شروط الزواج التعجيزية تهدد بانقراض الأسرة اللبنانية

الاثنين 2014/06/16
هل تخفف الأعراس الجماعية من أعباء الزفاف وتقلص من ارتفاع نسبة العنوسة

بيروت- تبدو ظاهرة التأخر في سن الزواج أو ما يعرف بـ”العنوسة” عند النساء في “ازدياد مطّرد” بين الفتيات في لبنان، بسبب النزوح السوري الهائل إلى لبنان وسهولة الارتباط بالفتاة السورية “غير المتطلبة غالبا”، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية والغلاء المعيشي والارتفاع الجنوني في أسعار الشقق.

لا يزال المجتمع يتخذ مواقف وآراء حازمة إزاء ظاهرة تأخر الزواج، فيما تُشير الدراسات والإحصائيات إلى ارتفاع نسبتها، بحسب الفئات العمرية بين الذكور والإناث.

واعتبر وزير الشؤون الاجتماعية اللبناني رشيد درباس أن النزوح السوري “الهائل” إلى لبنان فاقم “أزمة العنوسة” عند الفتيات اللبنانيات.

وأشار درباس إلى أن نسبة كبيرة من النازحات السوريات اللواتي هربن من الحرب الدائرة في بلادهن، وتتراوح أعمارهن بين 15 و19 سنة أتين من الأرياف “حيث ينخفض مستوى التعليم”، لافتا إلى أنهن تزوجن من لبنانيين “دون أي شروط كالسكن والمهر”.

وأوضح أن المناطق اللبنانية الحدودية التي تضم تجمعات للنازحين السوريين، كمنطقة عكار شمالا وبلدة عرسال في البقاع شرقا، “تشهد ارتفاعا في حالات زواج شبان لبنانيين من نازحات سوريات”، مشيرا إلى أن وزارته لا تملك إحصاء دقيقا عن أرقام هذه الحالات. ورأى أن من أسباب ارتفاع معدلات “العنوسة” عند الفتيات اللبنانيات “كونهن يعتبرن أن التحصيل العلمي أولوية عندهن قبل التفكير في الزواج”، لافتا إلى أن هذا التفكير “هو عكس التفكير الموجود عند الفتاة السورية التي تنشد الاستقرار في الغالب”.

وغالبا ما تسعى الفتاة “اللبنانية” إلى المساواة مع الرجل، فترفض في البداية فكرة الزواج حتى تحقّق طموحاتها التعليميّة والوظيفيّة، وانطلاقا من هذا الواقع، سُجِّلت زيادات في أعمار غير المتزوّجات.

م. العشي، وهي مدربة رياضة تبلغ من العمر40 سنة قالت إن حياتها “غير سلبية على الإطلاق دون زواج”. وأضافت أن عدم زواجها حتى اللحظة “اختياري بامتياز”، حيث أن غالبية الشبان الذين تعرفت عليهم كانوا غير مناسبين من “الناحية المادية”، ولم يكن هناك “تجانس عقلي ونفسي” معهم.

ورفضت فكرة الزواج لـ”مجرد الجنس أو الاستقرار العاطفي”، مؤكدة أنها لا تكترث للعادات الاجتماعية لأنها “مستقلة ماديا” وليست “عبئا على أحد”.

يربط اقتصاديون ارتفاع أو انخفاض نسب الزواج بالأوضاع الاقتصادية وغلاء المعيشة في أي مجتمع

وتفاجأ الكثير من اللبنانيين بنسبة العنوسة بين الفتيات في لبنان بعمر الزواج التي وصلت إلى 85 بالمئة، بحسب دراسة أجرتها إذاعة هولندا استنادا إلى إحصاءات مراكز الأبحاث والمعطيات الخاصة بالمنظّمات غير الحكومية ونشرتها حديثا.

وعرفت الأخصائية في علم الاجتماع هيفاء سلام العنوسة بأنها “تشمل الأشخاص الذين تجاوزوا سنّ الزواج المتعارف عليه، والمحدّد اجتماعيا”.

ورغم أنها تفضل عدم استخدام مصطلح “عنوسة”، أوضحت سلام أن الزواج غالبا ما يكون “مرتبطا بالإنجاب”، مشيرة إلى أنه حين تتوقف قدرة المرأة على الإنجاب أي بعد سن الأربعين، يطلق عليها لقب “عانس”.

أما في ما يتعلق بالرجل، قالت سلام إنه يطلق عليه لقب “عازب” إذا لم يتزوج، وذلك بسبب غلبة “طابع الذكورية” على المجتمعات الشرقية. ورأت أن الزواج لم يعد هو الأولوية المطلقة لدى المرأة لأنها أصبحت “متحررة جدا” وتسعى إلى الحصول على مناصب علمية رفيعة، والدخول إلى سوق العمل للإنتاج وتحقيق الاستقلالية التامة، مما يؤدي إلى انخفاض الرغبة في الزواج.

ويشهد لبنان حركة هجرة واسعة ضمن صفوف الشباب بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية داخليا، والغلاء المعيشي، حيث يربط اقتصاديون ارتفاع أو انخفاض نسب الزواج بالأوضاع الاقتصادية وغلاء المعيشة في أي مجتمع. وأكد الخبير الاقتصادي مصطفى عيتاني هذه النظرية، معتبرا أن انخفاض نسب الزواج في لبنان مرتبط بشكل أساسي بارتفاع أسعار الشقق السكنية وإيجاراتها خاصة خلال السنوات الماضية.

وقال عيتاني إن أسعار الشقق السكنية في العاصمة بيروت على سبيل المثال “مخيفة جدا” فهي تتراوح بين 200 ألف دولار و500 ألف دولار أميركي، متسائلا “كيف سيتمكن الشاب اللبناني من الزواج؟”.

الزواج لم يعد الأولوية المطلقة لدى المرأة لأنها أصبحت "متحررة جدا" وتسعى إلى الحصول على مناصب علمية رفيعة والدخول إلى سوق العمل

ويبدو أن بلال حمادة، 28 عاما، حسم أمره، حيث أنه لا يفكر حاليا في”الارتباط الجدي”، فـ”فتيات هذه الأيام يتطلبن كثيرا”.

وأوضح حمادة أنه حاول في السابق أن يرتبط بفتاة إلا أن أهلها طلبوا منه شقة يتجاوز سعرها 100 ألف دولار، ومهرا بقيمة 50 ألف دولار، وهي شروط تعجيزية”.

وغالبا ما تؤثر نظرة المجتمع للمرأة غير المتزوجة بطريقة سلبية عليها، كما قالت أ. وهبة، 46 عاما، إنها تعيش “حياة تعيسة جدا وتكره نظرة المجتمع لها كونها غير متزوجة وغير عاملة وغير متعلمة”. وهبة، كانت مخطوبة لابن عمها الذي قضى نحبه بحادث سير في كندا. وتمنت لو أنها تزوجت من شخص آخر وأنجبت “لأنها تحب الأطفال”، وهي لا تزال “مؤمنة بأن القدر قد يكون يخبئ لها شيئا”.

واعتبر القاضي في المحكمة الشرعية السنية العليا في لبنان الشيخ حسن شحادة أن ارتفاع نسبة العنوسة في لبنان “مبالغ فيها بعض الشيء”، لافتا إلى أنها تتفاوت حسب المناطق “حيث أن بعض القرى تشهد أحيانا في موسم الصيف أعراسا جماعية تتجاوز العشر حفلات زفاف في يوم واحد”.

وأشار شحادة إلى عوامل تعيق الزواج تتمثل في”الطلبات التعجيزية” لأسر بعض الفتيات، كالمهر المرتفع، والسكن الراقي، معتبرا أن هذا “يدفع الشبان إلى التفكير في الزواج من أجنبية غير متطلبة… وهذا الأمر يهدد بانقراض الأسرة اللبنانية”.

ومن جانبه أوضح راعي كنيسة مار بطرس وبولس القس نعمة صليبا أنّ الكنيسة تشجع على الزواج وتحاول المساهمة بمختلف الطرق، فـ”الصندوق الماروني” الذي أسسته البطريركية المارونية يهدف إلى مساعدة الشباب على تأمين مسكن من خلال بعض المشاريع العمرانية التي لا تبتغي الربح المادي.

وقال صليبا إن الأعراس الجماعية التي تنظمها الكنائس المسيحية “تخفف الكثير من أعباء الزفاف”.

20