شركة هاتف تهدد الصحف الجزائرية "المتمردة" باستخدام سلاح الإعلانات

الأربعاء 2015/02/25
غضب في الوسط الإعلامي من تمادي إدارة شركة "أوريدو" في تقزيم وسائل الإعلام المحلية والتدخل في خطها التحريري

الجزائر - موجة من الغضب والاستنكار عاشتها الأوساط الإعلامية الجزائرية، إثر ممارسة شركة الهاتف النقال "أوريدو" ضغطا على وسائل الإعلام لتحديد خطها التحريري وصناعة خطابها السياسي، مهددة إياها بقطع الإعلانات عنها إن لم تخضع لحساباتها التجارية والسياسية.

أثارت تصريحات جوزيف جاد، المدير العام لشركة الاتصالات القطرية “أوريدو” المشغلة للهاتف النقال في الجزائر، حول حجب الإعلان عن وسائل الإعلام التي تهاجم النظام السياسي والحكومة، موجة من الانتقاد والاستياء لدى الرأي العام.

وقالت مصادر مطلعة إن إدارة “أوريدو” التي تملكها قطر نظمت نهاية الأسبوع الماضي عشاء حصريا لمديري ومسؤولي دور نشر بعض الصحف الخاصة وصفتها بـ“الثقيلة”، وهي التي لها حضور قوي على الساحة الإعلامية الجزائرية، وبحضور ممثلي السلطات الرسمية وعلى رأسهم وزير الاتصال حميد قرين، حيث كشف مدير الشركة في الجزائر لضيوفه عن سياسة المؤسسة تجاه وسائل الإعلام المحلية، وأعلن عن حجب الإعلانات عمّا أسماه بـ“الصحف السلبية”، واضعا سياسة الخط التحريري للصحف كمعيار لمنح الإعلان أو حجبه.

وانتقد إعلاميون وناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، بشدة، تصريحات المدير اللبناني جوزيف جاد، واعتبروها تدخلا سافرا ومثيرا في السياسة التحريرية لوسائل الإعلام المحلية، ويتناقض مـع أدبيات العلاقة المهنية والتجارية للمعلنين مع وسـائل الإعلام.

كما أعابوا على الحاضرين انصياعهم للتمدد المتنامي لشركة “أوريدو”، التي أصبحت بالنسبة إليهم “شركة مهيمنة تتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد”.

الحكومة تتدخل لدى المؤسسات المعلنة الكبرى لحجب إعلاناتها عن المؤسسات الإعلامية "غير المحترفة"

وجدير بالذكر أن نشطاء كانوا قد شنوا حملة واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي لمقاطعة شركة الهاتف نظير تماديها في الشأن المحلي وتحديد الخط الافتتاحي لوسائل الإعلام، كما دعا آخرون إلى مقاطعة مسابقة “ميديا ستار” التي دأبت الشركة على تنظيمها سنويا لصالح الصحفيين الجزائريين، من أجل ما يسميه بـ“تطوير وتشجيع الصحافة المحلية على مواكبة التطورات المتصلة بقطاع تكنولوجيا الاتصالات”.

ويقول مراقبون في الجزائر إن هناك تقاطعا بين تصريح جوزيف جاد ومواقف وزير الاتصال حميد قرين، ممثلا للحكومة، التي دعت المؤسسات المعلنة إلى حجب إعلاناتها عن المؤسسات الإعلامية “غير المحترفة”، في إشارة إلى بعض الصحف والفضائيات التي تعارض مشروع السلطة ووقفت بوجه الولاية الرئاسية الرابعة لبوتفليقة، وكانت المطابع والإعلانات الحكومية أول سيف أشهر في وجه الناشرين، بحجة تسديد الديون المتراكمة عليها ممّا أدى إلى اختفاء بعض الصحف من الساحة على غرار يوميتي “الجزائر نيوز” بنسختيها العربية والفرنسية.

ويعرف قطاع الإعلام في الجزائر توترا كبيرا منذ تعيين الحكومة الحالية في أعقاب الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وقدوم الوزير حميد قرين على رأس القطاع، الذي باشر حملة ضغط وتدجين للصحف ووسائل الإعلام “المتمردة”، متدخلا لدى المؤسسات المعلنة الكبرى لحجب إعلاناتها عنها بسبب ما أسماه بـ “الافتقاد للاحترافية”.

وكان أول اصطدام بين الحكومة الجزائرية وشركة الهاتف قد حدث، بعد عودة المنتخب الجزائري لكرة القدم من مونديال كأس العالم في البرازيل في شهر يوليو 2014، حيث أوفدت الشركة طائرة خاصة لحمل أعضاء المنتخب مباشرة بعد عودتهم من ريو دي جانيرو إلى الدوحة للاحتفاء بهم في قناة “بين سبور”، دون المرور على القنوات الرسمية للبلاد، مما أثار استياء السلطات الجزائرية، وتدخلت حينها لتقليص الوفد إلى عدد محدود من اللاعبين، وتغيير الرعاية الرسمية من شركة أوريدو إلى الشركة الحكومية المحلية “موبيليس”.

عبدالعزيز رحابي: "التدخل بهذا الشكل العلني لم يكن ليحدث لو لم يقابله نوع من التواطؤ"

واعتبر عبدالعزيز رحابي، وزير الثقافة والاتصال والدبلوماسي السابق، أن “موقف الشركة ينم عن تدخل مفضوح في الخط التحريري للصحف، وأن التدخل بهذا الشكل العلني، هو سابقة فريدة من نوعها تعكس حجم التمادي للشركة في شؤون الآخرين وتوظيف المال كورقة ضغط حتى على وسائل الإعلام للبلد المضيف تحت ذريعة الدفاع عن النظامين السياسيين، لم يكن ليحدث لو لم يقابله نوع من الفراغ أو التواطؤ”.

واستغربت الطبقة السياسية التي اتصلت بها “العرب” للإدلاء برأيها في القضية، من تمادي إدارة شركة “أوريدو” في تقزيم الصحافة ووسائل الإعلام المحلية والتدخل في خطها التحريري، حيث وصفها جيلالي سفيان رئيس حزب جيل جديد بـ“الفضيحة المدوية”، قائلا “سياسة الدولة اليوم أصبحت تحدد من طرف المتعاملين الاقتصاديين والقوى المالية، وأن يتحول مدير مؤسسة أجنبية إلى راسم لسياسة البلاد في حضرة وزير ومسؤولين رسميين، فذلك قمة الخطر والانبطاح”.

أما الناطق الرسمي باسم حركة طلائع الحريات أحمد عظيمي، فقد شدد على أن “ضعف الدولة وغياب الرئيس عن المشهد الحقيقي، هو الذي سمح بتطاول مدير “أوريدو” على وسائل الإعلام المحلية وبالتدخل في سياستها التحريرية”، ولم يستعبد المتحدث تمادي قوى المال في فرض مصالحها ومشاريعها على سلطات البلاد في ظل الترهّل الذي تعرفه مؤسسات الدولة منذ التجديد لبوتفليقة”.

بدوره رد المدير العام لأوريدو على الجدل الذي أثارته تصريحاته، قائلا “الإعلان هو عمل تجاري. أنا أعلنت الاستراتيجية التي تقوم على أسس وقيم نحن كمعلنين أحرار فيها، ونحن أول من احترام الخط التحريري لكل المؤسسات ليس هناك أي تخويف أو ابتزاز”، موضحا “أولئك الذين يريدون أن يجادلوا فليفعلوا ذلك”، وأضاف “حرية الصحافة والمعلنين لا يمكنها أن تنفصل لقد منعنا دائما من التدخل في أي خط افتتاحي لأي وسيلة".

18