شريان البتروكيماويات الإيراني يصارع اشتداد وطأة العقوبات

طهران تبيع بأسعار مخفضة في ظل غموض العقوبات الأميركية، وتجار يبرمون الصفقات نقدا بعملات غير الدولار أو على أساس المقايضة لتفادي الوقوع تحت طائلة العقوبات.
الخميس 2019/06/13
تحركات سرية للتمسك بشريان الحياة الأخير

أكدت مصادر إيرانية أن طهران وضعت كل رهاناتها على صادرات البتروكيماويات بعد فرض الولايات المتحدة حظرا شاملا على شريان صادرات النفط، لكنها تواجه اليوم خطر فقدان آخر نافذة للإيرادات مع امتداد قبضة العقوبات إلى تلك الصادرات.

لندن - كشف مسؤولان كبيران في الحكومة الإيرانية وأربعة مصادر مطلعة أن طهران تسابق الزمن لبيع أكبر كميات من المنتجات البتروكيماوية بأقل من أسعار السوق في دول من بينها البرازيل والصين والهند منذ فرض واشنطن عقوبات على صادراتها النفطية في نوفمبر الماضي.

وتبدو المسارعة لزيادة مبيعات البتروكيماويات مؤشرا على مدى نجاح إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خنق الموارد النفطية الإيرانية التي شهدت تراجعا أكبر مما حدث في فترة العقوبات السابقة عام 2012.

وتشير بيانات تتبع السفن المتاحة أيضا إلى زيادة في حجم الشحنات الشهرية منذ ذلك الوقت.

وقالت مصادر الصناعة الأربعة إنه رغم سريان العقوبات التي بدأت في نوفمبر على البتروكيماويات فثمة درجة من الغموض تكتنفها بسبب تعدد أنواع منتجاتها ومنها اليوريا والنشادر والميثانول، الأمر الذي سمح لإيران بمواصلة البيع.

لكن وزارة الخزانة الأميركية تحركت يوم الجمعة لتشديد القيود بمنع الشركات من إبرام أي تعاملات مع أكبر مجموعة إيرانية للبتروكيماويات وهي شركة الخليج الفارسي إضافة إلى 39 شركة تابعة لها ووكلاء مبيعاتها في الخارج بسبب ارتباطها بالحرس الثوري الإيراني.

15 بالمئة نسبة الحد الأدنى لخفض الأسعار الذي تقدمه إيران لجذب المشترين

وقالت وزارة الخزانة إنها تنوي تطبيق العقوبات الجديدة على البتروكيماويات بقوة، الأمر الذي قد يوجّه لطمة جديدة للاقتصاد الإيراني.

ومن الصعب تقدير دخل إيران عموما من البتروكيماويات، ثاني أكبر صناعات التصدير في البلاد بعد النفط والغاز، غير أن مسؤولين قالوا في فبراير إن الإيرادات غير النفطية تجاوزت الإيرادات من صادرات النفط.

وفي الأسبوع الجاري، قال أحمد سرامي عضو الاتحاد الإيراني لمصدري النفط والغاز والبتروكيماويات، إن طهران حصلت على 11 مليار دولار من صادرات البتروكيماويات في السنة المنتهية في مارس الماضي.

ويأتي مسعى زيادة مبيعات البتروكيماويات في وقت انخفضت فيه صادرات إيران النفطية إلى حوالي 400 ألف برميل يوميا في مايو، أي لأقل من نصف مستواها في أبريل هبوطا من 2.5 مليون برميل يوميا على الأقل في أبريل من العام الماضي وفقا لبيانات حركة الناقلات.

وفي بادرة على تغيّر الأوضاع التي تشهدها الصناعة، قال الزعيم الإيراني علي خامنئي في طهران في أبريل إن على إيران التحرك لبيع المنتجات النفطية مثل البتروكيماويات بدلا من النفط الخام.

وهوّنت السلطات الإيرانية التي لا تعترف بالعقوبات الأميركية من شأن القيود الأخيرة التي أُعلنت يوم الجمعة وتعهدت بمواصلة تصدير البتروكيماويات. ووصف سرامي الإجراءات الأميركية بأنها “حرب نفسية”.

وأكد متحدث باسم الشركة الوطنية للنفط في إيران زيادة الصادرات البتروكيماوية منذ نوفمبر لكنه امتنع عن التعليق على الجهات المشترية.

سوق البرازيل

وزارة الخزانة فرضت حظرا على شركات بتروكيماويات مرتبطة بالحرس الثوري
وزارة الخزانة فرضت حظرا على شركات بتروكيماويات مرتبطة بالحرس الثوري

ونسبت رويترز إلى مصادر مطلعة تأكيدها على أن إيران عمدت في الأسابيع الأخيرة إلى إرسال شحنات إلى البرازيل لاختبار سوق جديدة للبتروكيماويات الإيرانية.

وقال كارلوس ميلنث مدير شركة الكيماويات إليفا كيميكا المحدودة ومقرها جنوب البرازيل، إن الشركة تستورد اليوريا من إيران التي “تريد تنويع الوجهات وتتطلع إلى شريك برازيلي واعتقدنا أنها فرصة طيّبة”.

وأضاف أن الحكومة البرازيلية أبلغتنا بأن “العقوبات الأميركية تسري على النفط الخام وأنواع الوقود ولا تشمل المنتجات الثانوية مثل النشادر واليوريا. واستخرجنا كل الأوراق المطلوبة والتصاريح من الحكومة إذ لا يمكن قط أن نفعل شيئا عليه أي قيود”.

وتوضح بيانات تتبع حركة السفن أن السفينتين الإيرانيتين بواند وتمرة قامتا بتفريغ شحنات في ميناء إمبيتوبا بجنوب البرازيل بين شهري مارس وأبريل لحساب شركة إليفا كيميكا. وقالت المصادر التجارية إنه تم توجيه 230 ألف طن على الأقل من اليوريا للبرازيل في الأسابيع الأخيرة.

غير أن البيانات قد لا توضح الصورة كاملة لأن السفن يمكنها إيقاف عمل أجهزة التتبع كما أنه من الممكن تقييد استقبال إشارات التتبع في الموانئ بما في ذلك الموانئ الإيرانية.

وقالت المصادر إن طهران تبيع شحنات في الصين والهند وهما من الأسواق الراسخة كما أنها أرسلت شحنات برا إلى باكستان المجاورة. وأضافت أن إيران تعرض تخفيضات في حدود 15 بالمئة أقل من أسعار السوق وهو ما يجذب المشترين.

وأوضحت بيانات تتبع السفن أن عشر شحنات على الأقل من الميثانول أُرسلت إلى الصين من إيران منذ بداية العام. ولم تتضح الجهات المشترية لهذه الشحنات.

كما تم إرسال العديد من الشحنات إلى الهند هذا العام لمشترين مجهولين. وقامت سفينة واحدة بما لا يقل عن ست رحلات من إيران إلى الهند حاملة شحنات من النشادر وفقا لبيانات تتبع السفن ومصادر مطلعة. ويسهل كثيرا إخفاء بلد المنشأ للبتروكيماويات مقارنة بالنفط.

أسعار مخفضة

خنق الموارد النفطية الإيرانية
خنق الموارد النفطية الإيرانية

وتحظر العقوبات الأميركية منذ نوفمبر مشتريات البتروكيماويات الإيرانية، لكن وثيقة منفصلة أصدرتها وزارة الخزانة تقول إن “التعريف الشائع لإدارة معلومات الطاقة الأميركية لا يشمل الغاز الطبيعي والوقود الحيوي والميثانول وأنواع الوقود الأخرى غير البترولية”.

وترى مصادر الصناعة أن هذا قد يشير إلى تناقض في أنوع المنتجات البتروكيماوية المحظورة مثل الميثانول والمخصبات.

وقال بهزاد محمدي، نائب وزير النفط الإيراني لشؤون البتروكيماويات في مايو، إن التنوع الكبير في المنتجات البتروكيماوية والطلب العالمي الكبير عليها يجعلان من المتعذر فرض عقوبات على تلك الصناعة.

وفي ضوء الغموض الذي يكتنف تطبيق العقوبات قال تجار إيرانيون إنهم توخوا الحذر في إبرام الصفقات.

وقال تاجران إيرانيان إنهما أبرما صفقات بتروكيماويات باستخدام شركات واجهة في تركيا وفي دول أخرى مجاورة وامتنعا عن ذكر تفاصيل
أخرى.

وأكد أحد التاجرين أن الصفقات تُبرم نقدا بعملات غير الدولار أو على أساس المقايضة لتفادي الوقوع تحت طائلة عقوبات مالية أميركية منفصلة تحظر على الشركات الإيرانية التعامل من خلال النظام الدولاري العالمي.

وذكر التاجران أنهما استخدما اليورو في صفقات ورجحا أن يكون المشترون وسطاء يعيدون توزيع الشحنات لجهات أخرى.

وقال مسؤول كبير في الحكومة الإيرانية طلب عدم نشر اسمه لحساسية المسألة، إنه تمت زيادة الشحنات عبر تركيا منذ نوفمبر وإن ميناء إزمير منفذ مفضل لمرورها.

10