شظايا.. " العياط " رئيسا لوزراء تركيا

الخميس 2014/01/02

شظية أولى

لوهلة خطر لي أن “العيّاط” قد اعتلى رئاسة الوزراء التركية وأنا أستمع إلى خطاب الخليفة المزعوم، خاصة ونحن نستمع إلى أردوغان وهو يتحدث عن «عاشور بتاع الشرقية» في نسخته التركية. لأول مرة أرى أردوغان وقد فقد بوصلة الخطاب وافتقد القدرة على تركيز خطابه بعيداً عن نظريات المؤامرة على حزبه. مؤامرة مزعومة كشفت عن وجود ملايين الدولارات نقداً في خزائن المسؤولين في حكومته بل وفي علب الأحذية. وبالطبع تسجيلات المحادثات الهاتفية والتحقيقات التي طالت العشرات من المقربين منه بمن فيهم ابنه وأبناء ثلاثة وزراء في حكومته. هذه لم يذكرها بالطبع.

“عيّاط “تركيا لم يستطع أن يتخلص من منهج استغفال الشعب التركي، وبالطبع ممارسة المزيد من التسطيح للعقلية العربية المخدوعة به أو تلك التي بايعته خليفة عليها. هذا المنهج يتسيّد آليات عمل التنظيم الدولي أينما حل. ولنأخذ جولة في آليات الاستغفال والتسطيح العجيبة. قالت صحيفة صباح التركية الخميس الماضي إن الولايات المتحدة تريد إضعاف تركيا لأنها أصبحت قوية ومستقلة، ودللت على استقلالها بالموقف التركي الرافض للعقوبات على طهران. قد تؤثر هذه المقولة على بعض الأتراك، ولكن الغريب أن يتلقف جزءها الأول رفاقه ولا يلتفتون إلى جزئها الثاني أو لعل بصائرهم قد غشاها ما غشاها. لم يتوقف الأمر هنا فلابد من البحث عن إجابة تقنع من يتساءل عن مصير التحالف التركي الأميركي المستمر منذ عقود، لذلك نجد كاتبة مثل “كارن كينار” تؤكد على محبة تركيا لأوباما (ويحق لها ذلك دون شك) لكن مشكلة تركيا، حسب زعمها، هي مع المحافظين الجدد. يبدو أن الإعلام التركي لا يتوانى عن تأكيد هذا المنهج فيعيد إلى الأذهان العرض الدعائي الإعلاني لأردوغان في ملتقى «دافوس» ويضعه كسبب أمام مشاركة إسرائيلية في المؤامرة ضد تركيا، وكأنها لم تعتذر عن تصرف رئيس وزرائها ولم ترحب إسرائيل بذلك الاعتذار. ولا شك فلابد لوسائل الإعلام التركية الأردوغانية من تبرير عمليات تهريب الذهب والصفقات النفطية مع إيران رغم العقوبات، بأنه نوع من الالتفاف عليها وهو ما جمع إسرائيل وأميركا ضد الخليفة التركي رغم متانة علاقات الدول الثلاث (أميركا وإسرائيل وإيران) بتركيا. ولا بأس أيضا من اتهام الجيش التركي بطريقة غير مباشرة ولم يفت عليه في مسيرة العياط أن يتهم القضاء التركي بالتآمر. وتتوالى الاتهامات وتضيع بوصلة أردوغان ويتخبط هنا وهناك، ولا يريد أن يذكر حقيقة واحدة تكمن في أنه من شدة انغماسه في عالمنا العربي نسي أن حكومته تعمل في إطار علماني تعتبر القضاء أساس بناء الدول وتنظر إلى الفساد على أنه أداة تدميرها، ولن تتهاون في المحافظة على هذه الرؤية وتطبيقها حتى لو أدى الأمر إلى إسقاطه ومحاكمته. وما زال أردوغان يعتقد أنه يخاطب أعضاء التنظيم الدولي وليس الدولة التركية وشعبها وهو يتحدث عن إنجازات هي في حقيقتها نتيجة استثمارات خارجية دعمته فيها الدول التي يتهمها الآن بالتآمر.

شظية ثانية

الدبلوماسية العامة تقتضي تخصيص بند مفتوح للصرف على كل ما يصب في مصلحة الدولة. هذه حقيقة معمول بها في كل الدول التي تمتلك إمكانات لذلك. وهي حقيقة معروفة لكل من يتعامل مع الشؤون السياسية. قد نجد العذر للعامة، ولكن كيف نستطيع إيجاده لمن يتحدث في العلاقات الدولية والمصالح العليا على مدار الساعة.

الآن، سأستغرب بشدة أن أقرأ لعدد ليس بالبسيط من النشطاء في ساحات التواصل الاجتماعي انتقادات أو سخرية من صرف الدولة السعودية من هذا البند. قرأت مثلاً قول أحدهم إن الحكومة استغلت انشغال الشعب بمباراة للمتصدر لتقدم ثلاثة مليارات للرئيس الفلاني ورئيس وزرائه وإلخ. بصرف النظر عن هذا المتصدر الذي لا تضمه قوائم الأندية حسب معرفتي الضئيلة في هذا الشأن الكروي، إلا أن محاولات السخرية من بعض الإجراءات التي تصب في خانة المصالح العليا للوطن هي ما يثير العديد من علامات التعجب. لم يقف الأمر عند السخرية بل تجاوزه إلى مغالطة سياسية تجعل درجة الشك في هدف صاحب المقولة يرتفع. غير هذا كثير أمثاله. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو لماذا لم يذكر هؤلاء أن سبب تقديم معونة لحكومة عربية كلبنان مثلاً إنما يراد منه تقويتها للوقوف في وجه دويلة الشيطان الإيرانية في الداخل اللبناني، والحفاظ على استقرار جزء من وطننا العربي يريد البعض أن يعيده إلى أتون الحرب الأهلية؟ أم إنهم يحاولون إخفاء هذه الحقيقة لأن جل اهتمامهم هو توجيه الدعم والمعونة إلى تنظيمات معينة أو إلى دول كداعش مثلاً، أقول ربما.

شظية ثالثة

حينما توجه إلى الحدود مع العراق استجابة لتحريض والده للآخرين، كان مؤمناً حينها بذلك التحريض. وحينما أعادته السلطات بعد مناشدة والده لإعادته لابد أنه جلس معه وتحدثا طويلاً. ولابد أنه قد اكتشف الكثير والكثير. رأيناه لاحقاً في الولايات المتحدة التي كان يريد الجهاد ضدها. رأيناه ورأينا إخوته في دول الغرب الكافر الذي كان يخطط ذات يوم أن يفنيهم عن بكرة أبيهم في بغداد الرشيد. لكن ومنذ ذلك الحين استمر والده في التحريض وأبناء الناس يلقون بأنفسهم في أتون معارك ليست لهم. وبعد سنوات وأثناء توجهه إلى أتلانتا للاحتفال أو ربما لقضاء إجازة الكريسماس، تساءلت ألم يكن بإمكانه الاحتفال في الولاية التي كان فيها؟ لم أحاول معرفة السبب ولا يعنيني ذلك. الذي يهم هو أنه في طريقه إلى هناك أو ربما بعد وصوله بقليل أو لعله أثناء قيادته لسيارته الفارهة استخدم التقنية الحديثة المحرّمة في داعش وضواحيها لإرسال مقالته إلى صحيفة سعودية عما أسماه الفاشية اللادينية. هنا يمكننا أن نستنتج بعض ما دار في محادثة الابن وأبيه بعد إعادته من الحدود. المقالة توضح أنه غرّ متخبط في المفاهيم كما في المضامين، ولكنه بدأ يتقن تهويمات والده ومغالطاته وتحريضه المبطن وسيتقن المعلن لاحقاً. البدء في اتقان الدور واستغلال هامش الحرية المتاح لنشر محاولاته التحريضية المبطنة يشير إلى الهدف السامي الذي تسعى خلفه هذه العينات: القيادة والثروة حتى ولو كان ذلك، مستقبلاً، على حساب أرواح غضة ما زالت في بداية حياتها. المشكلة أن الدولة ترعاه وتغذيه وتسمنه ليعود إليها أشد وأعتى من والده، فسوف يتقن اللعبة مبكراً عكس سلفه الذي أتقنها متأخراً.

فاصلة

قد لا تعتب على شاب تحمس لانجازات أردوغانية ليست له في واقعها إنما لدول تقع الآن تحت نيران اتهاماته. ولن تعتب على من كان بعيداً عن مفاهيم الدبلوماسية وتأثر بما يراه من دعم لبعض الدول. ولن تعتب على شاب تأثر بآخر لكنك ولاشك ستصاب بنوبة ضحك وأنت ترى بعض من تجاوز سن الرشد قد انساق كفاقد الرشد لتأييد رئيس أجنبي أو ترديد مقولات غير صحيحة أو الترويج لذيل أفعى. إنه ضحكٌ تسبب فيه حجم المُصاب في مجتمع بالكاد يستطيع أن يتنفس من وطأة الخطاب التحريضي.

كاتب سعودي

8