شروط ممارسة النقد الثقافي

الجمعة 2016/10/07

في بدايات العقد الثاني من القرن الحالي تأسست في البعض من الجامعات الجزائرية شعبة النقد الثقافي من دون أن يمهَد لذلك بتكوين الأساتذة المختصين في هذا الحقل المعرفي، وجراء هذا اختلطت الأمور على الطلاب والطالبات في مرحلة التدرج وفي مرحلة الدراسات العليا.

من بين المشكلات الكبرى التي عانى منها هؤلاء الطلاب عدم التمييز بين التأريخ للثقافة، ودراسة تاريخ ظهور وتطور النقد الثقافي نفسه وبين ممارسة هذا النوع من النقد الذي يتطلب التدرب عليه بعد الاستيعاب الشامل على الأقل للمناهج والنظريات الحديثة التي يوظفها النقد الثقافي بشروطه التي يؤكد عليها أقطابه المؤسسون في الغرب منهم الناقد المفكر إدوارد سعيد الذي قال “موقفي هو أن النصوص دنيوية وهي إلى حد ما أحداث، كما أنها مع ذلك، وحتى عندما تبدو أنها تنكره، جزء من عالم اجتماعي وحياة إنسانية ومن اللحظات التاريخية، طبعا، التي تقع وتفسر فيها”.

وفي الواقع فإن ما يميز النقد الثقافي عن الأنواع الأخرى من الكتابات التي تدرس الثقافة هو عدم الاكتفاء بتحليل الظواهر الثقافية التي تطفو على السطح في هذا المجتمع أو ذاك وإنما الذهاب إلى العمق في عمليات التنقيب، والكشف عن الطبقات المضمرة في النصوص أو في الشفرات الثقافية بما في ذلك السلوك البشري.

ومن هنا فإن النقد الثقافي ليس مجرد كتابة عن الثقافة كما هو الأمر عند الكثير من الدارسين الذين درسوا التاريخ الثقافي أو هذا الجانب أو ذاك من الحياة الثقافية في هذا المجتمع أو ذاك. فالنقد الثقافي الجديد الذي هو من تأسيس التقليد الثقافي والفكري الغربي كما نعرفه اليوم يقوم على مركّب من المناهج والنظريات المتشابكة والمتضافرة وفي صدارتها الفينومينولوجيا باعتبارها فلسفة التجربة والماركسية والسيميوطيقا والتحليل النفسي وخاصة أساسه النظري عند كل من سغموند فرويد وكارل يونغ وجاك لاكان ودونالد وينيكوط وعلى نحو قليل نظريات ميلاني كلاين ونظرية علاقات الموضوع، والمنهج الاجتماعي وغيرها من المقاربات.

وفي الواقع فإن النقد الثقافي هو الفلسفة وهي تعمل في مجال الثقافة. على هذا الأساس فإنه لا يمكن للنقد الثقافي أن يعمل في ميدان الممارسة من دون الأسس النظرية والمناهج والمقاربات المذكورة التي تميزه عن الكتابات العادية التي تتناول قضية الثقافة منها على سبيل المثال: نظرية ما بعد البنيوية التي تنظر إلى الذات على أنها وعي ولاوعي، بعكس ديكارت الذي يعتقد أن الذات عاقلة وأنها سابقة على الوجود، ونظرية الهيمنة عند غرامشي، ونظرية الخطاب عند ميشال فوكو وفلسفة التفكيك عند جاك دريدا، ونظرية المقاومة الثقافية عند فرانز فانون، ونظرية الأجهزة الأيديولوجية عند لوي ألتوسير، والنظرية النسوية ونقدها للمركزية الذكورية وتهميش المرأة.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

15