شريط الأخبار

السبت 2014/11/22

الشعور بالذنب، هو رد الفعل المباشر الذي يتملكنا فور مرورنا غير الآمن على شريط أخبار الصباح، وتصفح ملحقاته من صور ورسائل واستغاثات وعبرات ومشاهد فيديو صادمة.

ولأننا لم نرتق بعد في درجات السمو لنستحق أن نكون ضحايا محتملين للقتلة، أو أسماء مجهولة في قوائم المخطوفين والمهجرين والمعذبين والمشردين والجياع والمعدمين، فنحن مجبرون إذا على حمل سلة الذنوب هذه على أعناقنا ليل نهار لتـشاركنا ونـشاركها نوبات العمل المضني ووجبات الطعام الفاترة وأوقات الفراغ القصيرة، وهي ستتكفل بـتكبيل ساعات يـومنا إلى سلسلة من المنـغصات والآلام النـفسية المـبرحة.

فمن يقوى على أن يمرر أطراف أصابعه على سطح شريط الأخبار الحارق دون أن تلسعه نيرانها؟ ومن يصبر على مضغ لقمة الحياة اليومية البسيطة دون أن يتعثر بجثث القتلى ويستنشق رائحة الدماء؟ ومن يجرؤ على مواجهة المرآة دون أن يجد دموع الضحايا وهي تهطل بغزارة من مآقيه؟

البرنامج اليومي، شاي أخضر بنكهة التفاح دون سكر مع إضافة مشهد لعارضة أزياء بجلد دون عظم مثقلة بقطع قماش مستوحاة من العصور الوسطى، يعقبها نصف ساعة من التمارين اليومية الشاقة برعاية أحدث نشاطات كيم كارديشيان – نجمة تلفزيون الواقع- وسعيها المتواصل لاصطياد كاميرات المعجبين. هنالك، أيضا، بعض من أخبار النجوم الذين رحلوا إلى العالم الآخر أو الذين عادوا من رحلة علاج فاشلة.

ثم يأتي المساء وقبل أن يحين موعد الأرق اليومي، لا بأس من وجبة طعام صحية ساخنة خالية من الكوليسترول تجمع حولها صغارا وسيمين في مساء دافئ، بدلا عن تلبية دعوة عشاء باردة خالية من النكهة على خلفية طاولة غريبة في شارع ضبابي موصدة أبوابه على الزمهرير.

بعض من هذا وشيء من ذاك وأشياء كثيرة مضاف إليها رتوش ودهانات وزخارف من صندوق الذاكرة القريبة والبعيدة، مشاهد كثيرة تمر على العين المحايدة تقيم لساعتها فترحل، لكن شريط الأخبار الحارق يبقى راسخا في الواجهة حيث تتناثر على جنباته نتف الدماء والخراب والموت، تشبه تماما نتف الثلج النازلة على سطوح ديسمبر الغاضب، صادمة لزجة مزعجة ومشتتة للتركيز لكن، لا بد منها لتتمة طقس الشتاء الطويل.

فهل يكفي أن نميل بعجلات مركباتنا بعيدا عن الطرق غير السالكة ونزاحم المارة على رصيفهم لنتجنب حوادث الصدفة؟ هل يكفي أن نسدل الستائر على نوافذ غرف المعيشة ليل نهار لنستبدل مزاج الشتاء الداكن بربيع وورود وأغصان؟ هل يكفي أن نقاطع نشرات الأخبار وابتسامات القتلة ورسائل الأصدقاء القلقة عبر أثير الإنترنت؟ هل يكفي أن نتجاهل مهاتفات الأهل وانطباعاتهم المربكة اللاسلكية عبر الواتس – آب وأصواتهم المرتجفة بردا أو خوفا؟ هل يكفي أن نتظاهر بالرضا والأمان وعيون الوطن تنام على قلق وفجيعة؟ وهل يكفي أن نستسلم للنعاس ونهرب إلى أسرّتنا الوثيرة، دون أن نسقط في فخ الشعور بالذنب ونتجاهل مشاهد الصغار المرتعدين في شتاء الخيام؟

كيف لنا أن ننسى كل ذلك؟

21