شطارة عادل عبدالمهدي

النتيجة المتوقعة أن يؤسس قرارُ عادل عبدالمهدي من ميليشيات الحشد الشعبي جيشا آخر، ليس رديفا ولا مساعدا للجيش الرسمي العراقي، بل رقيب ومُسيِّر مسلّط عليه.
الخميس 2019/07/04
عادل عبدالمهدي أضفى الشرعية الحكومية على الحشد الشعبي لإحراج أميركا

إن المتداول عن عادل عبدالمهدي أنه تقلب في الأحزاب، وساح في التنظيمات، فأصبح شيوعيا مرة، وبعثيا مرة أخرى، ثم ارتمى أخيرا في أحضان آل الحكيم، وكرامات الولي الفقيه، بحثا عن هيبة أو ولاية أو رئاسة، حتى جاءه اليوم الموعود.

وخلافا لكل من سبقه في رئاسة وزراء العراق أثبت أنه أكثرُهم شطارة. فقد أتقن فن الزعامة، وأدرك أن أكثرها سلامة وديمومة يقتضي من الرئيس أن يبتسم للجميع، وأن يكون كالماء بلا لون ولا طعم ولا رائحة، وأن يمشي على البيض ولا يكسر منه واحدة.

ومنذ تنصيبه، بمباركة الحاج قاسم سليماني، لم يفعل شيئا لرعاياه العراقيين، بل فعل كل شيء أراده منه الإيرانيون. فلم تصادفه فرصة لتعميق الاحتلال الإيراني، وحماية ظهر دولة ولاية الفقيه، وتلميعها وتجميلها وستر عورات وكلائها العراقيين إلا واهتبلها تقربا زلفى من السيد المُطاع.

وها هو بفرمانه الأخير، يثبت أنه قادر على أن يأتي بما لم يستطعه رؤساء وزارات سابقون، وقد لا يفعله لاحقون، هذا إذا كان هناك أمل في أن تقوم للعراق قائمة، ويصبح دولة لها وزارة ولها رئيس.

للميليشيات كتل نيابية فاعلة متنفذة هي في حقيقتها الوصيّة والموجِّهة والمقرِّرة الحقيقية داخل البرلمان

وبدون لف أو دوران، إن العملية السياسية التي أجلسته على كرسي نوري السعيد وفاضل الجمالي وعبدالرحمن البزاز، ووضعت بين يديه مصير وطن وشعب، وهو لا يصلح لقيادة عنزتين، هي عملية فاشلة بامتياز، بل هي أصل المشكلة، بل هي المشكلة الحقيقية الوحيدة في حياة العراقيين اليوم، وفي حياة أجيالهم القادمة كذلك.

فلم يكن مفاجئا لأحدٍ منا فرمانُه الأخير الذي أمر فيه “الفصائل المسلحة” بالاندماج في القوات النظامية، وبأن يحمل أفرادها وقادتها الرتبَ العسكرية السائدة في الجيش، وأن يتخلوا عن التسميات التي كانت تستعملها ميليشياتهم خلال فترة الحرب على داعش، واستبدالها بـتسميات عسكرية (فرقة، لواء، فوج.. إلخ).

يعني أن كل ميليشيا ستصبح فرقة عسكرية ولها ألوية وأفواج وسرايا، رسميا، وبأمر السيد الرئيس. ولكن، وخلافا لكل من تفاءل بهذا القرار وظنه ترويضا للميليشيات، أو تركيعا لها، أو تقليما لأظافرها من أجل استعادة هيبة الدولة وتعزيز سلطتها، ينبغي البحث والتدقيق في المُخبَّأ من أهدافه ومراميه.

فقط، تذكروا، أيها العراقيون، حقيقةً مرة أثبتها الزمن خلاصتها أنْ لا أحد، نعم لا أحد، من فرسان العملية السياسية القائمة منذ الغزو الأميركي وحتى اليوم، يجرؤ على مشاكسة إيران، فيقرر إلغاء القوة الوحيدة التي تسهر على سلامتها وتحرسها وتخبئها لأيام الشدة، خصوصا وأن أكثر من قائد عسكري ومدني إيراني جاهر بأهمية الحشد الشعبي وسلاحه و”مجاهديه” في معارك محتملة مع الخصوم والأعداء المتربصين الكثيرين، وكثيرا ما أطلق عليه أكثر من واحد منهم تسمية “الحرس الثوري” العراقي.

وطبعا، وبكل تأكيد، ليس معقولا ولا متوقعا أن تأتمر منظمة بدر، وكتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، ولواء أبوالفضل العباس التابع لها، ولواء الشباب الرسالي، وكتائب مالك الأشتر، وكتائب التيار الرسالي، ولواء المؤمل لحماية المقدسات في العراق وسوريا، وفرقة العباس القتالية للدفاع عن المقدسات في العراق، ولواء المنتظر وكتائب رجال الله الغالبون، وأنصار الله الأوفياء، بأوامر غير قادتها الحقيقيين المحروسين بعيون سليماني وأعوانه المجاهدين.

وإما جاهلٌ أو مزوِّرٌ من يتوقع أن يؤدي حامل الجنسية الإيرانية، أبومهدي المهندس، التحية العسكرية، ذات يوم، لضابطٍ أعلى منه رتبة في الجيش العراقي، أو لوزير الدفاع، أو حتى للقائد العام للقوات المسلحة، وهو الذي ظهر في فيلم وثائقي على التلفزيون الإيراني، مرة، وقال، بلغة فارسية بليغة، إنه يفخر بكونه جنديّا لدى الجنرال قاسم سليماني، معتبرًا ذلك “نعمة إلهية”.

العملية السياسية التي أجلست عادل عبدالمهدي على كرسي نوري السعيد وفاضل الجمالي وعبدالرحمن البزاز، ووضعت بين يديه مصير وطن وشعب، وهو لا يصلح لقيادة عنزتين

ولعل أقرب ما يتبادر إلى الذهن أن عادل عبدالمهدي أصدر قراره بأوامر سليماني نفسه، تحقيقا لهدفين. الأول تهدئة خواطر العراقيين وتنفيس نقمتهم على الميليشيات، بعد أن بلغ السيل الزبى في فسادها وتعدياتها وعمالتها المفضوحة. والثاني إضفاء الشرعية الحكومية على الحشد لإحراج أميركا التي تعتبره أداةً إيرانية وتحسب تصرفاته العدائية ضد مصالحها تحرشاتٍ إيرانية رسمية بأدوات عراقية.

والنتيجة المتوقعة أن يؤسس قرارُ عادل عبدالمهدي من ميليشيات الحشد الشعبي جيشا آخر، ليس رديفا، ولا مساعدا للجيش الرسمي العراقي، بل رقيب ومُسيِّر مسلّط عليه، أقوى منه، وأفضل تسليحا، وأكثر هيبة وهيمنة، وأقل احتراما والتزاما بأنظمته المهنية العسكرية التراتبية المتوارثة. وسوف يكون كل ما قد يقوم به الجيش الجديد، في المستقبل، من عمليات عسكرية ونشاطات ميدانية عملا عراقيا حكوميا رسميا، وليس ميليشياويا، وبالتالي فلن يخضع لحساب أو كتاب.

هذا مع العلم بأن لهذه الميليشيات كتلا نيابية فاعلة متنفذة هي في حقيقتها الوصيّة والموجِّهة والمقرِّرة الحقيقية داخل البرلمان. وختاما، أطالب باستفتاء جماهيري عام مباشر على رئيس الوزراء، بعد هذا الفرمان اللئيم الخبيث، وسأحني رأسي له، احتراما وعرفانا، لو حصل على مئة عراقي وطني شريف يوافقون على أن يكونوا مواطنين في دولةٍ قائدُها ومسيّرُ شؤونها والقائد العام لقواتها المسلحة عادل عبدالمهدي، لا لأيام، بل حتى لساعات.

8