شريف صالح: التجارب الشبابية تحمل الأمل في مسرح عربي جديد

الكاتب المصري يؤكد أن المسرح أكثر الفنون تفاعلا مع الجمهور وارتباطا بفكرة الحرية.
الخميس 2019/08/15
"الملك لير" من العروض المسرحية الجادة بمصر

فن المسرح هو الأعرق والأكثر توهجا وشمولا وقدرة على المقاومة، وتحدي الصعاب، والتأثير في الجمهور، ولذلك يبقى حاضرا دائما في دائرة اهتمام المبدعين والنقّاد الذين لا يزالون يعقدون عليه رهانهم الجاد كمنصة لقيادة الوعي وإنجاز أحلام التغيير. ومن هؤلاء الكاتب المصري شريف صالح، الذي دأب على الإخلاص للمسرح تأليفا ونقدا وتأطيرا منهجيا.

القاهرة – علاقة الكاتب المصري شريف صالح بالكلمة متشعبة، فهو قاص وروائي ومسرحي وناقد متميز، وجاءت خطوته الأخيرة صوب الحقل الأكاديمي التخصصي لينال الدكتوراه من المعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون في القاهرة عن رسالته “التحليل السيميائي للنص المسرحي” متخذًا من مسرح يسري الجندي نموذجا.

وفي حواره مع “العرب”، تحدث عن تجربته الإبداعية والنقدية خصوصا في ميدان المسرح، وقضايا المسرح العربي المعاصر، وعلاقة “أبوالفنون” بالحرية والديمقراطية والمناخ العام السائد والإشكالات المجتمعية والسياسية والإدارية المتعدّدة ومستقبل فن المسرح مع التجارب الشبابية المتطوّرة.

ويوزّع المصري شريف صالح، المقيم في دولة الكويت، اهتماماته الإبداعية وانشغالاته النقدية والأكاديمية على مجالات عدة، ففي القصة والرواية قدّم إبداعا: “إصبع يمشي وحده”، “مثلث العشق”، “شخص صالح للقتل”، “بيضة على الشاطئ”، “شق الثعبان” و“حارس الفيسبوك”، وقدّم نقدًا: “نجيب محفوظ وتحوّلات الحكاية” (رسالة الماجستير). وفي المسرح قدّم إبداعا: “رقصة الديك” و“مقهى المساء”، ونقدا: “التحليل السيميائي للنص المسرحي”، وهي أطروحته التي نال عنها الدكتوراه مؤخرا.

ويولي صالح المسرح أهمية خاصة بين منظومة الفنون والآداب، فلا يزال يرى فيه الشعاع الوامض الكاشف على الرغم من هيمنة “الميديا” وسيطرة الأعمال التجارية، ويعتقد الكاتب المصري أن التجارب الشبابية المتطورة الأمل في دعم مسيرة المسرح العربي وإنقاذه من مشكلاته ومحبطاته، كالبيروقراطية والرقابة والإجراءات الإدارية الخانقة التي أدت إلى تشرنق الحركة المسرحية ونخبويتها وعزلتها.

منطقة برزخية

شريف صالح: اتخذتُ السيميائية تطبيقا لقراءة مسرح يسري الجندي الجاد
شريف صالح: اتخذتُ السيميائية تطبيقا لقراءة مسرح يسري الجندي الجاد

يأتي تركيز شريف صالح على المسرح في الدكتوراه استكمالا لاهتمامه بمختلف “الفنون”، ولا يعني الانفصال عن ذاته الأدبية، خصوصا أن النص المسرحي نفسه يقع في “منطقة برزخية” بين “الفنون” و“الآداب”، بحد رؤيته، ويشغل جزءا من اهتمامه ككاتب، سبق أن قُدّمتْ له مسرحيات على خشبة المسرح في الكويت، كما حصل على جائزة الشارقة في المسرح، وجائزة أفضل مؤلف مسرحي من مهرجان “أيام المسرح” في الكويت.

ويقول لـ“العرب”، إن “المأزق الحقيقي كتابة المسرح وعروضه باتت شبه سرية، ويكاد لا ينتبه إليها أحد في ظل هيمنة ‘السوشيال ميديا’، التي أعادت تعريف الوسائط التقليدية، ودمجتها في مسارات مختلفة. لقد كان المسرح لفترات طويلة يقود الوعي وأحلام التغيير ويعيد طرح مفاهيم مثل الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة، لكنه لم يعد بمفرده في ساحة التأثير والتواصل، وجرى عليه ما جرى عبر وسائط أخرى مثل السينما والتليفزيون والراديو”.

ويوضّح “أن أي ‘يوتيوبر’ اليوم، يستطيع أن يقدم فاصلا مُمسرحا أمام كاميرا الهاتف مثلا، ويستطيع أن يبثه حيا على الفيسبوك، كي يراه المتابعون له في صفحته في التوقيت ذاته. ومن الممكن قريبا جدا أن يكون هناك عرض في ‘برودواي’ (أحد أبرز مناطق العروض المسرحية والسينمائية والنشاطات الثقافية في نيويورك) يستطيع المتفرج في مصر والخليج متابعته مباشرة بتقنية ‘الهولوغرام’ (الصور التجسيمية) على سبيل المثال”.

ولم تحتل “السوشيال ميديا” فقط مكانة الفنون التقليدية في تأثيرها وسطوتها على الجمهور، بل أعادت تعريف هذه الفنون وغيّرت ملامحها جذريّا. وينفي صالح أن المسرح سوف ينقرض، بل سوف يشهد تحوّلا مهمّا في ظل الثورة الرقمية، وربما تفيده التقنيات المتلاحقة في تطوير أدواته والقدرة على الذهاب إلى الجمهور في مواقع التواصل والشارع وعلى الهواتف الذكية.

حول الفرق بين الإبداعي والتنظيري في المسرح، يذهب شريف صالح إلى أن تقاليد الدراسة الأكاديمية تختلف عن شروط الإبداع، وبالتالي ليست هناك استجابة مماثلة للمجالين، وربما يبدو الكاتب أكاديميا أفضل منه مبدعا أو العكس.

ولجأ صالح إلى المنهج البنيوي في الماجستير، ثم قرّر في الدكتوراه الاستعانة بالمنهج السيميائي، لتطوير الوعي البحثي والمعرفي لديه. وجاء اهتمامه بتطبيق السيميائية على مسرح يسري الجندي، من باب الاهتمام بالأجيال التالية لجيل الرواد مثل توفيق الحكيم، فجيل الستينات ومن تلاه “لم يحظ بالاهتمام النقدي والبحثي الكافي”.

ثمة فجوة تتجلى بين المسرح وبين جمهوره

يشير صالح إلى أن الاقتراب من تجربة كاتب درامي مهم مثل يسري الجندي كان مفيدا له كباحث وكاتب، فقد صدرت له ست عشرة مسرحية في أربعة أجزاء عن “الهيئة المصرية العامة للكتاب”، تظهر فيها سمات المسرح الملحمي والتسجيلي، وتشتغل على الحكاية الشعبية واستدعاء الرموز التاريخية المصرية والعربية مثل: عنترة، وعلي الزيبق وجحا، فهو مسرح ذو موقف ورؤية سياسية ارتبطت برد الفعل على نكسة يونيو وما بعدها.

وانشغل صالح بقراءة النص المسرحي بوصفه نظاما سيميائيا، وإمكانية تطبيق المنهج السيميائي على النص المسرحي، وإعادة قراءة النص المسرحي ليسري الجندي، بعيدا عن الخطاب الأيديولوجي، واستنطاق المعنى الظاهر والمباشر.

وبالرغم من محاولات إشراك عامة الشعب في النقاش، وفي الفعل الدرامي، فإن الإنجاز في أعمال الجندي المسرحية، وفق شريف صالح، ظل مرهونا على الدوام بالبطل المخلص، القادر على تصحيح علاقة الشعب بالسلطة. ودائما ما كانت تلك المحاولات تنتهي إلى الفشل، بسبب فرديتها، فالرهان على “بطل خارق” مُنتظَر، يضع الشعب غالبا في خانة المتلقي السلبي، والقابل للانخداع بأي وجه دكتاتوري يقدّم نفسه كبطل مخلص.

خطورة ومحاصرة

المسرح

يرى شريف صالح أن ثمة فجوة تتجلى بين المسرح وبين جمهوره، مشيرا إلى وجود مسرحين: أحدهما تجاري رائج نسبيا في دول مثل مصر والكويت، ومن تجسداته عروض فرقة “مسرح مصر” وأعمال طارق العلي في الكويت، وهي في المجمل تهدف إلى الربح والتسلية.

وفي المقابل، هناك مسرح آخر يكاد يقتصر على جمهور ضيق ونخبوي في المهرجانات المختلفة التي تحوّلت إلى غرف إنعاش لإبقاء المسرح العربي على قيد الحياة، كما في المهرجانات المتنوعة التي تقيمها الشارقة برعاية حاكمها الشيخ سلطان القاسمي، الكاتب المسرحي المعنيّ بنهضة المسرح، وغيرها من المؤتمرات “التي تشكّل متنفسا حقيقيا لضخ النبض في قلب المشهد المعتم”.

كما ثمة جانب آخر للأزمة يتمثل في إفساد البيروقراطية والرقابة العربية الصارمة للحركة المسرحية عموما، والتي أدّت إلى عزلتها وفصلها عن جمهورها، فالمسرح هو فن “هنا والآن”، فن التفاعل المباشر الحي، وبالتالي فهو أكثر الفنون ديمقراطية وارتباطا بمفهوم الحرية، ومن هنا منبع خطورته وسبب محاصرته.

وأوضح صالح لـ“العرب”، أن إقامته في الكويت أتاحت له مشاهدة عروض من مختلف الدول العربية، منها تجارب كثيرة جديرة بالاحترام مثل أعمال سليمان البسام وفيصل العميري وفرقة الجيل الواعي في الكويت، كما لمس عروضا لبنانية مميزة في مسرح الطفل، ويقول “لا أريد أن أبدو متشائما في تقييمي، لقد انتهى الزمن الذي كان فيه المسرح الفن الأول ووسيلة الترفيه الأولى”.

المسرح

ويدلل صالح على رأيه بأن أنوار مسارح عمادالدين القاهرية انطفأت منذ زمن بعيد، وتراجع مسرح الدولة القومي في مصر كثيرا عمّا كان في خمسينات وستينات القرن الماضي، قائلا “هناك على الرغم من ذلك أعمال لافتة تسطع من حين إلى آخر، مثل ‘الملك لير’ ليحيى الفخراني، وبعض التجارب الشبابية المتطورة جدّا، وفي أيدي الشباب الأمل وإمكانية التجديد وتجاوز الأزمة”.

لا يقرّر شريف صالح كتابة نص مسرحي أو قصة قصيرة بشكل واع، فالأمر يحدث لديه تلقائيّا وكأن الفكرة توجّهه لمسار وقالب كتابتها. وربما ميزة القصة القصيرة أنها خطاطة مكتوبة، ولا تتطلب أكثر من قارئ في مكان ما. هذا على عكس النص المسرحي، الذي يظل يشتهي التحوّل من خطاطة مكتوبة إلى عرض مرئي، بما يستدعيه ذلك من إخراج وممثلين وكلفة إنتاجية وخشبة مسرح.

وإذا كان صحيحا أن دور المؤلف ينتهي نسبيا بكتابة النص، وربما ينشره رغم محدودية نشر النصوص المسرحية، فإنه يظل أشبه بالجنين في الأحشاء، في انتظار أن تُضاء له أنوار المسرح، كي تدب فيه الحياة ويلتقي مع جمهوره.

ومن الإشكاليات الأخرى التي تحدّ من انتشار المسرح العربي، ذلك التأرجح بين الفصحى والعامية، فالعاميات العربية تمنح خصوصية إبداعية مهمة لكل عمل، لكنها تصبح خطرة عند الخروج إلى جمهور أوسع، فقد يعجز المتلقي المصري مثلا عن التواصل مع بعض العروض المغربية والسودانية، بينما قد لا يشعر بهذه المشكلة في العروض الفلسطينية والسورية. ولا يعرف على وجه الدقة كيف تُحلّ هذه الإشكالية، فهو من أنصار العامية المعبّرة عن الذات والهوية والخصوصية، وفي الوقت نفسه يدرك أنها قد تتحوّل إلى حاجز يمنع التواصل.

ويقول شريف صالح مختتما حديثه لـ“العرب”، “ربما يتطلب الأمر الاقتراب باللغة إلى مستوى مبسط من الفصحى، أو إيلاء الأداء الحركي دورا أكبر على حساب الحوار، كي يتمكّن المتفرج من الفهم”.

15