شروط الكتابة

تتحول الكتابة إلى مشروع خيانة، حين تمجد الانتقاص من الإنسان وكرامته، وتعلي من شأن العنف والظلم والعدوان والخرافات.
الأحد 2019/04/07
حسّ الأقلية المتعالي، نقيض الحس الإنساني (لوحة: سعد يكن)

تتميز الكتابة؛ سواء أكانت إبداعية أم غير إبداعية؛ بأنها نشاط إنساني ينطوي على رسالة إنسانية تهدف إلى تطور الإنسان، إن كان الإنسان على مستوى الجماعة الضيقة -أي الإثنية أو القومية أو الدين أو المذهب أو المنطقة الجغرافية- أو كان الإنسان بالمطلق، يشمل البشرية كلها، مثل الكتابة التي تُعرّي الحروب والاستبداد وهيمنة الشركات العابرة للقارات وفرض ثقافة الاستهلاك وسحق إنسانية الإنسان.

هذه الأعمال تلقى الخلود، فحين كتب الشاعر الداغستاني حمزاتوف “داغستان وطني” كان حس الكتابة الإنساني قد لامس شغاف قلوب مئات الملايين حول العالم وما زال، لأن داغستان أضحت وطنًا للجميع، ولأن فحوى الكتابة إنساني بالدرجة الأولى، لم يخالط شعور الكراهية قلب الشاعر حمزاتوف وهو يتغنى بداغستانه، الآخر المختلف، ولم نلمس ضغينة مناهضة للأكثريات القريبة والبعيدة أو الأقليات الأُخرى المحايثة.

تتحول الكتابة إلى كتابة استبدادية حين لا تجد وسيلة لتمرير رسالتها إلّا بالإساءة للمختلف. بإمكان أيّ كاتب أن يُنجز نصًّا حتى لو كان دينيًّا أو يحوي تمجيدًا لقوميته، من دون الإسفاف وتقديم استقالة للعقل والمنطق العلمي وشروط الكتابة الإبداعية؛ فيما يخص النص الإبداعي؛ وشروطها العلمية فيما يخص المقالات والبحوث والدراسات.

لكن ألاّ يرى نفسه ولا يرى مجموعته السكانية -لغوية أو عقائدية أو مناطقية- إلّا بالانتقاص من الآخرين وإطلاق العنان لخياله في نفخ مجموعته السكانية بلا وازع ضمير، حتى ليُخيّل للقارئ أن ما من خصلة حسنة إلّا وفيهم، كأنهم المجتمع المثالي علمًا وخلقًا، وما من منقصة إلّا وألصقها بالمحيطين شركاء الوطن والإنسانية.

تتحول الكتابة إلى مشروع خيانة، حين تمجد الانتقاص من الإنسان وكرامته، وتعلي من شأن العنف والظلم والعدوان والخرافات، وهنا تحضرني حكاية حدثت قبل مدة، إذ قال لي متشدق بقوميته ولا يعدم وسيلة للحط من شأن الغالبية التي منحت لغتها هوية المنطقة وتراثها، بوثوقية عجيبة “إن القرآن يخلو من ذكر لكرامة الإنسان” وكرامة الإنسان والقول له فوق كل شيء.

كان جوابي أنني لست مختصًّا ولا قارئًا نهمًا للقرآن، لكن هناك على الأقل آية واضحة وهي الآية (70) من سورة الإسراء “وَلَقَد كَرَّمْنا بَني آدَمَ وحَمَلْناهُم في البَرِّ والبَحْرِ وَرَزَقناهم من الطَّيِّبات وفَضَّلناهم على كَثيرِ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفضيلًا” أي جعل الله لهم شَرَفًا وَفَضْلًا، فيجب ألاّ ننفي عن القرآن أمرًا فيه.

لم أفاجأ حين عاب عليّ هذا الشخص ما رآه دفاعًا عن الإسلام، بينما الحقيقة أنني أرفض التزوير والكذب والخداع، وأرى الكلمة مسؤولية تنبع من ضمير لا قيمة لحامله لو لم يكن إنسانًا يتسع قلبه لكل شيء. فالكتابة إن فقدت شرطها الإنساني فقدت كل شيء. والشرط الإنساني أن ترفض الافتراء والكذب والتزوير والاستعلاء والإلغاء والإقصاء لأخيك الإنسان مهما كان معتقده ولغته وبيئته ومستواه الثقافي والاجتماعي، مادام يحتفظ بودّ الإنسانية.

يتمثل فقدان الشرط الإنساني بكتابات كثيرة؛ بعضها أخذ صبغة “رسائل وأطروحات علمية” يناقشها مجموعة من الأساتذة ويحصل الباحث عليها درجة علمية هي الماجستير أو الدكتوراه، لكنها مُشبعة بالكراهية، لا يختلف عمّا قرأته قبل عشرين عامًا لباحث قومي يرى “العبرانيين” مجموعة سكانية طارئة على المنطقة، هذا القومي العربي الذي يرفض أن يستوعب اليهودية بوصفها نتاج المنطقة يساويه مَن يرى العرب مجرد بدو همج طارئين على المنطقة والحضارة.

حسّ الأقلية المتعالي، نقيض الحس الإنساني، لأنه يجعل الكتابة أداة لتمرير رسالة لتحقير وشيطنة الآخر، وعادة ما يكون هذا الآخر هم الغالبية، لا لتمرير رسالة جمالية ذات همّ إنساني مشترك مثلما في نموذج “داغستان بلدي”.

10