شريعة الانفصال

الثلاثاء 2013/09/24

غالبا ما يحبّ المسلم العربي أن يقسم بالطلاق، وهو لا يتورّع أن يقسم بالطلاق بالثلاث لتأكيد كل شاردة أو واردة أو خاطرة، فينطق بكلمة: عليّ بالطلاق! الطلاق عنده مجرّد مزاج، لكنّه أيضا مزاج عام ينمّ عن نزوع ثقافي عميق عند الإنسان العربي المسلم، وأحيانا فهو ينمّ عن نزعة لتدمير عش الزوجية لمجرّد العناد الكلامي: أنتِ عليّ كظهر أمي! حتى القرآن احتار في هذه العبارة، ولم يغير من المزاج العام إلاّ قليلا. لكن -وهذا ما يهمّنا الآن- أنّ لعقلية الطلاق تجليات في السياسة والثقافة والاقتصاد، أشدّها وضوحا وجلاء: المطالبة بالانفصال.

ليس مستغربا أن يكون أنصار الشريعة اليوم هم أنصار الانفصال في كل مكان يحلون به ولو كان صحراء خلاء. تراهم لأدنى مثير يطالبون بأبغض الحلال عند الله: الانفصال!

لكن، من الغريب أنّهم لم يستوعبوا الدّرس الهندي: فإنّ الإسلام الذي باسمه انفصلت باكستان عن الهند لم يحل دون انفصال باكستان الشّرقية عن باكستان المسلمة تحت مسمّى دولة بنغلاديش. قد نسمع نفس الأسطوانة: المشكلة ليست في الإسلام لكنها في المسلمين. أقول، نعم وألف نعم المشكلة ليست في الإسلام! لكن، أليس الإكثار من الأقوال دليلا على قصور في الأفعال؟

ومثلما أن الثرثرة حول "آداب النكاح" لا تعني استقرارا عاطفيا أو حياة جنسية سعيدة، فكذلك الثرثرة حول رحمة الإسلام لا تحجب المزاج الانفصالي باسم إمارة إسلامية ميكروسكوبية تارة أو باسم الفرقة الناجية من النار تارة ثانية، سواء أكان انفصالا عن مجتمعات مسلمة أم انفصالا عن مجتمعات غير مسلمة أم انفصالا عن بيت الزوجية، لا فرق.

من غرائب الدّهر أيضا أنهم لا يطالبون بالانفصال فقط حين يعيشون في مناطق غنية كما جرى في انفصال كوسوفو عن صربيا، وإنما يطالبون بالانفصال حتى حين يعيشون في مناطق جرداء لا زرع فيها ولا ضرع، والأدهى أنهم قد يطالبون بالانفصال عن مناطق غنية بموارد الخير الوفير كما يحدث الآن في نيجيريا، هناك حيث تقود جماعة بوكو حرام حربا شعواء من أجل انفصال الشمال الفقير إلى رحمة السماء عن الجنوب الغني بالنفط والثروات المعدنية وبغزارة الأمطار أيضا.

تلك هي دار الإسلام اليوم، طلاق بائن بين المذاهب والأديان، طلاق بالثلاث بين أجزاء الأوطان، طلاق أو شقاق أو هجران بين الإنسان وأخيه الإنسان. فلا يسعنا أخيرا إلا أن نطلب الرحمة والمغفرة لمزاج عاجز عن العيش مع الآخر، عن العيش مع الذات، وعن العيش أصلا! الرحمة..

24