شريف إسماعيل رئيس حكومة مهماته الصعبة تقوده إلى حقل الصبّار

الأحد 2015/09/27
رئيس حكومة بين الطموحات والاتهامات

"مقاتل بدرجة وزير" هكذا وصفه محمد فودة المحبوس الآن على ذمة قضية رشوة وزارة الزراعة، عندما كان المهندس شريف إسماعيل على رأس وزارة البترول والثروة المعدنية، وكأنّ المقالة بمثابة عربون محبة للوزير الذي لَبَّى نداءات ابن الدائرة وزارها وافتتح عدة مشروعات هناك. وما إن كلّفه الرئيس السيسي في الـ12 من سبتمبر 2015 بتشكيل الحكومة خلفًا لحكومة المهندس إبراهيم محلب الثانية التي قدمت استقالتها لأسباب لم يُحدِّدها أحد، فجاءت جميعها أشبه باجتهادات، حتى كانت هذه العبارة التي تصدّرت مقالة كتبها محمد فودة عن المهندس شريف إسماعيل وزير البترول آنذاك، بمثابة الشوكة التي أخذت تُنَغِّصُ على رئيس الحكومة الجديد فرحته بالمنصب.

تحديات البراءة

وبالفعل خرجت الأقلام تحاسبه، مُبْرِزَةً صُورًا جمعته مع فودة في مناسبات مُتفرِّقة؛ وهو ما جعله يخرج في بيان صحفي ليبرئ ساحته. الغريب أنّ رئيس الحكومة المستقيلة المهندس إبراهيم محلب، ورئيس الوزراء الجديد، قَدِمَا معًا مع حكومة الدكتور حازم الببلاوي التي تشكّلت عقب ثورة 30 يونيو، في 16 يوليو 2013، أثناء تولي الرئيس عدلي منصور الرئاسة لفترة انتقالية.

تبدّل كثيرون منذ التشكيل الأوّل لحكومة الببلاوي، إلى حكومة محلب الأولى والثانية، وبقي شريف ومحلب معًا، حتى تبادلا المواقع أخيرًا، في عملية تكشف نهج البيروقراطية المصرية منذ حكومة نوبار باشا عام 1878، التي ترى أن التكنوقراط هم الأقدر على تولي الحكومات، باستثناءات قليلة حدثت أيام النظام الملكي حيث أُسند تشكيل الحكومة لرؤساء الأحزاب الفائزة في البرلمان، أو المرات القليلة التي تولَّى فيها الرؤساء الحكومات بأنفسهم، وهي مرات قليلة وقصيرة، كما حدث مع محمد نجيب، وجمال عبدالناصر، والسادات، وأيضًا مبارك.

أزمات متلاحقة مُنيت بها حكومة إبراهيم محلب خاصّة الحكومة الثانية له، وهي أوّل حكومة في عهد السيسي، رغم إشرافها على المؤتمر الاقتصادي، وما حقّقه من نجاحٍ لمسته القيادة السياسية، فقدّمت له التحية على الملأ في نهاية المؤتمر الاقتصادي، ثم إنجاز مشروع قناة السويس الذي تم في عهدها، إلا أن أزمات داخلية في إدارة بعض الوزارات عرّضت حكومة محلب للاهتزاز من قبل الشّارع، وعصفت بها قبل تحقيق الاستحقاق الثالث (الانتخابات النيابية) الذي كانت تُجهّز له عمّا قريب، وهو ما طرح لدى المتابعين إمكانية تطعيم الحكومة بوزراء جُدد يُعيدون لها ثقتها في الشارع، لكن كانت المفاجأة وهي إسناد تشكيل الحكومة لشخص آخر غير المهندس محلب الذي وصفه الرئيس أكثر من مرّة بالبلدوزر، وما إن حدث الإعفاء حتى تصاعدت أسهم الشخصيات التي ستخلف محلب في رئاسة الوزارة، مثل اسم الفريق مُهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس، ومُنفِّذ مشروع القناة الجديدة، وأيضًا تصاعد اسم وزير الاستثمار أشرف سالمان، وكذلك محافظ البنك المركزي هشام رامز.

الأعجب أن اسم المهندس شريف إسماعيل لم يكن مطروحًا بين هذه الأسماء، وما إن خرج كتاب التكليف حتى شكّل الاسم مفاجأة للبعض وصدمة للكثيرين.

أزمات متلاحقة تعصف بحكومة إبراهيم محلب خاصة الحكومة الثانية له، وهي أول حكومة في عهد السيسي، رغم إشرافها على المؤتمر الاقتصادي، ثم إنجاز مشروع قناة السويس الذي تم في عهده، لتكون المفاجأة إسناد تشكيل الحكومة لشخص آخر غير المهندس محلب الذي وصفه الرئيس أكثر من مرة بالبلدوزر

سيرة المهندس شريف إسماعيل محمد إسماعيل المولود في العام 1955، والحاصل على بكالوريوس هندسة ميكانيكا قوى عام 1978 من جامعة عين شمس بتقدير جيد جداً، بعد ثورة يناير لم تمر كما كان سابقًا، فما إن تضع اسمه على محرك البحث الشهير غوغل، حتى تظهر عناوين كلها تدين الرجل وتجعل بينه وبين شباب الثورة حجابًا غليظًا، خاصّة بعد ورود اسمه في شهادة تبرئة الرئيس السابق مبارك وصديقه حسين سالم المسؤول عن تصدير الغاز لإسرائيل بأسعار تُداني الأسعار العالميّة، حيث كان المهندس شريف وقتها يعمل على درجة وكيل وزارة البترول التي يرأسها سامح فهمي.

ولان اسمه ورد كشاهد في القضية، فقد استدعت المحكمة شريف إسماعيل للشهادة بحكم منصبه، وبالفعل مَثُلَ أمام المحكمة، وكان لشهادته الأثر الكبير في تغيير مسار القضية، التي أثناء نظرها أمام المحاكم طلب رجل الأعمال حسين سالم أن يتنازل عن نصف ثروته في مصر في مقابل تسوية قضائية للقضايا التي يُحاكم فيها، ولكن بعد شهادة شريف التي جاءت لصالح الخصوم في القضية حيث قال في شهادته كما دُوّن في أوراق القضية «إنه لا يوجد عيب في إجراءات التعاقد، وإن عناصر العقد تتطابق مع عناصر العقود المماثلة، ولا يوجد عيب أصاب إجراءات التعاقد». وبناءً على هذه الشهادة علّلت المحكمة في حيثياتها «إنّما استقرّ في ضميرها من براءة المتهمين يؤكّده ما شهد به المهندس شريف إسماعيل، أنه لا يوجد عيب في إجراءات التعاقد، وأن عناصر العقد تتطابق مع عناصر العقود المماثلة»، وهو ما دَفَعَ هيئة المحكمة لتنطق بحكمها ببراءة المتهمين مما نُسب إليهم، الأمر الذي أثلج صدور جميع المتهمين، وفي المقابل نزل صهدًا على قلوب وصدور مَن كانوا ينتظرون حكمًا يشفي غليلهم ممن نهب قوت أبنائهم. وكانت هذه النقطة وحدها، تجعل من اسم شريف إسماعيل غير مرغوب فيه من قبل قطاع عريض الذي مازال يعيش على أمل أن ثورة حدثت وسوف تستعيد مسارها، وتحقّق أهدافها.

اجتهادات وانتقادات

منذ تخرجه في الجامعة، بدأ العمل كمهندس في البحث والاستكشاف بشركة موبيل حتى عام1979، وبعدها عمل في شركة إنبي حتى عام 2000، حتى وصل إلى منصب مدير عام الشؤون الفنية، وعضو مجلس الإدارة، ثم عمل وكيلا لوزارة البترول لمتابعة شؤون وعمليات البترول والغاز منذ عام 2000 وحتى 2005.

في عهده أعلنت الشركة الإيطالية “إيني” اكتشاف حقل شروق للغاز الطبيعي أمام السواحل المصرية في البحر المتوسط، وهو ما أصاب الأوساط الاقتصادية الإسرائيلية بصدمة كبيرة، فخرجت صحيفة “هآرتس″ الإسرائيلية في تقرير لها تُعلن فيه أن هذا الاكتشاف سيؤدي إلى تقويض فرص تنمية حقل “ليفياثان” للغاز الطبيعي في إسرائيل، لأنه كان قائمًا بالفعل على تسويق إنتاجه إلى مصر بوصفها مُستهلكا كبيرا للغاز الطبيعي. وقد استقبل المصريون قيادة وشعبا خبر الاكتشاف بحبور، وذهب البعض إلى أن الاكتشاف كان سببا لتزكيته لتولي رئاسة الحكومة لأنه فرَّح الرئاسة بهذا الاكتشاف، خاصّة وأن حقل الغاز المصري يحتوي على احتياطي من الغاز الطبيعي يصل إلى 30 تريليون قدم مكعب، مما يجعله يتفوق على الاحتياطي الموجود في حقل “ليفياثان” والذي يُقدّر بـ18 تريليون قدم مكعب. واعتبر وزير الطاقة الإسرائيلي “يوفال شتاينتس″ وفقًا لما نشرته جريدة الوفد المصرية بتاريخ 13 أغسطس بأن «اكتشاف حقل شروق للغاز الطبيعي في مصر” بأنه “جرس إنذار” لإسرائيل.

نهج البيروقراطية المصرية يستمر منذ حكومة نوبار باشا عام 1878، وهي ترى أن التكنوقراط هم الأقدر على تولي الحكومات، باستثناءات قليلة حدثت أيام النظام الملكي حيث أسند تشكيل الحكومة لرؤساء الأحزاب الفائزة في البرلمان، أو المرات القليلة التي تولَّى فيها الرؤساء الحكومات بأنفسهم، كما حدث مع محمد نجيب، وجمال عبدالناصر، والسادات، وأيضا مبارك

ومع هذه النجاعات وما أعقبها من فرحةٍ كبيرةٍ أدخلها على قلوب المصريين والتي تلت افتتاح مشروع قناة السويس في السَّادس من أغسطس المنصرم، وكأنّه امتداد لهشتاج «مصر بتفرح» الذي دشّنه المصريون مع حفل افتتاح القناة الجديدة، إلا أنّهم تناسوا له هذا، ولم يتذكروا إلا اسمه في مقالة محمد فودة الأولى «مقاتل بدرجة وزير» واللافت أنها كانت المقالة الأخيرة في سلسلة مقالات فودة التي بدأها منذ تولّي الرجل الوزارة في 2013.

وهو ما كان تمهيدًا لسيل من الانتقادات توجّهت سهامها صوب رئيس الحكومة الجديد، فاتّهمه المستشار مرتضى منصور رئيس نادي الزمالك، في حلقة من برنامج “الحقيقة” لوائل الأبراشي، بالتّستر على فساد في وزارة البترول، متهمًا إياه بأنه عيّن زوجته في شركة إنبي للخدمات البترولية، والتي قامت هي الأخرى بتعيين أقاربها، بالمخالفة للقانون مُستغلة نفوذ زوجها، وهي الاتّهامات التي نفاها بيان رئيس الحكومة وفق ما نشرت جريدة الشروق المصرية حيث قال «إن زوجته تعمل من قبل» وعن فودة قال «إنه لا تربطه بفودة أيّ علاقة”.

لكن أغرب هذه الانتقادات جاءت من الإعلامي توفيق عكاشة صاحب «قناة الفراعين»، فقد أبدى استغرابه من ثقة القيادة السياسية في المهندس شريف إسماعيل، مؤكِّدًا على أن «ثمة علاقة تجمع بين رئيس الوزراء المكلَّف وجماعة الإخوان المسلمين، مُستدِّلاً بدليليْن؛ أولهما أنّ الرّجل دائمًا يُطلق لحيته، وثانيهما، أنّه يوم إعلان الفائز بانتخابات الرئاسة التي جرت في صيف 2012 وفاز بها مرشح جماعة الإخوان، «سَجَدَ شكرًا لله» بتعبير عكاشة.

حكومة الثمانين يوما

منذ أداء اليمين الدستورية وحتى الانتخابات البرلمانية مدة تتجاوز الشهرين قليلاً، وهو ما يشير إلى صعوبة المهمة الملقاة على عاتق رئيس الحكومة الجديد، وهو نفسه مُدرك لذلك فكان أوّل تصريح له بعد اجتماع الحكومة مع الرئيس أن المرحلة الحالية “صعبة وربنا يقدّرنا عليها”، مشيرًا إلى أن هناك استحقاقًا دستوريًا وهو الانتخابات، وسيتم العمل بكلِّ شفافيةٍ ونزاهة وهو جزءٌ أساسيّ من التكليف. كما أضاف أن أولويات الحكومة هي التركيز على المشروعات الكبرى.

وإلى جانب التكليفات من القيادات هناك ملفات مفتوحة، أهما سد النهضة، وتحقيق الاستقرار الأمني والاقتصادي، خاصة بعد حادثة الواحات، وتأثيرها على السياحة، وهو ما يستوجب جهدًا خرافيًّا لإعادة حركة السياحة التي شهدت فترة كساد ولم تسترد عافيتها إلا قليلاً، حتى جاءت هذه الحادثة لتَنْتَكِس من جديد، ومنها الملف الاقتصادي المُتخم، وهو ما يُبرِّر بقاء معظم أعضاء المجموعة الاقتصادية دون أن يشملهم التغيير الأخير، حتى تنتهي من الملفات والتعاقدات المبرمة مع أطرف خارجية عدة، يعوّل عليها في دعم الاقتصاد.

الملفات كثيرة وثقيلة، وهو يعترف بأنه «ليس لديه حلول سحرية». فهل الحكومة الجديدة لديها القدرة على تحقيق مطالب وآمال القيادة السياسية كما جاء في خطاب التكليف، أم ستقع فريسة للمطالب الفئوية، والتصريحات البرّاقة دون أن تُنجز على الأرض أيًّا مما كُلفت به؟

7