شروط بناء الثقافة الديمقراطية

الجمعة 2015/04/17

اعتاد المثقفون في بلداننا على فهم الديمقراطية على أنها حكم الشعب الذي يحدّد ويحمي بنفسه وبواسطة ممثليه المنتخبين بشفافية وحرية بنيات النظام السياسي الديمقراطي ومؤسساته المنتخبة، وأنها أيضا تنظيم للقانون وتوزيع للثروة بعدالة فضلا عن توفير حرية التعبير والتجمع السلمي وغير ذلك من الأسس المادية والرمزية التي بدونها جميعا لا يمكن أن تقوم لها قائمة.

ولاشك أن المناقشات لا تزال محتدمة ليس فقط حول تحديد هذه الأسس المادية والاجتماعية على ضوء خصوصيات كل مجتمع، وإنما سجال دائر حول شرط آخر، وهو نوعية القيم التي بدونها لا يمكن أن يكون مشروع الديمقراطية قابلا للبناء و للحياة وأن يعمّر، ويصبح بنية ثقافية ونفسية، ووازعا أخلاقيا مؤسسين للشخصية القاعدية للمواطنين والمواطنات. ولكن يلاحظ أن هناك القليل من المفكرين الذين اشتغلوا على الكيفية التي يتمّ بواسطتها إنجاز شرط التكوين النفسي سواء للأفراد أو للجماعات لتأسيس الديمقراطية.

في هذا السياق وجدت أفكار المحلل النفسي البريطاني دونالد وينيكوط، الذي يعتبر من أبرز المفكرين والممارسين لهذا الحقل المعرفي في عالمنا المعاصر، شديدة الأهمية فعلا. ففي تحليله للاستعمالات النفسية لمصطلح الديمقراطية يؤكد على مسألة النضج النفسي كشرط لقيام الديمقراطية، وعلى ضوء ذلك نجده يقترح علينا أن نقيس أي توجه نحو الديمقراطية بمدى التطوّر العاطفي النفسي للمجتمع وذلك من خلال دراسة ظاهرة مستوى النضج العقلي والنفسي عند أفراده.

وفي الوقت نفسه فإن دونالد وينيكوط يرى أنه لا بدّ أيضا من تحليل بنيات المجتمع ذاته لمعرفة مدى نضجها من عدمه. فهو يولي اهتماما لهذه القضية المرتبطة ارتباطا مصيريا بمشروع بناء ثقافة الديمقراطية ويلخصها في أنه ينبغي أن يكون في المجتمع “مقدار كاف من النضج في التطور النفسي لدى نسبة كافية من الأفراد المكونين له، لكي يوجد ميل فطري نحو خلق وإعادة خلق آلة الديمقراطية وصيانتها”. إن الميل “الفطري” لا يعني هنا التوجه الطبيعي الناتج عن الوراثة فقط، وإنما يعني في آن واحد أسلوب الحياة في المجتمع الذي ينبغي أن يحكم العلاقات فيه وبخلاف توفر هذا الأسلوب الديمقراطي فإن ذلك المجتمع يصبح معرضا لعواصف الحكم الديكتاتوري والاستبدادي.

وهكذا يرى هذا المفكر البريطاني أن إحدى المهام الأساسية لتحقيق بناء الديمقراطية تتمثل أولا وقبل كل شيء في إبداع ما يدعوه وينيكوط بهذا “العامل الديمقراطي الفطري” الذي يمكن تأسيسه فقط من خلال العمل على “التطوير العاطفي النفسي للأطفال بمختلف أعمارهم”، و”لسيكولوجيا الأم المربية، ولوظيفة الأب في مختلف المراحل”.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

15