شريف خزندار شيخ المثقفين العرب في أوروبا

المسرحي شريف خزندار بنى جسورا لا تصدق من التواصل الثقافي العربي الغربي، مدركا في نفس الوقت حجم الهوة ما بين الثقافتين، وضرورة دعم الثقافات العربية وجنوب المتوسطية.
الثلاثاء 2019/07/23
شريف خزندار اختصر ثقافات الشرق وأعاد تقديمها في الغرب

حين حصل شريف خزندار على جائزة الشارقة الدولية لمساهماته النوعية في الترويج للحوار بين الثقافة العربية وثقافات العالم طوال أكثر من 50 عاما، لقبته الصحافة في الإمارات بـ“جسر الثقافات” لدوره الكبير في التفاعل بين الحضارة العربية والحضارة الفرنسية. وقال الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة حين قدّم له الجائزة “لقد دأبنا منذ عقود عدة، وحتى الآن على إقامة وتطوير جسور التواصل الثقافي والفني بين مجتمعات بلادنا والمجتمعات والشعوب في قارات العالم المختلفة من الأميركتين وأوروبا وآسيا وأستراليا، لنؤكد على وحدة الإنسانية وعلى الارتقاء بتفهم وتقبل الفروق بين الثقافات”.

لكن المفارقة أن خزندار لم ينل تلك الجائزة كمواطن عربي، بل نالها عن فئة الفائز الأجنبي، وهنا تكمن أهمية رجل أوكل إلى نفسه مهمة القيام بما قصّرت عن فعله المؤسسات الرسمية العربية. إذ من المفترض أن تكون مهمة وزارات الثقافة في العالم هي تنمية وتطوير الفعل الثقافي وتنشيطه بين عموم الناس، حتى تتيح تلك المؤسسات لشعوبها تأكيد وتقوية الموروث الثقافي المشترك الذي يجمعها ويربط عناصرها بعضهم ببعض، ومن ثم تحفيز الأفراد على إبداع واستيلاد النشاط الثقافي ليكون عاملا أخلاقيا وفكريا منافسا.

هكذا يصبح لكل بلد وجه ثقافي عام يميزه عن غيره، ليتبلور إلى جوار القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية، ولتصبح الثقافة هي قوة الشعوب الحقيقية ولسان حالها وجسر خطاب للأمم الأخرى، حتى تصل إلى ذروة معاني الثقافة في العالم المعاصر حيث تكون الثقافة هي القوة الناعمة للأمم، كما هو الحال في تسيّد القوة الثقافية الأميركية للعالم دون منازع عبر السينما والمسرح والدراما والكتب والألعاب والتكنولوجيا والإنترنت وغيرها من عناصر الثقافة التي تسمى أميركية. كما تتسيّد الهند كقوة ثقافية ناعمة تغزو جنوب شرق آسيا والجزيرة العربية وآسيا الوسطى وروسيا بقوة. وكما تبدو الهيمنة المصرية منذ مئة عام على الأقل للمشهد الثقافي العربي.

ماذا يفعل المثقفون؟

انتقال خزندار من العمل كمخرج مسرحي، إلى العمل على تقابل الثقافات، يجعله يحرص على الاهتمام حتى بالموسيقى كما فعل في مهرجان أصيلة
انتقال خزندار من العمل كمخرج مسرحي، إلى العمل على تقابل الثقافات، يجعله يحرص على الاهتمام حتى بالموسيقى كما فعل في مهرجان أصيلة

لكل الدول في العالم حصتها من المشهد الثقافي تتصاعد تارة وتخفت تارة، حتى إن سيّست، فقدت كل بريقها وفقدت مصداقيتها لدى الشعوب، فتتحول من لسان حال للناس إلى لسان حال أهل السلطة والمال، ولكن ماذا يفعل المثقفون المستقلون في تلك الحالة؟

في بلاد المشرق العربي التي خاضت اضطرابات غير محدودة في المئة عام الأخيرة، قرر العشرات بل المئات من المثقفين مغادرة بلادهم والهجرة إلى بلدان الاغتراب والاندماج بها من أجل تقديم كل ما تسنى لهم من قدرة على الإبداع والعمل في الشأن العام الثقافي، وهم كثر وأسماؤهم سيخلدها التاريخ، ولكن لخزندار حصة الأسد، كما يقال، من العمل الثقافي المتميز ومن الخسارة السورية أيضا، له كأحد أبرز مثقفي بلده في القرن الماضي، وكمكسب حقيقي للجمهورية الفرنسية التي قدمت له وقدّم لها الكثير.

ولد خزندار في حلب من العام 1940، لأم فرنسية وأب سوري، وسرعان ما أتاحت له أسرته البرجوازية المنتمية للطبقة الوسطى، المتنورة والمتصلة بالثقافة العالمية، القدرة على الوعي بالسفر صغيرا بحثا عن شهادات عليا تجعله في مستوى أقرانه في العالم، فغادر قاصدا الولايات المتحدة للدراسة في العام 1958، وبقي هناك لمدة عام كامل، عاد بعدها إلى الجامعة الأميركية في بيروت لدراسة الإدارة وشؤونها وترافق ذلك مع دراسته للأدب الفرنسي الذي كان مغرما بحكاياه وقصصه ولغته، متأثرا بوالدته الفرنسية وأخواله.

مشهد ثقافي عالمي

في مطلع الستينات تسلم خزندار إدارة المركز الجامعي للدراسات المسرحية في الجامعة الأميركية، وعمل برفقة مخرجين لبنانيين سيصبحون في ما بعد من أعمدة المسرح اللبناني مثل روجيه عساف ويعقوب شدراوي وجلال خوري، وتعرف بشكل قريب جدا على أحد كبار المسرحيين في العالم في ذلك الوقت وهو المسرحي الفرنسي لبناني الأصل جورج شحادة الذي استفاد خزندار الكثير منه.

في فرنسا تدرب على يد أحد أبرز المسرحيين في العالم آنذاك، المخرج والمنظر ومؤسس مهرجان أفينيون جان فيلار، ليكتسب منه تلك القدرة العجائبية على استيعاب ثقافات الشعوب وإرهاصاتها ومن ثم إعادة تقديمها في مواجهة بعضها البعض لتكوين مشهد ثقافي عالمي يليق بالقرن الجديد، خال من العنصرية وعقد التفوق والتعالي، بل ولأبعد من ذلك لتسهل تدفق دماء جديدة إلى المشهد الثقافي الأوروبي الذي كان ولا يزال يعاني من تكرار ذاته وانعدام خصوبته خصوصا بعد الحرب الكونية الثانية.

حياته القصيرة في سوريا يعود إليها الفضل في إنجازه لعمله الشعري البارز "قمر شرقي على الشاطئ الغربي" برفقة الفنان فاتح المدرس، وكان لا يتجاوز من العمر 23 عاما

بعد ذلك قفل خزندار عائدا إلى سوريا، ليتسلم منصب مدير ثقافي في وزارة الثقافة، وليتسلم عضوية المجلس الأعلى للثقافة والفنون طوال سنتين، قبل أن يغادر البلاد دون رجعة.

قدم خلال إقامته في سوريا عمله الشعري البارز “قمر شرقي على الشاطئ الغربي” برفقة الفنان فاتح المدرس، وكان لا يتجاوز من العمر 23 عاما. وتعاون بشكل استثنائي مع أحد أساتذة المسرح السوري والعربي الكبار وهو الراحل رفيق الصبان صاحب فرقة المسرح المحترفة وقتها في تقديم عدد كبير من المسرحيات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية الثقافية، فقدم خزندار عددا من أعمال بريخت وكلايست وبيكيت.

في فرنسا وتونس والمغرب

تولى في فرنسا منصب مدير الثقافة في مدينة رين، ثم رئاسة قسم النقد في مؤسسة “أ و ر ت ف” وإدارة مسرح السينما الجديدة في مدينة رين أيضا، ليقدم روائع كانت منسية في عوالم المسرح والأوبرا مثل أعمال كاسيني وروسيني ورونيه كولدريج. وفي باريس أسس مشروعه الأهم وهو “بيت الثقافات العالمية” بدعم من وزارة الثقافة الفرنسية.

بدأ خزندار يعمل على توجيه الأنشطة نحو البحث عن عبقرية الناس؛ الموسيقى والمسارح والرقصات والطقوس التي تنتمي إلى التقاليد، وبنفس القدر عمل على دعم الإبداعات المعاصرة والمعارض الأنثروبولوجية والفن المعاصر. ومن خلال دوره الكبير منح عضوية المجلس الوطني للغات والثقافات الإقليمية ورئاسة اللجنة الفرنسية لليونسكو.

جانب كبير يغيّره خزندار في كيفية تعاطي الذهن الغربي مع الدور العربي، ولكنه تغيّر شخصياً أيضا، فقد أعاد تقييم رؤيته الثقافية بضرورة دعم المسرح العربي وتحصينه، أو بمعنى أدق تأصيله ودعم هويته لتكون متمايزة عن المسرح الغربي
جانب كبير يغيّره خزندار في كيفية تعاطي الذهن الغربي مع الدور العربي، ولكنه تغيّر شخصياً أيضا، فقد أعاد تقييم رؤيته الثقافية بضرورة دعم المسرح العربي وتحصينه

اشتغل خزندار على تفعيل التظاهرات الثقافية في فرنسا مثل “سنة الهند في فرنسا” و”كرنفال البندقية” و”الموسيقى المقدسة في البانثنيون” و”عام الثلج والنار للثقافة الايسلندية”، وتوجت أعماله بتوليه إدارة مهرجان موازين في المغرب ومهرجان الموسيقى المقدسة في فاس.

انتقل خزندار إبداعيا من العمل كمخرج مسرحي، إلى العمل على التقابل الحضاري والتلاقح الفكري للثقافات، فاقترح إنشاء جامعة مسرحية على غرار جامعة مسرح الأمم في فرنسا، ونجح المشروع الذي أنجزه برفقة سيسيل حوراني، وعمل على دعوة كبار مخرجي المسرح في العالم من مثل بيتر بروك ويان كوت وجان دوفينيو وجون ليتلوود برفقة مسرحيين من تونس والمغرب والجزائر ومنهم علي بن عياد والطيب الصديقي وعبدالقادر كاكي وأنطون ملتقى وعلي الراعي. قدم خلالها خزندار الذي سيصبح مديرا لمركز الحمامات الثقافي، مسرحيتي بيكيت “الشريط الأخير” و”الأيام الجميلة” بالفرنسية والعربية، ممثلا ومخرجا، ثم طلب عياد منه تقديم عمل في المسرح البلدي في تونس العاصمة، فكانت “مجنون ليلى” لأحمد شوقي، وحينما تأمم مركز الحمامات وشعر المثقف بخطر القيد الثقافي مجددا، انتقل إلى المغرب بدعوة من المسرحي الطيب الصديقي ليقدم مسرحية “المحطة” لعلي الجندي، وأعاد إنتاج مسرحية “الشريط الأخير” لبيكيت ولكن باللغة العربية هذه المرة.

من بعدها لبّى دعوة “البرلينر انسامبل”، فسافر إلى ألمانيا لتقديم “الاستثناء والقاعدة” بالعربية، وكانت المرّة الأولى التي يُمثّل فيها هذا النص، في معقل البريختية، خارج إطار تعليمات الأب المؤسس هيلين فايجل زوجة المعلّم ووريثته كانت ضد العمل في البداية، لكنها عندما رأت النتيجة، طلبت أن تصور المسرحية في نسخ عدة، عربية وفرنسية وإنكليزية، كدليل على أن بريخت معاصر ويمكن اقتباس أعماله، مما جعل فكرة خزندار عن أممية العمل الثقافي تزداد رسوخا وتجذرا.

هوية المسرح العربي

خزندار يمتلك قدرة هائلة على استيعاب ثقافات الشعوب ومن ثم إعادة تقديمها في مواجهة بعضها البعض، لتكوين مشهد ثقافي عالمي يليق بالقرن الجديد، خال من العنصرية وعقد التفوق والتعالي
خزندار يمتلك قدرة هائلة على استيعاب ثقافات الشعوب ومن ثم إعادة تقديمها في مواجهة بعضها البعض، لتكوين مشهد ثقافي عالمي يليق بالقرن الجديد، خال من العنصرية وعقد التفوق والتعالي

ما الذي غيّره خزندار في كيفية تعاطي الذهن الغربي مع الدور العربي، ولكنه تغيّر أيضا، فأعاد تقييم رؤيته الثقافية وضرورة دعم المسرح العربي وتحصينه، أو بمعنى أدق تأصيله ودعم هويته لتكون متمايزة عن المسرح الغربي، حتى لا تبتلع الثقافة الغربية ما تبقى من الثقافة العربية.

وكان ذلك التوجه من ضمن فكره وتنظيره الذي عمل عليه منذ عقود لدعم الصوت الثقافي العربي كقوة ناعمة تستطيع الصمود وسط محيط اضطرابات الثقافات العالمية، فعمل على تعزيز خصوصية المسرح العربي ودعم خطاب الجمهور العربي بلغته ومفرداته  وتراثه الهائل والبحث عن قواعد درامية خاصة بالمسرح العربي، فتعاون مع عمالقة المسرح المغاربي والفرنكوفوني وقتها، حيث بدأوا جميعا بالعمل على مسرح عالم ثالثي ذي هوية خاصة ومتميزة يحتضن الثقافات المحلية العربية وغير العربية التي تنمو في المنطقة العربية. وتوسع المشروع ليشمل النهوض بالتقاليد الموسيقية والأشكال البصرية ودعم التراث الشفاهي والمكتوب. فقدم أعمالا لعزالدين مدني وأندريه شديد وآخرين.

ترافق ذلك مع تسلمه لمناصب إدارية أتاحت له تقديم دعم كبير للمسرحيين والموسيقيين العرب القادمين من بلادهم ليكون منبرا لهم ومسهلا ثقافيا لأعمالهم وسفيرا حقيقيا لبلادهم.

التعاون الاستثنائي بين خزندار وواحد من أساتذة المسرح السوري والعربي الكبار وهو الراحل رفيق الصبان صاحب فرقة المسرح المحترفة ساهم في أن يحظى الجمهور العربي بعدد كبير من المسرحيات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية الثقافية، فأنتج خزندار أعمالا لبريخت وكلايست وبيكيت

عبر تلك الرحلة الطويلة والملتوية شرقا وغربا والحافلة بإنجازات ثقافية هائلة استطاع خزندار قدر ما أمكن أن يختصر ثقافات الشرق ويعيد تقديمها في الغرب، وينقل بكثافة وحيوية ثقافة الغرب ويعيد تقديمها في البلاد العربية، مستعينا بمرونة ودبلوماسية عالية جدا سمحت له أن يقوم بدور وزارات الثقافة العربية مجتمعة في فرنسا وأوروبا عموما، حيث أتاح لأجيال كثيرة من الفنانين المهاجرين أن تجد فرصتها ومساحتها في تلك البلاد، وأن تمثل بلادها خير تمثيل، وأن تصقل وتطور تجاربها عبر احتكاك ثقافي فني على أعلى المستويات.

 بنى خزندار جسورا لا تصدق من التواصل الثقافي العربي الغربي، مدركا في نفس الوقت حجم الهوة ما بين الثقافتين، وضرورة دعم الثقافات العربية وجنوب المتوسطية، كي لا يسحقها النموذج الغربي كما فعل في غير منطقة من العالم، لأنه وبكل بساطة يدرك حجم تلك القوة الناعمة في البلاد العربية ويعلم قدرتها التأثيرية على الغرب.

13