شريف صالح: الإبداع أمومي بالأساس ومرتبط بالمرأة

شهدت الأيام الأولى من عام 2018 صدور كتاب قصصي جديد للمصري شريف صالح، وهو الكتاب العاشر لصاحبه، وقد حمل عنوانا لافتا هو “شعر غجري تتطاير منه الحجارة”، وفي ما يلي حوار مع القاص والروائي شريف صالح حول مجموعته الأخيرة ورؤيته للكتابة.
الاثنين 2018/01/08
المسألة في الإبداع دائما ليست "ماذا نعالج" ولكن "كيف نعالجه"

القاهرة - يضم كتاب شريف صالح “شعر غجري تتطاير منه الحجارة” أربعين نصا قصصيا قصيرا تمثل تلخيصا لتجربة صاحبه مع الفن القصصي، تلك التجربة التي أنتجت سبع مجموعات ورواية فضلًا عن مسرحيتين، فاز بأكثر من جائزة مثل دبي الثقافية، ومن قبلها بجائزتي الشارقة وساويرس.

يقول صالح "صدور \'شعر غجري تتطاير منه الحجارة\' مكافأة وجائزة لي على سنين طويلة من كتابة القصة القصيرة فمن الرائع أن يكون هناك كتاب يلخص هذه التجربة ويقدمها للقارئ في كتاب واحد بعدما تفرق دمها بين الناشرين".

الإبداع أمومي

عن رحلته مع الكتابة التي تجاوزت ثلاثة عقود يقول \'البداية كانت مع الشعر، وأظنني من سنتي الأولى في الجامعة أدركت أنني لن أكون شاعرًا وبات الأمر محسومًا. وبقية الفنون الأخرى فلديّ تواصل جيد معها كمتلق، سواء السينما أو المسرح، حيث خصصت دراساتي العليا فيهما، وأنا بطبعي أحب التجريب. إضافة إلى أن بعض الأفكار تفرض على الكاتب قالبها. أذكر أنني كتبت في المرحلة الثانوية قصة بعنوان ‘الملك الذي أكلته الصراصير‘ واحتفظت بالمسودة لسنوات، وعندما عدت إليها وجدتها تتحول بين يدي إلى ‘مونودراما‘، نشرتها بالفعل بعنوان ‘رقصة الديك’، وقد نالت جائزة الشارقة للإبداع – الإصدار الأول”.

ويضيف “أفادتني كثيرًا خبرتي بالفنون المختلفة في كتابة القصة، وهذا ما يجعل البعض يتحدث عن الصورة السينمائية مثلا في نصوصي. لكن تظل القصة الفن الأقرب إلى روحي. لأنها تناسب مزاجي القلق والمتقلب، فهي حالة تستغرقني للحظات وأنتهي منها. حتى لو عدت لاحقًا إلى المسودة مرات ومرات. على عكس كتابة الرواية أو المسرحية التي تتطلب معايشة طويلة الأجل، وخطة عمل يومية. ولذلك كثيرًا ما أبدأ الكتابة في روايات ثم أنصرف عنها مللًا، أو لفقد الحماس. لكنني وعبر كل مجالات الكتابة التي خضتها أفكر كثيرًا باللغة وفي اللغة، أفكر مثلا في كيفية ردم الفجوة بين الفصحى والعامية. وهذا الانشغال يظهر في كل نصوصي. إضافة إلى أن لكل شخصية خطابها اللغوي النابع منها وليس من ثقافة الكاتب”.

في قصص عدة وعبر أكثر من مجموعة تعرض شريف صالح لعلاقة الطفل بأمه، مما دفع الناقد ممدوح رزق لتسميتها بالقص الأوديبي، يعلق صالح على هذه التسمية قائلا “الرموز الأولى دائمًا لها الصدارة في الكتابة: الله، الأب، والأم. هكذا هي في الأساطير والأديان والآداب. فهذه الرموز هي أول ما نتعرف عليه، وما يشكل تصورنا عن الوجود، فلا يمكن مثلا قراءة أدب محفوظ كله دون الوعي بمفهوم الأب في ‘أولاد حارتنا‘ و‘ملحمة الحرافيش‘. الأب حاضر في نصوصي أيضًا مثل قصة ‘رحلة النهار والليل‘، وفي الكثير من نصوص مجموعة ‘بيضة على الشاطئ‘. كما للأم حضورها المهم أيضًا، لقناعتي أن الإبداع أمومي أساسًا، وكل مبدع غالبًا ما تربطه علاقة خاصة بالأم، وكل بدائلها من النساء، فالمرأة أم وملهمة ومانحة للحياة”.

الكتابة الإبداعية لا يمكنها أن تتخلى عن هواجس الإنسان حول الله والموت والحياة والجنس والسلطة، وغير ذلك

وعن اتهامات النقاد له بتعمد الغموض فهو ينفيها بشكل قاطع مؤكدا أنه لا يتعمد الغموض أو كتابة نصوص ذهنية مغلقة وتهويمات، بل يكتب غالبًا بلغة أقرب إلى الشفاهية، كما يقول، فهو لا يميل إطلاقا إلى الاستعارات والمجازات لأن الكتابة عنده خطاب الناس وأصواتهم وليست خطاب اللغة. ودائمًا ما يؤمن بالمقولة التي صدر بها الراحل إبراهيم أصلان روايته “مالك الحزين” إذ قال “يا ناثانيل أوصيك بالدقة، لا بالوضوح”.

نلتقط الخيط منه فنسأله عن خصوصية تعامله مع الحلم كمادة لنصوصه فيقول “أنا لا أحب كتابة الواقع، بل أفضل الكتابة عن الواقع، باعتباره ورطةً غير مفهومة، وأترك للقارئ تأويل نصوصي واعتبارها ضبابية أو حلمية، وقد أستعير منطق الحلم وقد أتلاعب به فالأساس عندي هو الحلم، والواقع مجرد حيلة تضفي على النص شيئاً من الكثافة والتجسيد والمقبولية”.

ثيمات وفضاءات

الثالوث الجدلي: الزوج- الزوجة- العشيق، خصص له شريف صالح قصصا في مجموعة كاملة هي “مثلث العشق”، يبرر ذلك بأن “هذه العلاقة تشغل البشر منذ آدم وحواء، وعولجت في ملايين الروايات والقصائد والأفلام والمسرحيات ولوحات التشكيليين، لكن بالتأكيد يظل لكل مبدع أسلوبه وبصمته في معالجتها، فالمسألة في الإبداع دائمًا ليست ‘ماذا نعالج‘ ولكن ‘كيف نعالجه‘. أما مجموعة ‘مثلث العشق‘ فقد تأملت فيها كل مساحات الجنون في علاقات الرجل والمرأة، وليست ‘مثلث العشق’ وحدها هي التي تواجه التابوهات، بل كل سطر أكتبه هو في صميم تلك المواجهة. وإذا تخلت الكتابة عن هواجس الإنسان حول الله والموت والحياة والجنس والسلطة، فعن أي شيء يمكن أن نكتب؟”.

تلخيص لتجربة الكاتب مع الفن القصصي

ويضيف “تابو السلطة أو السياسة أحد التابوهات التي تفرض نفسها على المبدع، إلى جانب الجنس والدين. ويتفاوت الاشتغال عليها من تجربة إلى أخرى”.

الطفولة، الاغتراب، الهوية، ثيمات مختلفة عالجتها قصص صالح، التي يقول عنها “هذه الثيمات تلح علي بشدة لأنها تشكل حياتي. فمازلت أعيش طفولتي إلى الآن، بكل رصيدها من الدهشة والبراءة وأيضا اللهو، الطفولة فردوسنا المفقود عشتها في قرية تكاد تلامس حافة البحر المتوسط، وسط الطبيعة وكائناتها الخضراء، ثم حُرمت من هذا الفردوس بالعيش في مدن كبيرة وضاجة مثل القاهرة. فلم يفارقني الحنين إلى الطفولة. ولم يغادرني الشعور بالاغتراب الذي اكتسب تعقيدات أكبر بسفري إلى الكويت منذ نحو خمسة عشر عامًا. ولا ينفصل ذلك عن طرح سؤال الهوية على نفسي. هل أنا فلاح أم قاهري؟ مصري أم عربي أم أنتمي إلى الإنسانية كلها؟ أيضًا وسائل الاتصال وشبكات التواصل فرضت علينا هوية ووعيًا مختلفين”.

أما عن زعم النقاد بأن تكرار نفس الثيمات والشخصيات في مجموعاته، يعبر عن وجود ما للحس الروائي الذي نما حتى أنتج روايته “حارس الفيسبوك”، يقول صالح “القصة القصيرة هي ملاذ لقلقي الروحي، وتململي الذي لا يسمح لي بالجلوس لشهور طويلة لكتابة نص واحد. هذا فن وذاك فن، وأكره كل من ينظر إلى القصة القصيرة على أنها تمارين مبتدئين للدخول إلى عالم الاحتراف الروائي، وأتصور أن تلك الملاحظة تنطوي على مغالطات عدة. أولًا لا يوجد فارق جوهري بين الحس الروائي والقصصي لأننا نتحدث عن فن سردي في الحالتين، له نفس الجماليات تقريبًا، وإن تفاوتت حظوظ الكتاب في النجاح فيهما. وثانيًا خلق عالم متصل للمجموعة القصصية يتضمن تكرار شخصيات أو ثيمات لا يعني أن الحس الروائي لدى الكاتب أصبح أكثر نضجًا، وإنما هو هدف جمالي، يبدو تنفيذه في القصص القصيرة أصعب منه في الرواية. ثالثًا كتابة رواية ‘حارس الفيسبوك‘ لا يعني أن الحس الروائي نما لدي، وإنما يعني أنني وجدت الوقت والإرادة اللازمين للاستمرار في كتابة رواية حتى نهايتها. وهذا كان الصعب بالنسبة إليّ”.

وعن البناء غير المألوف لروايته يقول”الرواية لم تبدأ من ‘النهاية إلى البداية‘ أو ما يسمى الفلاش باك فهذا أسلوب مألوف إلى حد ما في الروايات والأفلام. لكنها طرحت بدايتين ونهايتين في الوقت نفسه. وكتبت بطريقة أكثر تعقيدًا وغير معهودة في الروايات عمومًا، حيث تمنح القارئ فرصة أن يقرأها من الناحيتين بنفس السلاسة، فلو بدأ من الفصل الأخير سيسير معه السرد بشكل طبيعي. ولو بدأ من الفصل الأول سيحدث نفس الشيء”.

15