شركات تربح أموالا ومجتمع يخسر أخلاقا

الجمعة 2013/12/20
يجب أن ننهل من العلوم الجديدة في تقدم المجتمع وليس هدمه

القاهرة - في عصر التكنولوجيا يتاح لك أن تكون على اتصال بالعالم من خلال الأجهزة الدقيقة وشبكات الإنترنت، ولا يمكن لفرد الآن أن يعزل نفسه عن هذا التيار العلمي الجديد، فقد أصبح من العسير أن ترفض استعمال الهاتف الخلوي أو الكمبيوتر أو تلك الأجهزة الحديثة التي تساهم في حل مشاكلنا الجديدة.

أن نسيء استخدام التقنية الحديثة فهذا لا يتوافق مع طموحات الاستخدام الأمثل للتكنولوجيا والتقدم ونشر الصورة العلمية الجديدة وربما هناك مزايا ومساوئ لتلك الأجهزة، ولكن أعتقد أننا يمكن أن نحول المساوئ إلى مزايا.

يقول الزعيم غاندي: "لا أريد لبيتي أن تحيطه الأسوار من كل جانب، فتسد نوافذه، وإنما أريد بيتا تهب عليه بحرية تامة، رياح ثقافات الدنيا بأسرها، لكن دون أن تقتلعني إحداها من الأرض".

قد يكون هذا الكلام معبرا عن الحال التي تعيشها المجتمعات العربية إزاء التحولات التي تعصف بها، ولا سيما دخول تقنيات الاتصالات الحديثة بشكل غير مسبوق، والتي تطرح إشكالية تعاملنا مع الحداثة ومنتجاتها ومفاهيمها ومدى ملاءمتها لنا، بحيث يرى بعضهم أن هذه المنتجات والمفاهيم تهز أسس مجتمعاتنا وتهدد بتفكيك أواصرها.

في حين يرى بعضهم أنها ظاهرة طبيعية لا يمكن تفاديها، فإنها تستفز البعض الآخر لأسباب أخلاقية ودينية، ويحتج هؤلاء بنوعية المفاهيم التي تنتشر عبر هذه الخدمات، ولا سيما الاتصال غير المحكوم بأية ضوابط بين الشبان والبنات، ولعل ما نراه اليوم بكثرة على شاشات الفضائيات من استخدام الرسائل القصيرة التي تظهر كشريط متحرك على الشاشة، يزيد من مخاوف هؤلاء.

وحين تم الإعلان عن تقنية جديدة وهي خدمة MMS كان هناك نقاش حول مدى أثر هذه التقنية الحديثة التي تقدمها شركات الموبايل التي تم اتهامها بالسعي وراء الربح المادي دون التفكير في أثر ذلك على المجتمع والقيم السائدة. ويرى بعض أصحاب هذه الشركات أنها استثمارية تسوق تجارتها دون أن تضع اعتبارا للأخلاق أو العادات أوالآداب العامة، ولذلك هناك جهات رقابية أخرى يمكنها أن تراقب تلك التقنيات الجديدة لتقيم إن كان لها أثر سيئ أو إيجابي.

ويطالب الدكتور جواد عبدالحميد بضرورة تغيير الأساليب التقليدية في التربية، وأن يكون الحوار بين الآباء والأبناء هو الأساس في العلاقة بين الطرفين؛ حتى لا تؤثر التغيرات الجديدة في الأسرة والمجتمع، مع التمسك بثوابت القيم الإنسانية وعلينا أن ندرك أن التقنية الحديثة، أصبحت جزءا من الواقع الذي نعيشه، سواء رضينا أم رفضنا.

إنه عصر الآلات الدقيقة التي تربطك بالعالم خلال ثوان معدودة فإذا كنت تمتلك هاتفا محمولا الآن لا يمكنك الاستغناء عنه لأنك أصبحت أسير هذه التكنولوجيا

وهذا لا يعني أن نسلم بكل ما تفرضه علينا، أو بكل ما تطلبه، فكثير من هذه التقنيات له ضريبة، قد تكون نفسية مثلالضغوط واختراق المنطقة الخاصة في حياتنا، وهو ما يقوم علماء الاجتماع برصده الآن في ما يتعلق بالإنترنت مثلا، حيث استطاعت أن تفرض نفسها على الأسرة وتخترق هذه المنطقة الخاصة، وعلى الأسرة والمدرسة تحديدا أن تعتبر أن هذه التباينات جزء من الواقع، وأن تربي الجيل على المبادئ الأصلية، وغرس مبادئ الصدق فيه والالتزام بأخلاقيات معينة. فالتقنية لا تعني التسيب الأخلاقي، ولكنها تعني أن تصبح الحياة أسهل، وعملية الإنتاج أسرع، وصياغة العلاقـات التي يتمتع بها الإنسان أرقى؛ لأن عناصرها أصبحت مختلفة عن السابق، فأنت تسافر عقليا عبر الإنترنت. ويصبح السؤال المطروح، هو: كيف نكيف أنفسنا مع هذا الواقع الجديد، مع التمسك بثوابت القيم والتربية؟

في هذا السياق يقول الدكتور عبدالحميد الحسيني أستاذ علم الاجتماع: هناك حقيقة يجب علينا أن نقبلها وهي أن عصرنا الآن تحول إلى ما يسمى بعصر الإلكترونيات والتقنية العلمية، إنه عصر الآلات الدقيقة التي تربطك بالعالم خلال ثوان معدودة، فإذا كنت تمتلك هاتفا محمولا الآن لا يمكنك الاستغناء عنه لأنك أصبحت أسير هذه التكنولوجيا الجديدة، ومن هنا يجب أن نتعامل معها ولكن في حدود ما يسمح بالاستفادة الاجتماعية لي وللآخرين.

والمجتمعات لا يمكن أن تعود إلى الوراء، وقد أكد لنا العلامة الكبير ابن خلدون أن الأمم الكبيرة تغلب الأمم الصغيرة بالعلم الحديث، فيجب أن ننهل من المعارف والعلوم والثقافات الجديدة لتكون عاملا مساهما في تقدم المجتمع وليس هدمه أو دماره.

وإذا كان الشباب أو أفراد المجتمع الآن يتواصلون عبر تلك الغرف المرئية بالصوت والصورة أو عبر الاجتماعات على الإنترنت وغرف الشات المنتشرة الآن، فلا يجب أن نرفض ذلك تماما ولكن علينا وضع ضوابط وقواعد للاستعمال السليم الذي لا يسبب ضررا للآخرين وأن نتمسك بالقيم والأخلاق الكريمة ولا نذيع أسرار الآخرين أو نقوم بأخذ صور لهم وننشرها على الإنترنت، فهذا نوع من التخلف والسقوط في الجرائم.

وأوافق على تداول تلك التكنولوجيا الحديثة من خلال القوانين والشروط التي تضعها الدول وتضمن بها حقوق الآخرين والحفاظ على أسرارهم وحياتهم الشخصية.

ويقول الدكتور مصطفى إبراهيم المنياوي عن هذه القضية من خلال دراساته وبحوثه في علم النفس: ربما جاءت التكنولوجيا الحديثة بسمات جديدة، يمكن من خلالها أن نتقارب ونتعارف ونتحدث ونشكو وحتى نبكي سواء كان ذلك وجها لوجه أم من خلال المحادثات عبر الموبايل والكمبيوتر؛ فلا تعجب إذا شاهدت شخصا ما يجلس ساعات يتحدث مع صديق في عالم آخر ويضحكان معا وكل منهما يشرح ويعبر عن أدق أسراره، وقد كانت نتيجة ذلك كثيرا من الزيجات الناجحة ومن السهل أن يقول لك الزوج أنا تعرفت على زوجتي من خلال الإنترنت، وقد تفشل بعض هذه الزيجات ولكننا لابد أن لا نرفض تلك التقنية وعلينا توظيفها إيجابيا.

21