شريط "حكايات حقيقية": تداخل السينمائي بالواقعي

الخميس 2014/05/29
فيلم نضال حسن تجسيد لوقائع سورية قبل الثورة وبعدها

باريس - بعد عدة عروض واستحقاقات في محافل وعواصم عربية وعالمية، عرض مؤخرا بمعهد الثقافات الإسلامية في العاصمة الفرنسية، واحد من الأفلام التي تعدّ من بين أول الأفلام التسجيلية الطويلة التي صنعت في زمن الثورة السورية “حكايات حقيقية عن الحب، الحياة، الموت.. وأحيانا الثورة”.

يوثق فيلم “قصص حقيقية عن الحب، الحياة، الموت.. وأحيانا الثورة” رحلة يتداخل فيها السينمائي بالواقعي، بل يتطابق معه. في أواخر عام 2010 قرر المخرج السوري الشاب نضال حسن صناعة فيلم تسجيلي تكون موضوعاته عن الجرائم المرتكبة في سوريا تحت بند “جرائم الشرف”.

اختار نضال شخصيتين نسائيتين ليروي قصتهما خلال فيلمه: جيهان امرأة كردية من كوباني (شمال سوريا)، تتعرض إلى شتى أنواع القهر اليومي، ابتداء من عنف زوجها، وصولا إلى عدم وجود حاضن اجتماعي وقانوني يحميها ويحفظ إنسانيتها في حال قررت الانفصال عن الزوج.

كحادثة رفض للواقع المعيش، وتمرّد موسوم بالهزيمة، قررت جيهان أن تلقي نفسها مع أطفالها الثلاثة بنهر الفرات في العشرين من مارس من عام 2009.

جيهان كانت فقدت الأمل كاملا بالواقع وشروطه فقدمت نفسها مع أطفالها قربانا، حدث برمزيته العالية يغدو أكثر إيلاما، فقد فعلت ذلك قبل يوم واحد من عيد النيروز. قد يكون النهر شهد مثل هذه الحكايا عبر تاريخه، أو كأنه أوحى لها بذلك، لتودع بفعلتها النهر سلسلة من العذابات والأسرار.

النهاية التي اختارتها جيهان على عكس نهاية بطلة الحكاية الثانية التي يعالجها الفيلم: هدى أبو عسلي، امرأة من الجنوب السوري، تزوجت زواجا قانونيا برجل من خارج طائفتها الدرزية وهربت معه، وثقت هدى بتطمينات أهلها وعرضهم عليها العودة إلى ديارهم، فعادت آمنة مطمئنة، لتقتل على يد أهل يحميهم “القانون”.

تشكل الحكايتان السابقتان مدخلا أساسيا للفيلم التسجيلي الذي كان قد تقرر البدء بتصويره في السادس عشر من مارس من عام 2011، إلا أن الواقع المشتعل سيفرض على صناع الفيلم معالجة جديدة لشريطهم السينمائي.

المعالجة الأخيرة التي أنتجها الواقع بشروطه الجديدة، هي لا تختلف كثيرا عن روح المادة الأساسية للفيلم الذي أخذ من ثيمة التمرد عنوانا أساسيا له.

إن الثورة التي كانت حدثا مفاجئا لصناع الفيلم، ومعتركا يتصل بما سبق، كذلك كان بالنسبة للصوت الأنثوي في الفيلم، بمعنى آخر، كان طغيان الصوت الأنثوي الشجاع داخل الفيلم بمثابة انتصار لقضايا وحقوق جيهان وهدى، وجسرا يربط بين الماضي والحاضر، بين زمن السكوت عن القهر وزمن نشد العدالة.

في معنى أن تقدم أم نفسها وأولادها قربانا لنهر الفرات يوما قبل الاحتفال بعيد النيروز

مكانيا، جالت عدسة الفيلم بين الشمال السوري (كوباني)، والجنوب السوري (السويداء). الانتقال البصري بين الحكايتين الأساسيتين، قدم شخصيات وشهود على الجريمتين اللتين وقعتا من قبل.

في الشمال، جسر كبير على نهر الفرات، وكلب يشرب الماء وينبح. وفي الجنوب، عجوز وزوجته يتحدثان بود وحب، يفيض الكادر بطيبتهما، إلا أنهما ينتميان إلى واقع يسكت عن الجريمة، ويبرر لها؛ ذلك، وإن علا صوت المرأة العجوز أمام الكاميرا: “فقط رجال الطائفة الدرزية تزوجوا بنساء أجنبيات في فنزويلا، أما النساء فلا”.

بعد هاتين الزيارتين لطاقم الفيلم لموطني الحكايتين الأساسيتين، يعود الخط الثاني ليتوازى مع الخط الأساسي في الفيلم، بل وليطغى عليه.

حيث سيغيب الهامش تدريجيا لصالح المركز (دمشق)، وليرصد الفيلم بعدها بعضا من حكايا وآراء الناشطات والحقوقيات. كما يقدم لحظات من استقبال الأصدقاء لأخبار اعتقال رفيقاتهن، مصورا شجاعتهن أيضا في لحظات جريئة (لحظة خروجهن من المعتقل ولحظات المظاهرات الجريئة في قلب العاصمة). ينتهي المطاف بكاميرا الفيلم في غرفة نضال في حي القزازين الدمشقي، ليقدم بعضا من آراء واشتغالات الفنانة هبة الأنصاري، بصورة فنية مكثفة.

تحضر أعمالها كرموز من صلب الفيلم، الأعمال التي استلمتها الأنصاري من الراهن ومآسيه؛ كعملها الفني الذي تجهزه حيث تضع فساتين عرس بيضاء داخل التوابيت، وعمل آخر يظهر طفلا داميا داخل زنزانة حديدية معتمة.

ابتعد الفيلم في قسمه الثاني عن تصوير البنى الأهلية المغلقة التي شكلت عصب الثورة السورية، والتي تنتمي لها حكايتا جيهان وهدى، فغيب الهامش لصالح المركز، لكنه كان ولا يزال يشكل وثيقة بصرية ترصد شرائح الناشطين والحقوقيات خلال السنة الأولى من الثورة السورية في قلب دمشق.

16