شريف الشافعي شاعر على بساط صوفي

السبت 2014/02/01
نص الشافعي يتسم بالتقشف الاستعاري، تمارس فيه الذات عزلتها

القاهرة - في ديوان “كأنه قمري يحاصرني”، للشاعر المصري شريف الشافعي، الصادر عن دار “الغاوون – بيروت”، تبدو الذات الشاعرة في حالة حصار متواصلة تحاول خلالها التملص من كواليس العالم الحائرة والمشتتة، فالقمر الذي يشير إليه النص قد يبدو منطفئا في لحظات تمامه، وفي لحظات ضعفه وخسوفه يواصل محاصرته للذات الشاعرة التي تحاول استنطاق مفردات العالم المحيط بها.

في عتبة هذا النص، يبدو شريف الشافعي متحفزا لاختراع حيزه الشعري الخاص. فالمفارقة الشعرية لا تتأتى من لفظية المفردات فقط بل من دلالتها أيضا، وبالتالي يصبح الكذب هو الصادق الوحيد في بداية الصباح على الرغم من أنه لم ينطق بكلمة واحدة.


مفردات سلعية


تحاول الذات خلال مقاطع عدة أن تبدي موقفها الغرائبي من نبرة الصوت المرتفع والتنازع على أشياء منتهية، فالأشياء المعطلة لم تعدْ تستحق الاهتمام ومع ذلك تستمر حالة التنازع والتخاصم عليها. لا تنتهي فضفضة الذات عند هذه المرحلة لكنها تواصل استنكارها للواقع المحيط بكل ما يتصل به من منظومات افتراضية وأشخاص عبثيين.

يبدو أن علاقة الشافعي بالمفردات السلعيّة لا تنتهي عند حدّ الاستلاب والخدميّة، بل إنه يحاول مرارا وتكرارا أن يستنطقها بما لا تعرفه، ومن هنا تصبح المادة المقموعة في الذاكرة الاستعمالية منتصرة في غير موضعها؛ فالسكين الذي يتخذ دائما دور الجاني قد يصبح المجني عليه عندما تغيب عدالة المنطق. من هنا تتعدد أوجه الحقيقة التي تظل غائبة في العالم وبالتالي داخل النص الذي يعدّ نواة مصغرة للعالم. وتواصل الذات هندسة تلك الفضفضة التي تبثها من مقطع إلى آخر ممّا يوحي بالعزلة والانسحاب التدريجي من العالم القائم.


روح ابن عربي


تتجلى النزعة الصوفية في عدة مواضع داخل النص؛ حيث علاقة الذات بالمفردات الكونية، ومدى تداخل كل منهما مع الآخر في إطار هندسي منتظم يظل السؤال جوهره الأساس. فروح ابن عربي تبدو ظاهرة في محاولة اكتشاف ماهية الأشياء وشريعتها، لذلك نجد أن هناك تبادلا للأدوار والأقنعة بين أقطاب الكون الثلاثة (الأرض، الشمس، القمر) فالأرض في حالة تساؤل وألم من كسوف الشمس الذي يبدو وكأنه يؤثر سلبا على الذات الشاعرة، ثم تواصل الأرض تبادل الأقنعة مع القمر، لكن هذه المرة في استفهام حول ماهيته ولماذا يواصل التنكر والتخفي، وما تلبث هذه الأسئلة المقموعة أن تنهار عندما يتحد كل من الشمس والقمر ضدّ الأرض ويصبح السؤال صفعة مفاجئة واستنكارا.

المفارقة الشعرية لا تتأتى من لفظية المفردات فقط بل من دلالتها أيضا، وبالتالي يصبح الكذب هو الصادق الوحيد

تتجلى روح ابن عربي بقوة وبالتحديد في كتابه “فصوص الحكم” الذي يبحث في جوهر الأشياء والحكم من ورائها. إن هذه النزعة الصوفية بالنص تتمحور حول آلية الرجوع إلى الطبيعة والتماهي مع ما يمكن اصطلاحه بعناصرها الأولية التي تظل نقية وشفافة بعيدة عن كل شوائب الحياة التي يمكن أن تعلق بها “التحيات للعناصر المشعة بذاتها/ لا لفوانيس راضعة من كهرباء”.


الذات الشاعرة


الأيقونات الصغيرة هي الأكثر ألقا في حياتنا، لا تقدر هذه الأيقونات بضآلة حجمها بل بما توفره من حيّز أمن ومقدار ما تسربه من أقساط طمأنينة للآخرين. الشمعة التي تحترق وتتحول من سياقها الفيزيقي إلى سياقها الحسي كأن تعبّر الذات عن حفاوتها بشمعة صغيرة. تنزح الذات الشاعرة نحو مناطق أكثر خصوبة بالنص، حيث تتماهى الألوان ويعطي كل لون مفرد مدلوله الخاص. ولأن هذا النص يتجاوز المجاز المعهود فإن اللون الأبيض المعروف على مستوى الذاكرة الجمعية بكونه سيد الألوان، ونتاج جماع العناصر الأولية على المستوى الفيزيقي، يتحوّل في النهاية إلى لون مجازي يعاكس طبيعته وصيرورته. وربما هذا المقطع يؤكد على رؤية الذات في تحوّل المواد من صورتها النقية إلى إلكترونية مركبّة بفعل الانسحاق الزمكاني.

يبدو أن مقاطع النص تتكئ على المفارقة الشعرية سواء على المستوى الخطابي أوالبنائي في محاولة لإظهار كمّ التناقض والتوتر الذي أصاب العالم المحيط، ومن هنا تتلبس الذات بصورة متصلة رداء الدهشة والمفاجأة، والمشكلة ليست بماهية الأشياء بقدر ما تتعلق بالفراغ الذي يلتف حولها طوال الوقت.

هذه الصورة الرمادية السابقة تقتنص أعلى نقطة في المنحني الشعري لهذا النص، فالاضطراب والتناقض الذي يكتنف الذات يبرز بقوة من خلال النقيضين: النور والظلام. السخرية داخل هذا النص لا تتأتى بصورة مألوفة بل أقرب إلى السخرية المكلومة.

إنها محاولة لاختبار الذات وقراراتها المتعجلة. كأنها تحاول أن تختبر هذه القرارات المتعجلة على امتداد النصّ، ويبدو أنها كلما تقدمت خطوة إلى الأمام، وزعت أختها بالتساوي على الخلف. اقتصاد وتكثيف في الألفاظ المستخدمة للتأكيد على جوهر الفكرة أكثر من الزخرفة الشعرية والإطارات المزيّنة.


ألغام الأنثى


علاقة مضطربة على طول النص تربط الذات بالأنثى متعدّدة الأوجه. لا يفصح النص عن كينونة الأنثى بقدر ما يفصح عن بعدها الدلالي، فهي متعدّدة الصور والأوجه، قد تختزل في شفاه تحاول الإبصار، زهرة رمان ملغومة بأنوثتها، موجة تتجاوز سطح البحر، أو عنب يقطر خمرا.

في أحد المقاطع يختزل شريف الشافعي القالب الأنثوي في شفاه مغمضة تتطلع لأن تبصر رحيق الكلمات على الشفةِ الأخرى، وهذه الإيروتيكية المسرّبة أقرب إلى التلقائية من التداعي؛ حيث تختصر الصور الشعرية في حاستي التذوق واللمس. محاولة إزاحة نقطة من بعدها الفيزيقي إلى بعدها الميتافيزيقي.

من القرارات المتعجلة إلى الجريمة المشتركة وعدم التبرير، فكل الأشياء التي تكون في بعدها المادي جزء من مكوّن الجريمة وتكون بالأحرى من المشاركين فيها، فإذا حاولت أن تقذف عصفورا بحجر صغير فإن الجريمة لا تلتصق بيدك فقط بل الحجر المصمت. تنتفي الغنائية الشعرية في المناطق التي تطرح فيها الذات الشاعرة أسئلتها بصيغتها الإنشائية، إنه التماس ربما بين (الذات/الراوي/ الأنثى)، حيث كل عنصر من الثالوث السابق يقف عند حافة الآخر. تستقطب الذات شكلا آخر للعلاقة مع الأنثى، أقرب ما تكون إلى نمطية الهدم والبناء، لكنها هذه المرة تعيد ترتيب البداية والنهاية بعد أن تستند إلى بعض مظاهر الطبيعة. يبدو العالم في مرحلة خلخلة انتقالية داخل النص، لا يوجد مطلق أو ثابت، يوجد فقط أناس في بعدهم الأنثروبولوجي والسوسيولوجي، يتوزعون ما بين حكام ومحكومين لا يربط بينهم سوى الانتفاءة- الضباب.

إذن نص شريف الشافعي، هو نص يتسم بالتقشف الاستعاري، تمارس فيه الذات عزلتها وانفرادها، وهذه العزلة تكون مصحوبة بالالتباس، وبالتالي يمكن القول عن التساؤل والاغتراب الداخلي إنهما محاولة لإعادة الاتزان إلى الذات من جديد.

17