شركات الغذاء المصرية في مرمي الاستثمارات العربية

طرح كل من "قها" و"أدفينا" على المستثمرين للمرة الأولى منذ 80 عاما.
الجمعة 2021/04/16
تنامي الاستهلاك يعزز استثمارات الغذاء

دخلت الحكومة المصرية جولة جديدة مع برنامج الخصخصة عبر طرح مجموعة من شركات الغذاء التابعة لها أمام القطاع الخاص، تزامنا مع فورة استثمارات عربية تستهدف الاستحواذ على شركات الغذاء المصرية، وسط محفزات تتمثل في ارتفاع ملحوظ في الاستهلاك بما يعزز جاذبية الاستثمار في قطاع الغذاء.

القاهرة - وضعت مصر شركات الغذاء الحكومية في مرمى الاستثمارات الأجنبية، بعد مرور نحو ثمانية عقود على تأسيسها، وأصبحت غير قادرة على منافسة الشركات الخاصة التي تتبع نظم إنتاج متطورة تستطيع طرح منتجات بجودة تفوق إمكانيات المصانع الحكومية المتهالكة.

وأعلنت وزارة التموين والتجارة الداخلية عن طرح شركتي “قها” و”أدفينا” للصناعات الغذائية أمام القطاع الخاص. ودعا علي المصيلحي وزير التموين والتجارة الداخلية القطاع الخاص المصري والأجنبي إلى المشاركة في تطوير الشركتين العريقتين.

وتقوم شركة “فينكورب” للاستشارات المالية بدور المستشار المالي لتطوير الشركتين تمهيدا لإصلاح هيكلهما المالي أولا، فضلا عن دمجهما في شركة واحدة لتسهيل عمليات الطرح على المستثمرين.

أشرف حسني: القطاع الخاص يمتلك مقومات كبيرة للمنافسة في السوق
أشرف حسني: القطاع الخاص يمتلك مقومات كبيرة للمنافسة في السوق

وتتواكب خطة القاهرة لخصخصة شركات غذائية مع موافقة مجلس إدارة مجموعة “أغذية” الإماراتية على الاستحواذ على حصة الأغلبية في شركة الإسماعيلية للاستثمار الزراعي “أطياب” العاملة في مجال إنتاج اللحوم والدواجن المجمدة في مصر.

وتحفز فجوة الغذاء مساعي صناديق الثروة السيادية العربية إلى قنص فرص الاستثمار بالقطاع الغذائي في مصر، مدفوعة بفاتورة استيراد تصل إلى نحو 8 مليارات دولار في قطاعات الصناعات الغذائية والحاصلات الزراعية.

وتسعى الحكومة خلال الفترة المقبلة إلى تطوير أسواق الجملة لإصلاح منظومة التجارة الداخلية المترهلة، ما يسهم في سرعة تسويق المنتجات عبر النظم اللوجستية الخاصة بسلاسل الإمداد التي أصبحت من أهم عوامل جذب الاستثمارات في مجال الغذاء.

وانتهت شركة “رانجيس” الفرنسية من وضع دراسة لتطوير أسواق الجملة المصرية، ومقرر أن تبدأ خلال شهر أبريل الجاري تطوير أسواق الجملة الكبرى في مدينة العبور في شرق القاهرة ومدينة السادس من أكتوبر في غربها.

وأوصت الدراسة المبدئية لـ”رانجيس” بإنشاء نحو 18 سوقا للجملة تغطي المناطق الرئيسية في مصر بالمشاركة مع القطاع الخاص، بعد أن شهدت إقبالا متزايدا عليها من قبل المواطنين.

وقال أشرف حسني، عضو شعبة المواد الغذائية بالغرفة التجارية في القاهرة، إن القطاع الخاص يمتلك مقومات المنافسة ودراسة أذواق المستهلكين، وقياس مدى رضائهم عن المنتجات من عدمه.

وتواجه الشركات الحكومية صعوبة بالغة في الإنفاق على هذه البنود، الأمر الذي جعلها تخسر حصة سوقية حاكمة من المستهلكين لصالح القطاع الخاص وتعزيز ثقة المستهلكين في منتجات القطاع الخاص من حيث الجودة وعمليات التسويق التي لا تقوى عليها الشركات الحكومية.

وفقدت شركات الغذاء الحكومية عبر هذه الحلقة قدرتها على المنافسة، وخرجت تماما من السوق، بعد أن كانت مسيطرة على الأسواق برعاية حكومية، ما تسبب في فقدانها حس المنافسة والحفاظ على المستهلكين.

وأضاف لـ”العرب” أن الشركات الحكومية لا تمتلك المرونة في تغيير أنماط الإنتاج بما يتناسب مع مرونة السوق، وهو تحدّ كبير يحتاج إلى مشاركة فاعلة من القطاع الخاص.

وزادت وزارة التموين والتجارة الداخلية خطوات التعاون مع القطاع الخاص، ووقعت شركة السكر والصناعات التكاملية التابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية، وهي الذراع الاستثمارية لوزارة التموين المصرية، اتفاقا مع تحالف دولي مكون من ثلاث شركات عالمية هي “سيجمان، بي إم أيه” و”ماين كابيتال” و”رونالد بيرجر” لتحديث وإعادة هيكلة الشركة من أجل مواجهة المنافسة محليا وإقليميا ودوليا.

وتتوافق هذه الخطوات مع اتجاه مصر للتوسع في الزراعة، والتي تشجع على ضخ استثمارات في مجالات التصنيع الزراعي، حيث دشن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مشروعا قوميا جديدا مؤخرا أطلق عليه اسم الدلتا الجديدة في شمال غرب البلاد لزراعة مليون فدان، ويرمي إلى تحقيق قدر جيد من الاكتفاء الذاتي من الحبوب.

ياسر عمارة: مصر تأخرت في تطوير شركات الغذاء والسلاسل التجارية
ياسر عمارة: مصر تأخرت في تطوير شركات الغذاء والسلاسل التجارية

وأكد ياسر عمارة، الخبير في مجال الاستثمار، أن مصر تأخرت في تطوير شركات القطاع الغذائي الحكومية، ويعود ذلك إلى تبعية شركات الغذاء الحكومية خلال سنوات طويلة لوزارة قطاع الأعمال، ثم استقرت الدولة على جعلها تحت عباءة وزارة التموين والتجارة الداخلية.

وتركز الوزارة حاليا على تطوير السلاسل التجارية دون التصنيع بسبب تعقد منظومة التصنيع وتقادم خطوط الإنتاج، الأمر الذي دفعها إلى طرح فرص الاستثمار في مصانع الغذاء الحكومية أمام القطاع الخاص.

وأرجع عمارة في تصريح خاص لـ”العرب” تأخر طرح شركات الغذاء الحكومية للخصخصة إلى التركيز على مشروعات البنية التحتية والصناعات المرتبطة بها خلال الفترة الماضية، ومع الدخول في المرحلة الثانية من برنامج الإصلاح الاقتصادي التي تستهدف هيكلة سلاسل الإمداد بات الوقت مناسبا لخصخصة الشركات وفق نظم تقييم تعظم ربحية بيعها أو المشاركة مع القطاع الخاص.

وكشفت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) عن استمرار ارتفاع الأسعار العالمية للسلع الغذائية، مدفوعة بتصاعد الطلب، ويعد مؤشر الفاو مشجعا لفوائض رؤوس الموال الباحثة عن النمو لاستهداف الاستثمار في المقاصد الاستثمارية التي تتمتع بفجوات في مجال التصنيع الغذائي.

وتلبي فجوة الغذاء المصرية طموحات هذه القوة المالية وتشجعها على ضخ استثمارات جديدة، تزامنا مع الفورة المتصاعدة في عدد سكان البلاد المتوقع أن يبلغ 132 مليون نسمة عام 2030.

وإلى جانب ذلك تمتلك مصر محفزات أخرى تمكن الاستثمارات العربية في قطاع الغذاء من إعادة التصدير للعمق الأفريقي والسوق الأوروبية بإعفاء جمركي تام.

وشهدت القاهرة دخول تحالفات عربية وأجنبية في مجال التصنيع الزراعي والحيواني، حيث وقعت شركة “جنان” الإماراتية والبنك الأهلي المصري اتفاقا لإقامة مشروع استثماري زراعي حيواني وبناء منازل لجذب السكان إلى المحافظات النائية التي تبعد عن القاهرة نحو 600 كيلومتر باستثمارات قيمتها 160 مليون دولار، قابلة للارتفاع.

وأشارت مجموعة العتيبي للمقاولات والمواد الغذائية الكويتية إلى أنها تعتزم تدشين مشروع زراعي صناعي ضخم يهدف إلى إعادة تصدير منتجاته من مصر إلى السوق الكويتية.

وبات هذا القطاع وجهة مهمة للاستثمارات عالميا، فيما أعلنت محافظة الوادي الجديد في غرب مصر عن توقيع بروتوكول تعاون مع إحدى الشركات اليونانية، لزراعة 10 ألاف فدان وإقامة منطقة صناعية لإنتاج العصائر والمربات بتكلفة تبلغ 100 مليون دولار.

11