شر البلية في "سيلفي"

الأربعاء 2015/07/15

تألق الفنان ناصر القصبي في عمله الرمضاني الحالي “سيلفي والهمّ خلفي”، فالفن تكمن جماليته في تحريك الساكن، وتشريح الكامن، وتجسيد الواقع بالخيال، وهذا ما فعله القصبي تماما.

لقد ضرب القصبي التطرف فأوجع، وقوة الفن، هنا، تحققت في أن ما أنجزه القصبي في أيام يوازي ما فعلته النخب لمحاربة التطرف في عقود.

قبل 11 عاماً، أجريت مقابلة مع ناصر القصبي عنوانها “حين يقوم التلفاز بتجديد الخطاب الديني” أستعيدها لفهم شخصيته وفكره.

قال القصبي “إنني أشفق على المتطرفين، ولا أتخذ منهم موقفاً شخصياً رغم هجماتهم الدائمة عليّ وعلى أعمالي، هناك حالة من الهياج تنتابهم كلما حاول أحد مراجعة الخطاب السائد أو الاقتراب منه، وإن كانت تلك المراجعة تستند إلى روح الإسلام”.

القصبي يؤكد أن المواجهة الأمنية من دون المواجهة الفكرية ستجعل أشواك الإرهاب تنبت من جديد، ويضيف “من نطق الشهادتين فهو أخي، أرى من الضرورة أن نتجاوز المذهبية إلى سماحة الإسلام ورحابة الوطنية، ولن يتم ذلك إلا بالتأكيد على حق التعددية والتنوع. علينا أن نقرأ الموروث الديني والثقافي قراءة مفتوحة مستقبلية، علينا أن نعلم أبناءنا منذ صغرهم احترام الرأي الآخر، ومعاملة المرأة من منظور إنساني، ونغرس فيهم قيم التسامح والسلام والحب”.

نضال الفنان ناصر القصبي ضد التطرف ليس جديداً، فقد كانت معاركه مع التيار المتشدد في مسلسله التاريخي “طاش” لا تنسى. من المؤكد أن القصبي لا يقصد الهجوم المؤدلج، لكن أغلب مشاكل العرب والمسلمين ـفي هذا الزمنـ تعود إلى التطرف والإرهاب.

في عمله الجديد “سيلفي” ناقش القصبي حالات “توبة الفنانين” في الحلقة الأولى، وهي قضية لها علاقة جوهرية بالتطرف. فالفكر الديني المتشدد يأخذ موقفاً عدائياً من الفنون، ونلاحظ أن التوبة من التطرف تظهر معها -غالباً- تحولات إيجابية من التائبين إزاء الفن. ولعل القضية أبعد من ذلك على المستوى الحضاري، فحين كان المسلمون سادة العالم كانت مكة والمدينة عاصمتين غنائيتين، كما كانتا عاصمتين دينيتين.

في المشهد الفقهي، الجدل حول الغناء عجيب، فليس في القرآن آية واحدة تحرّمه، وأحاديث التحريم مشكوك في صحتها، والموقف من النحت والرسم معروف أنه بسبب الشرك في حقبة زمنية معينة، وإذا زال السبب انتفت الحرمة.

قال الإمام الشعراوي في خواطره القرآنية “لا يمكن أن نقول إن الغناء كله حرام أو كله حلال، فالحكم يأتي على الأغنية جزئية جزئية، نبدأ بالكلام إن كان جميلاً فحلال، ثم ننتقل إلى اللحن وإلى الصوت”. والإمام محمد عبده أفتى بأنه لم تعد هناك حرمة للنحت والرسم، فالشعر رسم بالكلمات والرسم نظم باللون.

وفي التراث، موقف ابن حزم الإيجابي من الفنون يعرفه القاصي والداني، وأزيد، أن الإمام مالك احترف الغناء في مطلع شبابه، لكنه غيّر وجهته إلى الفقه بعدها لنصيحة والدته، وحين سمع جارية تغني كلاما جميلا وهو في أوج مشيخته قال “والله لو غنت في جوف الكعبة لجاز لها”.

معيار التطرف بسيط: الموقف من الفنون، والموقف من المرأة، والموقف من الآخر. لذلك، في حلقة أخرى بعنوان “إقلاع اضطراري” نسف مسلسل “سيلفي” مشروع الطائفية من جذوره، وبدت نهاية الحلقة مصداقاً لمقولة “يا أمة ضحكت من جهلها الأمم”.

فالمحقق استدعى الراكبين اللذين تشاجرا في الطائرة (أحدهما سني والآخر شيعي) وسألهما عن سبب الشجار، فقالا إنهما تشاجرا بسبب الحسين ويزيد اللذين غادرا الدنيا من 1400 عام، فأمر المحقق بإحالة الراكبين إلى مستشفى الأمراض العقلية.

ذكرتني هذه الخاتمة بقصة أوردها العالم الاجتماعي علي الوردي في كتاب له، اصطحب الوردي صديقاً أميركياً إلى حي يقطنه المسلمون في الولايات المتحدة، وبعد أن زارا تجمعاً للأهالي، سأل الأميركي صديقه الوردي “متى ستكون الانتخابات التي ستفصل بين عمر وعلي”، فأجاب الوردي ضاحكاً “ليس هناك انتخابات، لقد استشهد عمر ثم علي قبل 1400 سنة”، لكنه ضحك كالبكاء.

حلقات سيلفي عن تنظيم داعش، استطاعت إظهار وحشيته وتهافته وعمالته، مع النقد الذاتي الصريح للخطاب الديني السائد محليا، وقوة هذه الحلقات تكمن في أنها أبلغ من كل فتاوى الوعاظ ومقالات النخب وردود المحللين، وليس أدل على ذلك من جنون داعش بتكفير القصبي وإهدار دمه، فأتى تعامل داعش مع “سيلفي” مماثل، تماما، لتعامل جذورهم مع مسلسل القصبي السابق، طاش ما طاش. تلك هي قوة الفن في فضحه ونقده، والمتطرفون كلهم وجوه عملة واحدة.

لقد علق ناصر القصبي الجرس لأنه فنان بدرجة مثقف كبير، لذلك له كل التحايا وللمشرف على “سيلفي” الزميل خلف الحربي.

كاتب سعودي

9