شطرنج الماء

مع أننا نواجه صعوبة في التعلّم من التاريخ، نحن أيضًا لا نريد أن نتعلّم. نرفض ذلك ونعانده. ومن دون الوعي الكافي ستُهدَر الإمكانات مثلها مثل المياه التي تغور في رمالنا كل يوم ونحن نبتسم.
الجمعة 2020/07/17
لا ينكر أحد حق أي بلد في تنمية ترابه وتحقيق مصالح شعبه

رغم مضي ساعات قليلة على إعلان الوزير الإثيوبي سيلشي بقلي، البدء بملء سد النهضة على منبع النيل الأزرق، وهو أمر سنرى نتائجه أسرع مما نتوقع، كما رأيناها على دجلة والفرات خلال العقود الماضية، إلا أن إثيوبيا عادت ونفت قيامها بذلك دون موافقة مصر والسودان. وجاء النفي على لسان الوزير الإثيوبي ذاته، رغم أن صور الأقمار الصناعية الدولية رصدت ارتفاعًا واضحًا في منسوب الماء في السد.

قصة معقدة. لا تشتغل فيها لغة العواطف والفلسفات، إذ لا ينكر أحد حق أي بلد في تنمية ترابه وتحقيق مصالح شعبه، وهذا من حق إثيوبيا مثلها مثل غيرها. لكن الواقع أبعد. إنه شطرنج مصالح حقيقي قد لا يكون العرب أفضل لاعبيه في هذه الأيام. ومع أننا نواجه صعوبة في التعلّم من التاريخ، نحن أيضًا لا نريد أن نتعلّم. نرفض ذلك ونعانده. ومن دون الوعي الكافي ستُهدَر الإمكانات مثلها مثل المياه التي تغور في رمالنا كل يوم ونحن نبتسم.

كانت دمشق قبل 115عامًا تشرب مياهًا شحّت، وقد زاد عدد سكانها بفعل كونها مدينة مهاجرين تستقبل الوافدين من أنحاء العالم باستمرار. حينها اجتمع رئيس بلدية المدينة العربي عطا باشا البكري مع الوالي التركي، حسين ناظم باشا، الذي كان قد قرر جرّ مياه نبع الفيجة من الريف إلى دمشق. أخبر البكري باشا الوالي أن خزينة البلدية فيها 3 آلاف ذهبة فقط، وهذا لا يكفي لتنفيذ المشروع الذي ستتجاوز كلفته 40 ألفًا. وبالطبع قادت العقلية التركية الصارمة الوالي إلى أن الحل يكون بفرض ضريبة على الناس كلهم عند شرائهم الخبز، من أجل تمويل المشروع أسوة بما فعله السلطان عبدالحميد الذي فرض ضريبة على كل من يشتري اللحم لتمويل معهد الطب في دمشق، فوافق المفتي وحاشية الوالي على الفور، كالعادة.

لكن البكري باشا قال بدهائه المعهود ”يا جناب الوالي. أتريدون أن يدفعها الفقراء؟ اجعلوها على الكاز. لأن الفقير يُشعل ضوءًا واحدًا والغني يُشعل أضواء كثيرةً، فيكون أخذُها هكذا من جيوب الأغنياء لا من جيوب الفقراء“. ولم يجد الوالي بُدّا من الموافقة. وتم جر المياه وتوزيعها على شبكة من ”السُبُل“.

هو الشطرنج ذاته. وفي زمن البكري كان أهل الشام يلعبون تلك اللعبة الذهنية، وكانوا يستعملون تعبيرا طريفا يدعونه ”الدبدبة“ يشير إلى سلوك الجالسين المتفرجين على لعبة الشطرنج، والذين كانوا ”يدبدبون“ ويلمّحون لأحد اللاعبَين ناصحين إياه بإشارات مختلسة من أعينهم تساعده كي يهزم خصمه، لكنهم حين يلعبون بأنفسهم ينسون تلك النصائح ويعجزون عن اتخاذ أي قرار بنقلات ذكية، إلى أن يقال لهم ”كش مات“.

24