شريف حتاتة طبيب أرستقراطي سجن طويلا لدفاعه عن البسطاء

السبت 2017/05/27
شريف حتاتة المفارقة عندما تصنع المصائر

القاهرة- عن 94 عامًا وبأحد مستشفيات ألمانيا رحل شريف حتاتة المفكر والأديب والطبيب وأحد رموز الحركة الوطنية في مصر في الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي. وإن كان ثمة مدخل يمكن الولوج منه إلى هذه الشخصية الثرية جدًا فهو “المفارقة”، إذ لم تكن حياته سوى سلسلة من المفارقات، ولعل مفارقته الكبرى كانت، كيف وهو ابن للأرستقراطية المصرية وطبقة الأثرياء أن يتحول ليصبح ذلك الشيوعي المناضل الذي يغوص في قضايا البسطاء ويلحّ في طلب العدالة الاجتماعية لهم، بل ويمضي زهرة العمر مسجونًا من أجلهم؟

لنعد إلى البدايات، فللوهلة الأولى، منذ أن كانت تقع عيناك عليه كنت تدرك أن ثمة تناقضًا غامضًا في حتاتة. فهو من ناحية أرستقراطي الهيئة وسيم الملامح، ومن ناحية أخرى تطل من عينيه نظرة مليئة بالتحدي تستشعر فيها الرغبة في التنكر من الهيئة الارستقراطية، والرغبة في التمرد على الواقع الذي نشأ فيه، كأن عينيه تقولان لك “إياك أن تنخدع في تلك الملامح فأنا غير ذلك تماما، أنا ورثت تلك الملامح دون إرادتي”.

التمرد على الواقع؛ صفة ولد بها حتاتة واستمرت معه فكانت هي البوصلة التي ترشده كلما ضل الطريق، وغذّت بذور ذلك التمرد الطفولة الجادة التي عاشها، فوالدته كانت بريطانية الجنسية، ربته على ضرورة توخي الحرص عند إظهار العواطف وأن كثرة التعبير عن العاطفة يعكس ضعف الرجل وعدم نضجه، بالإضافة لسخطها من حياتها الزوجية بعد أن انشغل عنها والده بالسهر ولعب الميسر إضافةً إلى الصعوبة الكبيرة التي واجهتها في التأقلم مع العادات والتقاليد المصرية.

لهذا لم تنشأ بين حتاتة ووالدته تلك العلاقة المعتادة بين الطفل وأمه، وإنما وكما وصفها حتاتة نفسه في سيرته الذاتية “النوافذ المفتوحة” حين قال “ظل هناك دائما ذلك الجدار بيني وبين والدتي والذي يخترقه الحب أحيانا ويتوارى عنه أحيانا أخرى”. تصعب قراءة شخصية شريف حتاتة دون التعمق في مدى تأثير أمه البريطانية عليه، وتفاصيل طفولته التي قضى السنوات الخمس الأولى منها في بريطانيا (ظل حتى تلك السن لا يتحدث العربية أبدًا)، وترك كل هذا أثره على نظرته الفلسفية للحياة وتحديده لأفكاره فيما بعد.

أدرك منذ نعومة أظافره أن الشكل أو الدين أو اللون أو الجنسية أمور ظاهرية لا يصح أن يُحكم على الإنسان من خلالها، وإنما يجب أن يُنظر إلى جوهر الإنسان وطريقة تعامله مع المحيطين به، وأحب حتاتة في طفولته كثيرا خالته الإنكليزية، أخت أمه الصغيرة “روزاليند” التي وصفها في سيرته الذاتية بأنها كانت تمدّه بالحنان والعاطفة اللذين افتقدهما في والدته على الرغم من أنها حملت نفس جنسية ولون ودين والدته.

وللمفارقات دائمًا أسبابها، ومع حتاتة كانت هناك ثلاثة أسباب؛ الطب والقراءة ونوال السعداوي. إن كنت دارسًا للطب في مصر، وتحديدًا في سنوات الأربعينات من القرن الماضي ، فقد وُلد حتاتة في سبتمبر 1923، فأنت بلا شك سوف ينفتح أمامك على مصراعيه بطن المجتمع المصري الحقيقي، وتتبدى أمامك المأساة في أجلّ معانيها، وهل ثمة معاناة كمعاناة فقراء مع المرض؟

الطب، إذن، أخذ بيدي حتاتة فأطلعه على بؤس البؤساء فغامت في عينيه الأرستقراطية وما فعلته بهؤلاء الغلابة، وصار اشتراكيّا، حيث انضم إلى الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني التي عرفت اصطلاحًا بـ”حدتو” في عام 1947 وكان في الرابعة والعشرين آنئذٍ.

روايته "العين ذات الجفن الحديدي" تتناول تجربته في السجون. أما في "الشبكة" فقد رصد حتاتة التغيرات التي طرأت على المجتمع المصري في ظل فترة حكم الرئيس السادات لمصر، وفي "الوباء" وجد حتاتة أن الوباء الحقيقي هو تلك الأوهام والخرافات التي تمنع الإنسان من أن يدرك العوامل التي تمنعه من التقدم في ظل سيطرة فئة معينة على مقدرات المجتمعات

غير أن هذا وحده لم يكن سببًا كافيًا للتحول، بل كانت عزلته اللاشعورية نتيجة لميراث الطفولة سببًا آخر، أليسوا يقولون في علم النفس إن المحبوس في سجن روحه يظل يبحث عن خلاص؟ الخلاص كان بالنسبة إليه مزج آلامه بآلام الآخرين، إذ الألم الصغير لا ينقذك منه إلا الغرق في ألم أعمّ وأشمل. وهكذا انضم إلى اليسار المصري الذي كان المتحدث الرسمي أيامها بمظالم الجماهير، من فلاحين وعمال وعامة الناس.

شريف ونوال

بسبب شيوعيته ونضاله الحركي ومعارضته سجنوه، فأمضى ما يزيد على خمسة عشر عامًا في السجن، ذاق فيها كل صنوف العذاب، وكان طبيعيًا أن تترك الندوب والجروح التي زرعها السجن في روحه أثرها على أدبه الذي أبدعه فيما بعد.

ولا ندري إن كان نهمه الشديد على قراءة كتب السياسة نابعًا من الرغبة في الخلاص أم أنه كان مصادفة، لكن على كل حال أعطت الكتب لحتاتة معنى جديدًا للحياة، ومثّلت طوق نجاة راح من خلاله يبحث عن مجتمع جديد، هل يمكن الحديث هنا عن مفارقة تمثلت في الفرق بين ما رآه من قبح وتخلف وبؤس في مصر وبين ما رآه في طفولته في بريطانيا -بلد أمه- من جمال وحرية وانطلاق ونظام؟

أما المفارقة الكبرى الثانية في حياة حتاتة فكانت نوال السعداوي، والحقيقة أن حكاية شريف ونوال تستدعي الكثير من الأسئلة، إنها امرأة قوية جريئة لا تخشى شيئًا، بل وتصل جرأتها أحيانًا إلى حدّ الشراسة، أو كما وصفها هو “كانت نوال امرأة لا تستطيع أن تتعامل مع أيّ ضعف حتى لو كان ضعفًا إنسانيًا”. فكيف التقى الماء بالنار يا ترى؟

في عام 1964 تعارفا فتزوّجا، هي الصاخبة مشتعلة الرأس بأفكار الحركة النسوية والرفض والنضال، وهو الهادئ الرقيق الرزين المسجون في عزلته الروحية.. أتراه كان تناقضًا مريحًا لروحه؟ ولمَ لا. أليس يقول المتنبي “الحُسْن يُظهر حُسنَه الضدُّ. وبضدها تتميز الأشياءُ”؟.

نوال السعداوي عندما تزوجها حتاتة كانت قد طُلقت مرتين، الأولى من أحمد حلمي والد ابنتها الوحيدة الكاتبة الصحافية منى حلمي، والثانية من رجل قانون لم يدم زواجها به إلا لشهور ثلاثة فقط، وهكذا توقع المحيطون بحتاتة ونوال أن زواجًا كهذا لا يمكن أن يستمر، فإذا بالمفاجأة تقع ويدوم الزواج لأكثر من 43 سنة.

لكن كانت في الغيب مفاجأة أكثر إذهالًا، لقد طلّق شريف نوالًا بعد أربعة عقود من الزواج ليتزوج من الكاتبة أمل الجمل بعد قصة حب بينهما وهو يدق أبواب التسعين بينما كانت هي في عمر الزهور، كيف طلقها يا ترى؟ هل هي الغيرة كما قيل يومها أم أن الماء لم يعد يحتمل النار؟

ابن الوالد المصري الثري والأم البريطانية لم يحبس نفسه كما يفعل الكثير من المثقفين في المثالية الفكرية، بل ترجم الأفكار إلى عمل ونشاط حركي

شريف حتاتة ما كانت لتناسبه إلا امرأة مثل السعداوي، وكم اعترف بفضلها عليه، وعرف من خلالها كتابة الأدب وقضايا المرأة، وأكد أنه “عاش معها تجربة حياة حقيقية”، وهنا مفارقة ثالثة، إن المقربين منهما يؤكدون أن نوال لم تكن مؤمنة بالفكر الشيوعي، بل هي ابنة الحركة النسوية الغربية بالأساس، وحصرت نضالها في جزئية واحدة من المعركة الكبرى، هي المرأة، وأفصحت باستمرار عن كراهيتها للرجال، بينما الماركسيون ينظرون للمرأة كجزء من مظلومية شاملة هي المجتمع كله، فالشيوعية ضد الاجتزاء.

الحديث عن الشيوعية والماركسية والنّضال ونوال يأخذنا إلى مفارقة جديدة، وهي أن حتاتة، ابن الأرستقراطي والبريطانية، لم يحبس نفسه كما يفعل الكثير من المثقفين في المثالية الفكرية، بل ترجم الأفكار إلى عمل ونشاط حركي ومعارك أودت به إلى السجن، لقد كان وهو طبيب، يعالج الفقراء بالمجان في عيادته، ورغم شيوعيته لم يتوقف يومًا وهو شاب عن انتقاد الاشتراكية الستالينية، كما لم يوافق على النظرة العنصرية المثالية المتغطرسة للغرب إلى العالم الثالث المتأخر، وكان يردد باستمرار أن الغرب هو المسؤول عن تخلف المتخلفين عندما نهب ثرواتهم واستلب مستقبلهم.

كان شيوعيًا حقيقيًا كبقية الآباء الشيوعيين المؤسسين لليسار في مصر، مثل هنري كورييل وخالد محيي الدين ومحمد سيد أحمد وإسماعيل صبري عبدالله وغيرهم، لذلك لم يتجاوز البعض الحقيقة كثيرًا عندما شبّهوه بأديب روسيا العظيم “تولوستوي”، من حيث النبل والانحياز للفقراء وكتابة الأدب، وقبل هذا كله الانتماء الأرستقراطي.

المصري المحافظ

يمكن الحديث أيضًا عن مفارقة يجوز ذكرها في هذا المقام، إن حتاتة، ابن البريطانية، لم يوافق أبدًا على الإباحية الجنسية، وكان ضدها على طول الخط، وقال في أحد كتبه إن الغرب اخترعها ليلهي بها الجماهير عن النضال لنيل حرياتهم التي استلبتها الرأسمالية منهم.

مفارقة أخرى هنا تستوجب البحث: كيف وهو في السابعة والثمانين يتزوّج من امرأة شابة مليئة بالحيوية والنشاط والأنوثة؟ الإجابة ليست صعبة، قالها هو ذات مرة “إن المشاعر تصنع المعجزات”، وهكذا كان شريف حتاتة شعلة من النشاط والحيوية الذهنية إلى أن تمكّن المرض منه، هل كان هذا التكوين الرقيق العذب البشوش الوديع يخفي بداخله جبروتًا من الإرادة والاستفزاز الروحي والتحدي؟ قلنا هذا في بدايات المقال.

وباء الهزيمة

لشريف حتاتة ما يزيد على 20 كتابًا تنوعت بين الرواية والدراسة الأدبية والسياسية والاجتماعية، ولعل على رأسها رواياته” الشبكة” و”الهزيمة” و”ابنة القومندان” و”الوباء”، ورقصة أخيرة قبل الموت”، وكذلك سيرته الذاتية “النوافذ المفتوحة”، كما أن له كتبًا سياسية منها “العولمة والإسلام السياسي”، و”فكر اليسار”، و”عولمة الرأسمالية، و”تجربتي في الإبداع”.

بسبب شيوعيته ونضاله الحركي ومعارضته سجن شريف شحاتة، فأمضى ما يزيد على خمسة عشر عامًا في السجن، ذاق فيها كل صنوف العذاب

كطبيعة حياته منذ الطفولة، جاءت بداية شريف حتاتة مع الأدب غير اعتيادية مثلت مفارقة إضافية، فقد بدأ ممارسة الكتابة الأدبية وهو في سن الثالثة والأربعين، وقرر أن يتفرغ لأعماله الأدبية تماما بعد أن شجعته زوجته نوال السعداوي على اتخاذ تلك الخطوة لأنها وجدت فيه الرغبة في التعبير عمّا يدور بذاته وعمّا واجهه أثناء تواجده بالسجون المصرية، بعد انشغاله الكامل بنضاله السياسي، وجاءت مؤلفاته لتعبر عن التطور الذي شاب مراحل حياته المختلفة.

ففي روايته “العين ذات الجفن الحديدي” تناول حتاتة تجربته في السجون، وفي “الشبكة”، رصد التغيرات التي طرأت على المجتمع المصري في ظل فترة حكم الرئيس السادات لمصر، وفى روايته “الوباء” وجد حتاتة أن الوباء الحقيقي هو تلك الأوهام والخرافات التي تمنع الإنسان من أن يدرك العوامل التي تمنعه من التقدم في ظل سيطرة فئة معينة على مقدرات المجتمعات، وجاءت بعد ذلك سيرة شريف حتاتة الذاتية “النوافذ المفتوحة” ليعبر فيها بصدق كبير عن مشاعره وآرائه المختلفة، والظروف الحقيقية التي أدت إلى تبلور أفكاره وتمرّده الدائم ورغبته في تحدى الظلم والقهر أينما وجده.

أبرز سمات مؤلفاته تناولها لأفكار غير اعتيادية على المجتمع المصري، ولكنه يتناولها بأسلوب بسيط وبلغة عميقة تنفذ إلى فكرته مباشرة، دون مواربة ودون خوف من العواقب، وقد ظهر هذا بجلاء في سيرته الذاتية، وفي روايته “ابنة القومندان” التي انتقد فيها اليسار بمنتهى العنف واتهم اليساريين بأنهم غير مدركين لمشاعر الفقراء والعمال كما يدّعون على الرغم من حديثهم الدائم عنهم.

ويشير نقاد الأدب إلى أنّ من أجمل ما كتبه شريف حتاتة هو ما كتبه عن تجربة سجنه، حيث تظل رواياته “العين ذات الجفن الحديدي” و”جناحان للريح” و” ابنة القومندان” من أهم ما كُتب في الأدب العربي المعاصر عن السجون، إذ لم يكتف في تلك الروايات بالرؤية الفنية الأدبية البحتة فقط بل طعّمها بأفكاره الأيديولوجية التي طالما آمن بها، وبقراءته للواقع السياسي المصري.

عُرف عن حتاتة أنه لم يكن محبًا للشهرة أو للدعاية السياسية، وإنما كان يقوم بما يؤمن به، وتعدّ مؤلفاته خير دليل على ذلك، حيث لم يسع مطلقا للترويج لها عبر استمالة النقاد الأدبيين ليكتبوا عنها، وإنما ظل مؤمنا بأن العمل الأدبي هو الذي يجب أن يفرض نفسه على القراء، وفي أحد حواراته الصحافية انتقد حتاتة ذلك الوضع موضحا أنه في مصر “يشتهر العمل الأدبي نتيجة لدعم الدولة للكاتب ولتبنيها لآرائه”، وهذا ما لم يقم به حتاتة، حيث ظلت آراؤه معارضة للأنظمة السياسية طوال حياته.

13