شطط الواعظين

اليوم ليس من الشجاعة أن يثرثر الواعظون طلبا لأنماط سلوك فوق طاقة البشر، بل الشجاعة في هجاء من يعذبون الناس ويقتلونهم، ويستبدون!
الأحد 2018/06/24
قتل المسلمين وغير المسلمين بجريرة وجودهم

يتحاشى الواعظون من فوق المنابر، المجيء على ذِكر ما قاله النبي محمد عليه السلام، والخلفاء الراشدون، وعديدون من بينهم أبوذر الغفاري، في سياق التأسي على حال المسلمين من بعدهم. فكأن النبي والأولين من ثاقبي الرؤية، قد أطلوا على حالنا اليوم فوصفوه، دونما حرج أو حذر في انتقاء الألفاظ.

الواعظون المتطلبون، وهم يتحدثون عن السلف الصالح، يجعلون كل الأسلاف صالحين، فيختلقون بمروياتهم الناقصة، عن الأسلاف، أنماطا من السلوك فوق متناول البشر، علما وأن الإنسانَ إنسانٌ، في كل العصور، يخطئ ويُصيب!

في اللغة وفي أحاديث الجنس، يتكتم الواعظون، على ألفاظ اعتبروها خادشة للحياء، وزرعوا في الوعي الجمعي استحياء من نطقها. ففي اللغة، كانت الأسماء الخمسة، ستة في الأصل، فجعلوها خمسة، وقصوا السادس، علما وأن هذا الأخير، هو مشتل الجنس الإنساني ولم يكن يخدش حياء الأولين. ففي ألفية ابن مالك ومنظومته اللغوية والنحوية، جاء في محاولة تعريف الأسماء التي كانت ستة، أن سادسها هنٌ و”النقص في هذا الأخير أحَسنٌ” حسب مالك!

شطط المسلمين وتردي أحوالهم وتفاقم مباذلهم، كانت متوقعة. فقد كان رسول الله، قد أطلق صيحته الشهيرة بأن “الإسلام سيرجع غريبا كما بدأ أول مرة وقال لأصحابه بأن المسلمين “سيتّبعون سنن من كان قبلهم، حذو النعل للنعل”. وما الذي كان قبلهم غير العصبيات والتقاتل والظواهر الضالة كالإرهاب الكافر والاستبداد الفاجر؟

الفاروق عمر، أدرك مبكرا، أن الإسلام مقبلٌ على النزول كسائر الدول، تُجبى لها الأموال، وتُحشد في سبيلها الجنود، وتضرب من أجلها السياط على ظهور خلق الله! ويُروى أن ابن الخطّاب، كان عائدا من الشام، فرأى قوما أُقيموا في الشمس، يُصَبُ الزيت على رؤوسهم. سأل عنهم فقيل له “عليهم الجزية لم يؤدوها، فهم يُعَذبون حتى يؤدوها” فعاد يسأل “ماذا يقولون هم وما يعتذرون به؟”. جاءته الإجابة “يقولون لم نجد” صرخ قائلا “دعوهم لا تكلفوهم ما لا يطيقون. فقد سمعت رسول الله يقول: لا تعذبوا الناس، فإن من يعذبون الناس في الدنيا، يعذبهم الله في الآخرة”.

كان الخليفة يتحدث عن الناس وليس عن المسلمين، فماذا كان سيقول، عن قتل المسلمين وغير المسلمين أو تعذيبهم، ليس بجريرة آرائهم وحسب، وإنما كذلك بجريرة وجودهم نفسه أو مصادفة مرورهم كعابري سبيل.

اليوم ليس من الشجاعة أن يثرثر الواعظون طلبا لأنماط سلوك فوق طاقة البشر، بل الشجاعة في هجاء من يعذبون الناس ويقتلونهم، ويستبدون!

24