شركة الكهرباء التونسية تكافح للخروج من فخ الديون

مواطنون تونسيون يشكون من سوء خدمات شركة الكهرباء التي لم ترتق إلى مستوى تطلعاتهم رغم المحاولات المضنية من طرف الشركة الغارقة في الديون.
الأربعاء 2020/03/04
محاولات مضنية للإصلاح

أطلقت شركة الكهرباء التونسية صافرات الإنذار من اتساع فقاعة ديونها في ظل تقاعس الجهات الرسمية عن إيجاد حل للأزمة التي تتفاقم بوتيرة سريعة، وأدت إلى تراجع مستوى الخدمات وتحميل الشركات والمواطنين عبء الخسائر التي تكبدتها خلال السنوات التسع الأخيرة.

تونس- ألقت التحديات الكبيرة التي تواجه الشركة التونسية للكهرباء والغاز (ستاغ) بظلال قاتمة على هذا الكيان المملوك للدولة، والذي يبحث عن بوصلة تعدّل مساره وتنقذه من المشكلات المزمنة المتراكمة منذ سنوات.

وتختزل أزمة ستاغ مشاكل بقية الشركات الحكومية وشركات القطاع العام المتعثرة، وفي مقدمتها الخطوط التونسية، ولا يبدو أن لدى السلطات هوامش للتحرك وفعل أيّ شيء للإصلاح وإنقاذها رغم تفاؤل المسؤولين.

ويؤكد مواطنون في أحاديث متفرقة مع “العرب”، أنهم يعانون من أعباء ارتفاع أسعار الكهرباء، والتي بدأت تظهر بوضوح خلال العامين الماضيين، في ظل غليان أسعار المواد الاستهلاكية.

ويشكو كثيرون من سوء الخدمات، التي لم ترتق إلى مستوى تطلعاتهم، رغم المحاولات المضنية من طرف الشركة الغارقة في الديون. وتعود آخر زيادة في تعريفة استهلاك الكهرباء والغاز إلى عام 2017، حيث عدلت الحكومة الأسعار لتوفير عائدات بقيمة 175 مليون دينار (62 مليون دولار).

وقبل ذلك بثلاث سنوات قامت الشركة التونسية للكهرباء والغاز باتخاذ خطوة زيادة الأسعار بنسبة 10 في المئة في فاتورة استهلاك الكهرباء، بينما بلغ معدل الزيادة في سعر الغاز الطبيعي حينها 12 في المئة.

ولكن حتى شركات القطاعين العام والخاص، التي تعتبر الأكثر استهلاكا للكهرباء قياسا بالأفراد تتذمر من ارتفاع الأسعار، وهي تواجه مشكلة في سداد مستحقات شركة الكهرباء، بينما لا تجد المؤسسات الحكومية مشكلة نظرا للأموال المرصودة لها في الموازنة السنوية للدولة.

وبحسب رئيس الشركة المنصف الهرابي، فإن مستحقات ستاغ بلغت بنهاية العام الماضي، قرابة 1.8 مليار دينار (نحو 633 مليون دولار) مقسمة بالتساوي بين القطاعين العام والخاص.

المنصف الهرابي: نعمل على إزالة العدادات التقليدية واعتماد منظومة ذكية
المنصف الهرابي: نعمل على إزالة العدادات التقليدية واعتماد منظومة ذكية

وهذا المبلغ يجعل الشركة تعجز عن توفير أموال التجهيزات والمعدات ووقود أسطول سياراتها، فضلا عن تعطيل صيانة المحطات، وبالتالي تضطر إلى الاقتراض حتى تضمن استمرارية تقديم الخدمات.

ويشكك البعض في فرص نجاح محاولات الحكومة المتعلقة بإنقاذ الشركة نتيجة الارتباك في تنفيذ برنامج الإصلاح، خاصة أنها ليست المرة الأولى التي تعلن فيها عن خطط من هذا النوع لتحفيز نشاط الشركات الحكومية.

ويقول الخبير الاقتصادي أنيس القاسمي، إن إعادة هيكلة الشركة باتت أمرا ضروريا، وكذلك وضع قواعد لجدولة مستحقات ستاغ لدى المستهلكين ولاسيما الشركات. وأكد في تصريح لـ”العرب” أن مخطط إعادة الهيكلة يجب أن يرتكز على الضغط على التكاليف وإعادة التنظيم الإداري للشركة وتحسين جودة الخدمات.

وأشار إلى أن ستاغ أعلنت مرارا أنها ستقوم بتغيير عقلية نشاطها حتى تخرج من ورطة الديون، لكنها لم تفعل شيئا إلى اليوم وكل محاولاتها باءت بالفشل.

وكانت شركة الكهرباء الحكومية قد أشارت سابقا إلى أنها اتخذت إجراءات عملية لضمان التحول إلى الشبكة الذكية خاصة وأن المجال الرقمي يحتل مكانة هامة في قطاع الطاقة.

وقال الهرابي الأسبوع الماضي، إن “الشركة تعمل على إزالة خدمة العدادات التقليدية واعتماد منظومة ذكية تم الانطلاق في استعمالها بولاية صفاقس في انتظار تعميمها على بقية المحافظات”.

ودعا المستهلكين ممّن يشككون في أسعار الكهرباء، إلى رفع عداداتهم بأنفسهم والتقدم لسداد قيمة ما يستهلكون، مستبعدا وجود فساد في مختلف مجالات نشاط الشركة.

وطالبت الشركة مرارا بصرف أقساط الدعم وتفعيل جميع القرارات الملزمة لكافة المنشآت الحكومية والإدارات من أجل سداد ديونها، ولكن الحكومة تقاعست عن توفير مخصصات العامين الماضيين والبالغة ملياري دينار (700 مليون دولار).

ولطالما طالب خبراء المسؤولين بحوكمة مؤسسات الدولة خاصة تلك التي تقدم الخدمات للمواطنين باعتبارها تشكل بؤرة للفساد. وحصلت الشركة العام الماضي على قرض بقيمة 120 مليون يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية من أجل تنفيذ مشروع شبكة الكهرباء الذكية.

وسيخصص التمويل الفرنسي لتنفيذ المرحلة الأولى للمشروع، الذي أعلن عنه لأول مرة في مارس 2017 من خلال تطوير محطات التحكم ووسائل الاتصالات وتطوير البنية التحتية وتشمل تثبيت 430 ألف عداد ذكي.

وستوفر شركة هواوي الصينية، التي تواجه انتقادات شديدة من الولايات المتحدة بسبب تطويرها لتكنولوجيا الجيل الخامس، العدادات الذكية لشركة ستاغ.

وسعت تونس إلى التخلص من أعباء بعض المحطات المولدة للكهرباء، والتي تستنزف 1.67 مليار دولار سنويا من موازنة الدولة عبر استيراد الغاز الجزائري ببيع حصص لشركات قطرية، وهو ما يثير استياء لدى شريحة واسعة من التونسيين.

وتحاول الدوحة الطامحة للخروج بأخفّ الأضرار من أزمتها الاقتصادية، فتح كافة الأبواب الاستثمارية لجني الأرباح من خلال استغلال الفرصة المتاحة أمامها نتيجة ضعف الاقتصاد التونسي المحتاج إلى الدعم.

وكانت شركة نبراس القطرية للطاقة قد استحوذت في أبريل الماضي على 60 في المئة من شركة قرطاج التونسية المملوكة للدولة، التي تملك إحدى محطات توليد الكهرباء في العاصمة تونس.

700 مليون دولار قيمة العجز المالي الذي تعاني منه الشركة التونسية للكهرباء والغاز

وقالت نبراس في بيان حينها، إن شركة هولندية مملوكة لها بالكامل، لم تذكر اسمها، استكملت عملية الاستحواذ على الحصة في الشركة التونسية، دون الكشف عن قيمة الصفقة.

وأضافت الشركة، التي تعتبر كيانا مشتركا بين شركة الكهرباء والماء القطرية وقطر القابضة إن “عملية الاستحواذ تعتبر علامة لدخول نبراس سوق الطاقة التونسية وبداية لتأسيس وجودها الأول في شمال أفريقيا”.

وتبلغ طاقة إنتاج محطة قرطاج 471 ميغاواط، وهي توفر نحو عشرة في المئة من الطلب المحلي للكهرباء. وتسابق تونس الزمن من أجل تنفيذ استراتيجيتها المتعلقة بإنتاج الطاقة البديلة من خلال خطط طموحة لتشجيع القطاعين العام والخاص للاستثمار في هذا القطاع المستدام.

وكشفت السلطات في نوفمبر 2017، عن معالم خطة لإنتاج الطاقة المتجددة من أجل تلبية احتياجات البلاد المستقبلية من الطاقة بعد توقعات ببدء تراجع إنتاج النفط والغاز في البلاد والذي يعدّ المحرك الأساسي لإنتاج الكهرباء.

وقال الهرابي خلال ندوة حول الطاقة الشمسية عقدت في تونس حينها إن بلاده “تتجه إلى إنتاج 12 في المئة من حاجتها الطاقية عبر المصادر المتجددة بحلول 2020”.

وأوضح أن تونس تعتزم رفع الإنتاج إلى حدود 30 في المئة من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030 وذلك بإطلاق مشاريع ضخمة في مجال الطاقة الشمسية.

11