثر حذراً وذكاءً حينها هي إيران وتركيا، كانتا تقطعان خدمات النت لأيام وتضرب عرض الحائط من يتهمهما بالديكتاتورية، أما الدول الأخرى فقد كانت تخشى القيام بمثل ذلك التصرف خشية أن تنعت بالديكتاتورية إن لم تع أن خدمات النت قد تدمر حكوماتها.

لو افترضنا على سبيل المثال عدم وجود فيسبوك وتويتر، لما رأينا ثورات الربيع ولا الخريف العربي، لأننا نعلم أنها قامت من خلال تحريضات من داخل الوطن العربي وخارجه. لست أطالب هنا بإلغاء شبكات الإنترنت ولا شبكات التواصل لأنها شبكات عالمية تحت سيطرة الولايات المتحدة الأميركية، لكننا نستطيع أن نُقنن استخدامها لنجعل استخدامها أكثر أمناً وأماناً.

الطريقة الوحيدة للحد من الاستخدامات السيئة هي التحكم في طلب الاشتراك حيث لا يستطيع أي كان أن يفتح حساباً وهمياً، بمعنى أن يتم طلب الوثائق الرسمية التي تُثبت هوية المتقدم لفتح حساب للشخص أو لأفراد أسرته تماماً كما تفعل شركات الاتصالات عند التقدم لطلب هاتف متحرك أو ثابت.

في السابق كان يسهل لمن كان في الإمارات أن يشتري بطاقة “واصل” ويحتفظ بها أما الآن فالكل مطالب أن تسجل الأرقام بأسمائهم طبقاً لبطاقات الهوية أو يتم إلغاء الرقم. هذا القرار حدّ كثيرا من المضايقات الهاتفية التي كان البعض يتلقاها أو من بعض المشكلات الأمنية داخل الدولة.

لذلك فيما يتعلق بمشكلات التويتر وفيسبوك أو أي وسيلة للتواصل الاجتماعي على شركات الاتصالات أن تنظم الأمر مع الشركات الأم في الولايات المتحدة كل من خلال بلده بأن لا تتم الموافقة على أي طلب لفتح الحسابات إلا عن طريق الاتصالات.

وفيما يتعلق بالمحافظة على أرواح الشباب وجب أن تسنّ وزارة الداخلية قرارً بمنع استخدام شبكات التواصل خلال قيادة المركبة وذلك من خلال التعاون مع شركات الاتصالات بتوقيف خدمات النت أتوماتيكيا عند الإشارة بأن الهاتف المتحرك أصبح في الشارع حيث يستطيع قائد المركبة أن يستخدم الهاتف للتحدث فقط، فالحديث عن طريق سماعة الهاتف وإن كان خطراً يظل أقل خطورة بألف مرة من القيادة والتواصل خلال شبكات التواصل الاجتماعي. كما لا بدّ أن يُطبق هذا على الحاصلين على رخص القيادة من الجنسين وفي كل الأعمار. وكل من يعمل في شركات الاتصالات في العالم يعلم تماماً أن هذا الأمر ممكن وسهل تطبيقه، إلا أن القيام بذلك يهدد شركات الاتصالات لأنه سوف يعرضها للخسائر.

الدليل على ذلك أن شركات الاتصالات في الإمارات وعلى سبيل المثال قامت بحجب الفيس تايم وفايبلا وسكايب وهي تعتبر من حقوق المستهلك ولكن لم يتم حجبها في شركات الاتصالات في العالم، لذلك هي تستطيع أن تحجب خدمات النت متى تشاء وأينما تشاء.

لذلك نأمل من شركات الاتصالات في أي مكان سواء أكان في الإمارات أو دول أخرى في العالم أن تنظر إلى الجانب الإنساني مع الجانب الربحي لخدماتها. ولنفكر للحظة أيهما أهم أن نخسر بضع ملايين أو حتى مليارات أو نخسر أرواحا مدمنة على خدمات النت وأرواح بريئة؟ كل دول العالم يمكن أن تحمي أرواح الناس وتحمي مقيميها من السب والشتم وتحمي حكوماتها من الثورات التي قامت دون وعي في الكثير من دول العالم، كل ذلك يمكن للدول أن تقوم به من خلال قرارات وزارية وبالتعاون مع شركات الاتصالات وشركات شبكات التواصل الاجتماعي الأم في الولايات المتحدة الأميركية بأن يتمّ توثيق كل حساب يقدّم للطلب.

أما في حال رفض شركات الاتصالات حماية أرواح البشر وحماية أمن البلاد من أجل جني مزيد من الأرباح، ففي مثل هذه الحالات وجب سن قرار وزاري في كل دولة يُلزم شركات الاتصالات بنسبة من دخلها تعتبر كضريبة وتوجه هذه الأموال لعلاج تشوهات الحوادث التي سببها استخدام شبكات التواصل الاجتماعي عند القيادة وكذلك دفع مراسم الدفن للأرواح التي تكون من ضحايا استخدام خدمات النـت في الشارع.

أما الجزء الآخر من الضرائب فيخصص لنشر الوعي في المجتمع حول مخاطر استخدام وسائل التواصل ونشر الوعي في حماية أدمغة الشباب من الانسياق وراء ما يسمى بثورات الربيع أو الخريف العربي وغيرها من الخدمات المجتمعية.

شركات الاتصالات في العالم لها دور كبير في حماية المستهلك من أي سوء سببه شبكات التواصل الاجتماعي تماماً كما تعمل على خدمته وتوفر له كل الخدمات العالمية.


استشارية نفسية وكاتبة من الإمارات

5