شرمين يافي.. فنانة لبنانية تصطاد اللحظات العابرة بصنارة الألوان

في كل لوحة تعيد شرمين يافي تحديث أفلاكها من حيث اللون والملمس وترصع بها فضاءات مفتوحة لا تفضي إلاّ إلى ذاتها وإلى أجوائها اللونية المشتعلة.
الجمعة 2019/03/22
كوكب يخفي كوكبا آخر

قدّمت صالة “روشان” بالعاصمة اللبنانية بيروت معرضا للفنانة التشكيلية اللبنانية شرمين يافي تحت عنوان “روحي”. وهو معرض يضمّ لوحات كبيرة ومتوسطة الحجم مشغولة بمواد مختلفة، أخفت الفنانة ماهية بعضها ممّا جعل الأعمال تتمتع بغموض “تقني” أفضى عمقا جديدا على مضمونها.

بيروت – أطلقت الفنانة اللبنانية شرمين يافي في معرضها الأخير والمعنون بـ”روحي” الذي عرضته أخيرا صالة “روشان” البيروتية عناوين مختلفة على لوحاتها التجريدية من الواضح أنها انتقتها بدقة، في حين تصر معظم اللوحات التجريدية التي يقدمها معظم الفنانين التجريديين على حمل عناوين مبهمة جدا أو أرقام لا تدل إلاّ على تسلسلها إلى جانب بعضها البعض.

ونذكر من هذه العناوين “ضوء أقمار” و”فقاعة حب” و”أقمار شمسية” و”رقصة قصيرة” ولوحة تحمل عنوان المعرض “روحي”.

مناخات داخلية

المعرض بكليته مقتطع من مناخات داخلية لذا جاء التعبير تجريديا يزخر بالألوان ولا يتنافى مع تجريديته، إلاّ في إظهاره لأشكال دائرية أو فلكية تحلق أو تستقر هادئة وتذكر بالكواكب والمجرات ومساراتها المختلفة صعودا ونزولا، خلال عومها في عمق الفضاء الخارجي.

يتناسب الموضوع الحميمي غير المحدود الذي تتحدث عنه الفنانة بصريّا مع فيض المشاعر والتخيّلات الملونة التي هي مرآة لما يعتمل في نفسها، وبالرغم من حضور أجواء لونية يلفحها الأسود العميق المتصدّع بنيران لونية تلتف حول نفسها لتشكّل عوالم متحركة وغنية ومتنوعة، يسيطر جوّ من الفرح والتفاؤل الذي يعطي لجميع لوحاتها دفئا إنسانيا عرف كيف يتصدى لمآسي العالم الأرضي، وذلك بأن يكون بديلا أو مرافقا لتجهماته ومخفّفا لنبراته المأساوية.

معرض "روحي" للفنانة شرمين يافي هو فرح للعين ومهرجان للنظر، ولكنه مع ذلك يصيب الناظر إليه برتابة التكرار

قد يجد بعض زائري المعرض أن أعمال الفنانة تنحى إلى التزيينية، لأنها تفتقر إلى مضامين سردية أو أفكار ترتبط بإسقاطات شعورية أو مواقف وجودية ما، لاسيما بعد أن يعيد الزائر النظر إليها، فهي لجمالها وللتقنية الغنية التي استخدمتها الفنانة في كل أعمالها المعروضة تقف عند حدود ما، جاعلة من الأعمال لهوا احترافيا ممتازا لا يلبث إلاّ أن يفقد لمعيته تحت وقع الرتابة التشكيلية.

وفي كل لوحة تعيد شرمين يافي تحديث أفلاكها من حيث اللون والملمس وترصع بها فضاءات مفتوحة لا تفضي إلاّ إلى ذاتها وإلى أجوائها اللونية المشتعلة.

تعبير عن التعبير

اللوحات تبدو متغاضية بشكل تام عن معنى الزمن، خاصة تلك التي تعبر فيها الفنانة عن زمن ليلة أو وقت انحدار
اللوحات تبدو متغاضية بشكل تام عن معنى الزمن، خاصة تلك التي تعبر فيها الفنانة عن زمن ليلة أو وقت انحدار

تقول شرمين يافي في معرض كلامها عن معرضها “اتصل من خلال لوحاتي مع ما تنتجه روحي من أفكار ومشاعر مختلفة، تجيء هذه المشاعر والأفكار أحيانا كثيرة بشكل سريع حد الخطف، ويترتب عليّ حينئذ أن أكون أسرع منها لتلتقطها يدي وريشتي فأصوّرها بالشكل الذي أحب أن أعبّر من خلاله، وتعبيري الفني لم يأت بشكل اعتباطي، وهو اختياري الذي شكّلته بعيدا عن كل ما تعلمت من أصول وقواعد فنية”.

وتضيف “أعتقدُ أنه لأجل ذلك، ربما، جاء نصي الفني صادقا ووفيّا لما أشعر وأفكر به”.

ولا شك بأن صدق اليد مع الريشة وكافة أدوات الرسم التي استخدمتها الفنانة هو صدق واضح لا لُبْس فيه، ولكنه لشدة “صدقه” فقد ليونته وغموضه وهو في عزَ عبيره عن عوالم فضائية زاخرة بشتى أنواع الانقشاعات الضوئية والتكوّرات اللونية، تكوّرات لونية ترافقها ظلالها وكأنها امتداد عادي لها. امتداد والتفاف لا لبس فيهما.

وتضيف الفنانة قائلة إن الأشكال التي ترسمها والألوان التي تستخدمها هي مواد أولية ولا زمنية وهي مسروقة من اللحظات العابرة، وتعبّر الفنانة من خلال
المواد المستخدمة عن حسية عالية هي أحيانا فجّة ولا تخدم “سحر” لوحاتها، إذا جاز التعبير.

وبالفعل، تبدو أعمال يافي متغاضية بشكل تام عن معنى الزمن، وخاصة في اللوحات التي تريد أن تعبّر فيها عن زمن ليلة أو وقت انحدار أو اختفاء لكوكب من الكواكب.

الزمن ليس له قيمة في لوحاتها وهو يسيل من دون كرب أو ندم، لذا يشرح من لوحاتها صوفية “مُتكلفة”، ولكن خلافا للوحات التي تُصنف بالصوفية حيث تقشف واضح بالألوان المستخدمة لاسيما المتوهجة منها.

Thumbnail

تشتعل الألوان في لوحاتها دون قيد أو شرط وتتزاحم في العديد من اللوحات وتلتحم ببعضها البعض على مستويين: المستوى الأول، وهو بين أشكال مُستقلة وأخرى، كما في تجاور الكواكب أو تباعدها عن بعضها البعض لتنصهر في درجات وعلى مستويات متنوعة، نقاط أو مساحات التلاقي فالانصهار.

أما المستوى الثاني، هو من ضمن الحيز الواحد والمغلق الذي غالبا ما يكون الأفلاك ذاتها المنغلقة على ألوانها وعلى خشونة وعذوبة ملمسها، هنا تماما تبدو أفلاكها ليس كجزء من أفق مفتوح بل كأنها نقاط واسعة الاستدارات ودوائر مكثّفة بموادها التصقت بخلفية اللوحات، نقاط أضيفت على اللوحات وليست جزءا غير مفصول عنها.

وإلى جانب اللوحات التي تغلبها الألوان المتفجرة تقدّم الفنانة لوحات أخرى يطغى عليها السأم لكثرة الاستدارات التي ملّت بأن تكون كذلك، وفي هذه اللوحات تطغى ألوان الأرض وتتحلّل حوافي الاستدارات المتكررة لتنساب في مساحة اللوحة، وكأنها موجودات تخلّت عن ماهيتها وانسكبت في أجواء لونية بكماء توحي بالتعب والملل من “اللهو” التشكيلي الذي مارسته الفنانة في لوحات أخرى، حتى المبالغة المزعجة بانحدارات الألوان وهالاتها، هالات تظهر في عدد من اللوحات أكثر حضورا من الألوان ذاتها.

معرض “روحي” هو فرح للعين ومهرجان للنظر، لكن ذلك قبل أن يقع الملل في نفس الناظر إلى اللوحات، لوحات تلفظ زائرها خارج الافتتان الأول لتدعه مُتسائلا حول ما أرادت الفنانة التعبير عنه غير إرادتها بالتعبير.. عن التعبير.

17