شريف الشوباشي مثقف مصري حارب العقل العربي وسيبويه والحجاب معا

الأحد 2015/05/17
الشوباشي حامل لواء إسقاط الخوف

ما بين مظاهرة خلع الحجاب (في الأصل خلع البرقع) عام 1919 ومظاهرات خلع مبارك عام 2011، مرّت أعوام كثيرة لكن ظلّ ميدان التحرير هو الرابط بين الحادثتيْن مع اختلاف المُسمّيات وأيضًا المناسبات التي شهدها.

كانت البداية في عام 1919 عندما توجّهتْ نساء مصر خلف السّيدة صفية زغلول وبصحبة هدى شعراوي إلى ميدان الإسماعيلية (التحرير الآن) أمام ثكنات الإنكليز؛ للمطالبة بجلاء المُستعمِر عن مصرَ، وبينما النِّساء يهتُفن، ومع تزايد الهُتافات دون سابق اتفاق خلعنَ برقع الوجه وألقين به على الأرض ثمّ أشعلن فيه النار، ومن هذه الحادثة اكتسب الميدان اسمه الجديد، الذي حوى معنى أعمق من التحرّر من الحجاب أو حتى البرقع، إلى التحرّر من الاستعمار والظلم والاستبداد وغيرها من مترادفات.

المصريات والحجاب

ولا توجد رواية واحدة للتأريخ لمناسبة خلع الحجاب، وإن كان ثمّة خلطٌ بينه وبين البرقع (غطاء الوجه)، فهناك رواية أخرى تقول إنّ سعد زغلول بعد قيام ثورة 1919 اشترط على السيدات اللواتي يحضرن لسماع خطبه أن يزحن النقاب عمّا سمح الله به من وجوههنّ، حسب رواية محمد إسماعيل المقدِّم في كتابه «عودة الحجاب»، وهناك مَن يذهب إلى عام 1894، وكتاب المحامي مرقص فهمي «المرأة في الشرق» الذي حَمَلَ دعوة صريحة لسفور المرأة وتقييد الطلاق ومنع تعدُّد الزوجات وغيرها من أمور هيّجت الرأي العام آنذاك، ثمّ أعقبها صدور كتاب الدوق داركير بعنوان «المصريون» وقد حمل فيه على نساء مصر، ونال من الحجاب، كما هاجم المثقفين لسكوتهم وعدم تمردهم على الأوضاع.

بعد أربعة أعوام، أي في عام 2019، تحلّ الذكرى الـ100 على أوّل مظاهرة غير مدبرة أو مخطط لها خلع فيها البرقع في ميدان التحرير، لكن قبل موعدها يعلن شريف الشوباشي واقفا وحاضرا بلا مناسبة، وداعيا لتوجه النساء إلى المكان ذاته، ليخلعن الحجاب.

الفارق بين الدعوتيْن أنّ الأولى كانتْ ذاتية مِن قبل النِّساء أنفسهنّ، وكانت مطالبتهنّ بحقِّ توافق مع ما تَلَقَّيْنه مِن ثقافةٍ وتعليمٍ، وفَعَلن ما فعلن دون توجيه مِن أحدٍ، أما في الحالة الثانية فكانتِ الدَّعوة مِن قبل آخر أشبه بمحرِّض، وهو ما لاقى استهجانًا وَحُنقًا شديديْن على شخصه.

معركة الشوباشي

دعوة شريف الشوباشي في هذا التوقيت والتي أعقبها سِجَالٌ مجتمعي ذهب بدفة الأحداث إلى جهة أخرى، بعيدة عمّا تعيشه مصر من مخاضٍ عسيرٍ وظروف إقليمية مُتشابكة ومعقدة، وهو ما أثبتَ الشكوك التي ساورتِ البعض بأنّها جاءت للتغطية وللتشويش على أمور أخرى، خاصّة بعد أن تزامنت الدّعوة مع حالة الصّخب التي افتعلها أسامة البحيري في برنامجه عن التراث والصحابة وعلماء المسلمين. وكلتا الدعوتيْن الشوباشي بخلع الحجاب والبحيري بتجديد الخطاب الديني على طريقته، حركتا السّاكن وشغلتا الناس بالمناظرات التي أُجريت بين الطرفيْن.

بعد أربعة أعوام، أي في عام 2019، تحل الذكرى الـ100 على أوّل مظاهرة غير مدبرة أو مخطط لها خلع فيها البرقع في ميدان التحرير، لكن قبل موعدها يعلن شريف الشوباشي دعوته النساء إلى المكان ذاته، ليخلعن الحجاب

لم تكن التدوينة الأخيرة للشوباشي بخلع الحجاب هي بداية معركته مع الحجاب، ففي 6 يونيو 2006 نَشَرَ الشوباشي مقالة في الأهرام بعنوان “معركة الحجاب” جاء فيها «لو اتّفقنا على أنّ ارتداء الحجاب هو حرية شخصية فإن الممارسات التي تحيط بهذا الموضوع أصبحت تَنفي عنه صفة الحرية‏، وصفة الشخصية معًا‏.‏ فهناك مَناخٌ يُسيطرُ على الشّارع والجامعات وأماكن العمل يربطُ بين ارتداء الحجابِ والفضيلة‏، بمعنى أنّ مَن لا ترتدي الحجاب مشكوكٌ في أخلاقياتها وسلوكياتها‏». وفي المقالة ذاتها شنَّ هجومًا على الدّاعية عمرو خالد دون أن يُصرِّح باسمه مندِّدًا بتحريضه للفتيات على ارتداء الحجاب، كما استنكر أيضًا حجاب الفنانة حنان الترك التي كما يقول «كانتْ مُتَوَهِجَّةً وَوَاعِدَةً في عالم السينما‏» ومع احترامه لقرارها، إلا أنّه لا يُخفي اندهاشه ممّا فعلتْ.

ينتهي الشوباشي إلى أنَّ ارتداء النِّساء للحجاب يَرجِعُ لسببيْن: الأول يعودُ إلى «عُقدة المرأة في المجتمع العربيّ»، أمّا السبب الثاني وهو الأخطر فمردّه «تيارات تُسخِّر الدين لأهداف سياسيّة، وتستغلُ هذه الجماعات موضوع انتشار الحجاب للإيهام بأنّها تسيطر على عقول الناس وعلى المجتمع أكثر مِن الحكومة‏،‏ بكلِّ ما تملك هذه الأخيرة مِن آلة إعلاميّة ووسائط ثقافيّة‏» في تلميحٍ صريحٍ إلى جماعة الإخوان المسلمين، التي انتقدَ وصول مُمثِّلها إلى السُّلطة، بل أشاد بما فعله السيسي في 30 يونيو لأنّه على حد قوله «أنقذَ مصر من الفاشية الإخوانية لصالح الدولة المدنية الديمقراطية التي اختارها الشعب المصري في 30 يونيو» ومع هذا فيرى «أن مصر لا يوجد بها رجال سياسة وإنما رجالُ سلطة».

يسقط سيبويه

دائمًا في جميع دعوات السقوط يكون اسم شريف الشوباشي حاضرًا، فهو صاحب دعوة «يسقط سيبويه»، فقبل أعوام وتحديدًا في عام 2004 نشر كتابه الذي أثار جدلاً بعنوان «لتحيا اللغة العربية، يسقط سيبويه»، وقد دعا في هذا الكتاب إلى أفكار رأى البعض أنَّها وَجيهةٌ لكنه استخدم السُّمَّ في العسل بهذا العنوان المثير؛ حيث أثار بعض القضايا الخاصّة بالعقلية العربيّة وهي بالفعل تحتاجُ إلى إعادة نظر وفق سياق اللحظة الآنية، مثل إشارته إلى مَيل العقل العربيّ إلى المبالغة، وميل العربيّ إلى الكلام أكثر مِن سعيه إلى الفعل، وخوف العربيّ مِن مواجهة الواقع وجنوحه إلى الوهم عِوضًا عن ذلك، ومنها أيضًا ميل العربي إلى المراوغة في الخطاب عِوضًا عن المُباشرة.

وهي في الحقيقة نقائص يردُّ إليها الكثير مِن المفكِّرين أسباب تخلُّفنا وتقدّم الآخر بعدما كان السّبق لنا في الماضي. ومع وجود جبهة عارضتْ هذه الآراء إلا أن كثيرًا ـ في المقابل ـ أثنوا على ما طرحه مِن أفكار مثلما قال فاروق شوشة في مقالته بجريدة الأهرام «فقد نجح في إثارة وجذب الانتباه وَصَنعَ مناخًا من الحوار في قضية آن أوان طرحها على المستوى القومي»، الشيء نفسه نجده عند الكاتب أسامة أنور عكاشة في مقالته بجريدة «الوفد» حيث قال «أطلق (الشوباشي) قذيفة نافذة، لكنها لا تكفي وحدها، ولنعتبرها مجرد فتح انطلاقة لتخرج إلى السَّاحة كل الاجتهادات والأفكار دون خوفٍ أو جزعٍ».

ارتداء النساء للحجاب يرجع بنظر الشوباشي إلى «عقدة المرأة في المجتمع العربي»، أولا، أما السبب الثاني وهو الأخطر فمرده «تيارات تسخر الدين لأهداف سياسية، وتستغل هذه الجماعات موضوع انتشار الحجاب للإيهام بأنها تسيطر على عقول الناس وعلى المجتمع أكثر من الحكومة

تحرر ومدنية

نشأ الشوباشي في بيئة ثقافية تميلُ إلى الثقافةِ الغربيةِ، وهو ما كان دافعًا لحالة التحرُّر والتمرُّد التي ظهرت عليهما أفكاره وآراؤه، فوالده هو الكاتب والشّاعر والمحامي محمد مفيد الشوباشي، الذي عمل بالمحاماة، ثم تحوّل إلى مزاولة العمل الزراعي والإشراف عليه في محافظة البحيرة، ثمّ أصبح مُراقبًا في إدارة الثقافة العامة بديوان وزارة المعارف بالقاهرة، ليتولّى بعدها مَنصب مدير التشريعات والشؤون القانونية بها حتى إحالته إلى التقاعد عام 1961.

كان والده يعقد صالونًا أدبيًا بشكل دوري في منزله، يحضره أهمّ الأدباء والمثقفين في مصر، وعن هذه النشأة يقول الشوباشي «نشأتُ في منزلٍ مَشحون بالأجواء الثقافية، فالجدران كانت محشوة بالكتب، في كلِّ شبرٍ في المنزل تجد كتابًا، واحتوت مكتبة والدي على أكثر من 4 آلاف كتاب، كان منزلاً ليس فقط يحبُّ الثقافة، بل يَعبُدها، وكان من الطبيعي أن ينشأ بداخلي ميول للثقافة والأدب»، استثمر هذه النشأة في دراسة الفرنسية فحصل على ليسانس الآداب من قسم اللغة الفرنسية عام 1967 العام المشؤوم، كما وصفه.

كما عمل الشوباشي بأمانة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «يونسكو» بباريس لمدة خمس سنوات من 1980 إلى 1985، ثمّ تولّى مَنصب مدير مكتب جريدة الأهرام بباريس في عام 1985 وحتى عام 2002، ليتولّى الإشراف على مهرجان القاهرة الدولي السينمائي بعد استقالة حسين فهمي من رئاسته، إلى أن استقال هو الآخر متذرّعًا بضعف ميزانية المهرجان.

إلى جانب عمله الصحفي الذي بدأه كمحرر ديبلوماسي لمجلة المصور بالقاهرة وانتهاء بمدير مكتب الأهرام في باريس، صدر له العديد من الأعمال وصلت إلى 15 كتابًا منها أعمال إبداعية مثل «الشيخ عبدالله» مجموعة قصصية، وهي القصة التي قدمها المخرج محمد أبوسيف للسينما بعنوان بطل من الجنوب ـ عزيز عيني عام 2000، بطولة نجلاء فتحي، وأحمد خليل، وكارمن لبس، ومنها رواية «لن تسقط أورشاليم»، ورواية «الديناصور» في عام 2010، بالإضافة إلى كتابه عن فرنسا بعنوان «هل فرنسا عنصرية؟» عام 1992. و«ثورة المرأة»، و«تحطيم الأصنام» الذي هو أشبه بصرخة غاضبة لتخليص العقل العربي من هيمنة الأصنام الفكرية الجاثمة عليه بأفكارها البالية منذ قرون. وهو محاولة جديدة لتفسير ظاهرة تأخُّر العقل العربيّ بعد أن ظلّ لقرونٍ طويلةٍ مَشعلاً مضيئًا للحضارة الإنسانية، وغير هذا كثير مِن الكتابات التي تعكس عقلية جدلية لا تؤمن بالتقليد أو حتى بالسير في الطريق المرسوم، بل دائمًا تسير في حقول الألغام، وتثير الغبار خلفها. آخر هذه الأعمال الإبداعية روايته الصّادرة عن نهضة مصر بعنوان «الهانم والوزير».

الشوباشي يتحدر من بيئة ثقافية تميل إلى الثقافة الغربية، وهو ما كان دافعا لحالة التحرر والتمرد التي ظهرت عليهما أفكاره وآراؤه، فوالده هو الكاتب والشّاعر والمحامي محمد مفيد الشوباشي، الذي كان يعقد صالونا أدبيا بشكل دوري في منزله، يحضره أهم الأدباء والمثقفين في مصر

قتل الأب

قبل مئة عام طرح الأمير شكيب أرسلان سؤالاً عن «لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم؟» وهو السؤال نفسه الذي جدّده الشوباشي في كتابه «لماذا تخلّفنا ولماذا تقدّم الآخرون؟» الصادر عام 2013، حيث يواصل فيه محاولته لقراءة التراث العربي قراءة فاحصة، معلِّلاَ أسباب العلّة، وهو النهج الذي سار عليه محمد عابد الجابري في «نقد العقل العربي»، هنا يضع الشوباشي جروح الأمة بين مِبضع الطبيب، فلا يكتفي بالتشخيص وإنما يقدِّم الحلول التي قد تكون صادمةً في بعضها على نحو دعوته للتخفيف من قواعد العربية باختياره عنوانًا صادِمًا «ليسقط سيبويه». وفي هذا الكتاب لا يقلُّ هجومه على الماضي والعقلية التي ترتكن للجاهز حيث «آفات الماضي ما زالت قائمة إلى الآن، بل إنّنا نغذّيها ونحميها ونطوِّرها» ويواصل تشخيصه لأسباب هذا الانحدار الذي تُعاني منه الأمة، وسبب أزمتها الحضارية بردِّه إلى «خصام ثقافتنا مع الزمن والتطوّر، وعدم إدراك جدلية حركة الزمن».

يُرجع الشوباشي نجاع المجتمعات الأوروبية إلى ما فشلنا فيه نحن وهو «قتل الأب» حسب التعبير الذي استنّه مؤسِّس علم النفس سيغموند فرويد، وهو قتل معنوي بالتخلّص مِن سُلْطة الأب وكلّ سُلطة فوقية أو مرجعية علوية تظلّ جاثمةً على صدر الإنسان طوال حياته. ويؤكِّد أنّه لا يقصد بذلك المطالبة بإعدام رؤسائنا أو قتل آبائنا، وإنما إحداث قطيعة حاسمة مع مرحلة الانقياد الأعمى والخضوع والخشوع والاستسلام لأفكار وآراء أشخاص يهيمنون على عقول الناس، سواء هيمنة فردية أو جماعية.

يتهم معارضو الشوباشي أفكاره بأنّها مِن تأثيرات الهيمنة الغربية، والسّعي إلى التغريب إلا أنّني أرى دعوته التي ختم بها كتابه هي مطلبٌ مجتمعي الآن حيث الحاجة ماسّةٌ كما دعا الكاتب إلى «استثمار ماضينا العظيم، واستخدامه كأساس لبناء الحضارة المستقبلية، على أن نقوم بعملية (غربلة) لما هو صالح لعصرنا وترك ما هو غير صالح». الشيء المؤسف هو حالة الإسراف في أحكامه العامة، مما يشتت الانتباه عن آرائه الجيدة، إلى أطروحاته الصادمة كأن يصف نساء مصر بأن «أكثر من 99 بالمئة من المحجبات عاهرات»، وهو القول الذي دَفَعَ به إلى معترك أتون جديد وصل في أحد جوانبه إلى السخرية من دعوته الأولى التي سبّبَتْ هذا الزّلزال، بأنْ دشّن المدوِّنون هشتاج مُناقِض لدعوته بعنوان «سيلفي حجابي» في إشارة لإنكار الدعوة برمتها.

خَسَرَ الشوباشي كثيرًا، وهو ما دفعه إلى التراجع عن دعوته بقوله إنها تحتاج إلى تمهيد مجتمعيّ. وكان الأجدر به أن يدخر وقته لمعركته الأساسية في دفاعه عن حرية العقل.

9