شريك حياة على الموضة

الأحد 2018/01/21

من الحقائق الصادمة على كوكبنا الذي خذله التطور الفاجع، أن البشرية قد بلغت الحدود القصوى للعجز عن حماية نفسها من أهوائها ، فما بلغته الانسانية من عبادة المال والماديات والمتع العاجلة ، جعلها تفقد القدرة على مواجهة المسيطرين ومقاومة الغيلان المنفلتة التي اطلقها العلم من جهة ، واستسلمت للتسونامي الاستهلاكي الذي يحول البشر والأشياء الى نفايات يمكن رميها واستبدالها بسواها.

لقد مسخ هوس الموضة ملايين البشر إلى وحوش متخصصة في انتاج القمامة ، وبسبب هيمنة طرز الذوق الحاكمة يتخلى الناس سنويا عن ملايين الأطنان من الثياب الصالحة للاستعمال ويسعون بنوع من النهم المرضي للحصول على الجديد من المنتجات وفي مقدمتها الثياب والادوات المنزلية والأثاث ومبتكرات الاجهزة الالكترونية ، وجراء هذا كله يعمل البشر ليل نهار لكسب المزيد من المال ليشبعوا جشع الاستهلاك الذي تغذيه أساليب الاعلان والترويج للسلع الجديدة فلا يتسنى لهم التمتع الحقيقي بأعمارهم المهدورة.

تتمحور ظاهرة الموضة المتسيدة على المجتمعات الاستهلاكية حول فكرة : أن مانشتريه اليوم شأن مؤقت وسنتخلص منه سريعا ليكون في عداد النفايات ، فنحن نغير ملابسنا بقصد التجديد وليس لكونها بالية أو لأنها ماعادت تناسبنا ، بل لأنها أصبحت خارج اشتراطات منظومة الموضة لهذا العام ، تلك الاشتراطات التي تتواطأ عليها شركات انتاج الثياب ومواد التجميل ودور الأزياء وينصاع لها التجار والمسوّقون والفنانون والمصممون ومصنعو الموبايلات ومزينو الشعر وتروج لهم الاعلانات المبهرة والعروض التشويقية المغرية .

فلايعود المرء في المجتمع الاستهلاكي قادرا على الظهور بملابسه القديمة بسبب الضغوط الهائلة التي تمارسها البرامج المتلفزة والمجتمع عابد المظاهر وترغمه على التماهى مع السلوك الجمعي، لينصهر في القطيع المتماثل الذي تمّ اخضاعه للنمط الذي تبتغيه السوق والسياسة وتفرضه معدلات الانتاج ، فيغدو الكائن روبوتا استهلاكيا مسيّرا يستبدل ممتلكاته كل آونة بالجديد المبهر، وينعكس هذا السلوك على نمط العلاقات الانسانية أيضا.

فالكائنات القلقة المهووسة بالاقتناء المفرط و الحصول على كل ماهو جديد في السوق، ستنعكس سلوكياتها الاستهلاكية على العلاقات الحميمة ، اذ تمكّنها الظروف المشوشة لعالم الاستهلاك من الحصول على العلاقات الجديدة بيسرٍ عن طريق الاعلانات التي تروج للمواعدة و تعرض الصفات المظهرية للنساء والرجال طالبي الرفقة : لون الشعر الطول والوزن والهوايات ، وبوسع المستهلك اختيار الشريك الذي يناسب رغباته الغرائزية ونزوعه الشكلي ، ولكن إلى أي مدى ستدوم تلك العلاقة طالما هناك امكانية الحصول على مايعتبره الأجمل او الأفضل كما في عروض السوق الالكترونية ومواقع التواصل ؟؟

في هذه الحالة يمكن استبدال الشريك - الانسان بقسوة باردة مثلما يستبدل للمرء سيارة عتيقة او جهاز موبايل عتيق الطراز ، فيختار شريكا جديدا له مواصفات مظهرية تناسب الموضة ، ويفضي هذا الى مضاعفة القلق من فقدان الشريك المعرض لغوايات السوق وتضطرب العلاقة التي تفتقر للألفة والحميمية التي يصعب العثور عليها لدى المعروضين بعضلاتهم المنتفخة وملابسهم الانيقة وتنهارالعلاقة الانسانية لافتقادها الى الحنو والدفء والرقة والعطاء اللامشروط .

وهكذا تحت ضغوط أخلاقيات السوق والمنافسة والنمط الاستهلاكي المفرط تتجه مجتمعات مابعد الحداثة الى القسوة والأنانية والفردية المنعزلة وعدم الاهتمام بمشاعرالاخرين ، فتتخطى موضوعة الإعلاء من قيمة الذات وكرامة الانسان التي تبنتها افكار التنوير و الحداثة وتتجه الى التعامل مع البشر القابلين للاستبدال باعتبارهم محض نفايات لاتلائم اشتراطات السوق ومغرياتها المتجددة وعروضها المتسارعة ، وتتهاوى القيم الانسانية لتفسح المجال للنفعية الروبوتية المجردة من كل قيمة.

كاتبة من العراق

10