شعار "إقصاء نيجيريا للمسلمين" حق يراد به باطل

أمام ما تمثله منطقة أفريقيا جنوب الصحراء من خطر متنامي في تفريخ واحتضان الجماعات الجهادية، فإن التمعن في الأنظمة السياسية والاجتماعية لتلك المنطقة يعد مدخلا مهما لفهم كيفية نمو جماعات الإسلام الحركي ولعبها على ثغرات تمكنها من تبرير وجودها داخل النسيج المجتمعي. ولعل المشكل الذي تعيشه نيجيريا اليوم المتمثل في عدم المساواة بين مواطنيها المسلمين والمسيحيين يندرج في إطار تأمل كيفية نشوء وتطور تلك الجماعات الجهادية.
الاثنين 2016/03/28
الحلول ليست دائما أمنية

أشاعت حركة بوكو حرام المتطرفة عن مدن شمال نيجيريا صورة سلبية جدا في منطقة الساحل والصحراء الأفريقية، خاصة بالنسبة للأجهزة الأمنية للدول المحيطة بتلك المنطقة. فقد أصبحت صورة سكان مدينة بورنو الشمالية مثلا، تختصر التطرف والتعصب اللذين تتبناهما تلك الجماعة الإسلامية المسلحة، بالرغم من أن المدنيين هم أول ضحايا إرهاب تلك الجماعة على الإطلاق. ولعل اختطاف الطالبات في مدرسة مدينة بورنو سنة 2014 يعد أبرز دليل على ذلك.

لكن نقاش مشكل تغلغل الخلايا الإسلامية المتشددة في المجتمع النيجيري لا يمكن أن يستقيم من خلال المقاربة الجغرافيةـ السكانية للبلاد فقط، بقدر ما تمثله سطوة الدين على المؤسسات الحساسة والكبرى لنيجيريا كمدخل رئيسي ومفتاح لفهم بقاء الحركات المتطرفة والطائفية كلّ هذا الوقت في دولة تعتبر من أغنى الدول الأفريقية من ناحية الثروات الباطنية.

للوهلة الأولى يذهب في اعتقاد بعض الباحثين في مجال الجماعات الإسلامية أن الأغلبية الساحقة من عدد السكان في نيجيريا غير مسلمين، رغم أن الواقع عكس ذلك. هذا الاعتقاد مرده أن مفاتيح السلطة في مستواها التنفيذي الفعلي، أين تركز الثروات والمصانع والبنوك والمراكز الحساسة للاقتصاد النيجيري، تقع بين أيدي أتباع أديان أخرى. ولئن سعت بعض الجماعات الإسلامية إلى التركيز على هذه الحقيقة لاصطناع مظلومية داخل الدولة النيجيرية والبحث عن مبررات للتواجد في شكل أحزاب إسلامية، إلا أن ضرورة تغيير هذا النظام وإعادة توزيع الثروة الوطنية على المواطنين دون تمييز ديني أصبحت اليوم ضرورة حساسة داخل دواليب الدولة النيجيرية.

تسعى الجماعات الإسلامية بشكل عام إلى الانتشار داخل أجهزة الدولة بأي ثمن، وهي المرحلة الأساسية من مراحل التمكين التي تحدثت عنها أدبيات جماعة الإخوان المسلمين الأم في مصر منذ بداياتها المبكرة. ومن خلال هذا الإطار الأيديولوجي الذي وضعه المنظرون الأولون للإسلام السياسي، تعتمد الحركات الإسلامية المتطرفة في نيجيريا (بشقيها السني والشيعي) أسلوب النفاذ إلى الدولة واختراق مؤسساتها والعمل على تفريخ التطرف ونشر عقيدة الإسلام السياسي داخلها. وتستغل تلك الحركات المظلومية التي تروج لها وهي أن المسلمين في الدولة النيجيرية يتم إقصاؤهم من السلطة والمشاركة في إدارة البلاد رغم أنهم الأكثرية السكانية.

وبالرغم من أن رئيس الجمهورية في نيجيريا من معتنقي الإسلام، إلا أن الإدارة العامة للبلاد تمتلكها الأقلية المسيحية. والمشكل في هذا السياق لا يكمن في تصنيف مستويات القوة في البلاد على أساس الديانة بقدر ما يكمن الإشكال في إعطاء “تبرير” للإسلاميين للتعبير عن سخطهم وإيجاد مادة قوية للخطاب السياسي (المغلف بالدين) الذي يروّج بين الناس.

عدالة الدولة وتجرد مؤسساتها من الميل إلى دين أو طائفة ما، يعدان المفتاح الرئيسي لحصار التشدد الإسلامي

إن الارتكاز الأساسي الذي تنطلق منه جماعة بوكو حرام الإرهابية في تبرير عملياتها الإجرامية باسم الإسلام هو أن التعليم مثلا في نيجيريا “ليس بالتعليم الإسلامي” حسب ادعائها. وهذا إذا نوقش من وجهة نظر سياسية رسمية فالأمر صحيح، دون أن يكون مبررا غير مباشر لإيجاد جماعة إجرامية مثل بوكو حرام تدّعي أن التعليم على الطريقة العصرية حرام، أو أن ذهاب البنات إلى الدراسة أمر محرم في الإسلام. إذ تقول الإحصاءات إن أكثر من 60 جامعة في نيجيريا هي على ملك مسيحيين، أما المسلمون فلا يملكون سوى 6 جامعات فقط تدرس المواد الدينية بالأساس.

عدم الانسجام بين النيجيريين المسيحيين والمسلمين مردّه في حقيقة الأمر عدم التوازن في مسك ثروات الدولة. ولا يمكن في هذا السياق الحديث عن مقاومة فعلية للإرهاب في نيجيريا دون أن تكون للمسؤولين استراتيجية في إصلاح هذا الخلل، فعدالة الدولة وتجرّد مؤسساتها من الميل إلى دين أو طائفة ما، يعدّان المفتاح الرئيسي لحصر الإرهاب في زاوية واضحة للرأي العام الداخلي والخارجي وتجريمه بشكل مباشر. فالأصل عند مقاومة الإسلام السياسي بكل أنواعه هو الدفاع عن تجرّد الدولة كمؤسسة من الارتهان الديني أو الطائفي.

في مستوى آخر، تسعى القوة الإسلامية السياسية الشيعية في نيجيريا إلى اتباع طريقة التفكير ذاتها التي تفكر بها بوكو حرام. والحديث هنا يخص الحركة الإسلامية في نيجيريا والتي تسميها إيران بـ”حزب الله النيجيري” الذي يقوده إبراهيم الزكزاكي الذي تجمعه علاقة قوية مع الحرس الثوري الإيراني الذي تقول عنه تقارير إنه مسؤول عن تدريب ميليشيات الزكزاكي المسلحة والتي تستهدف الدولة في أكثر من مستوى. وقد بدأ الزعيم الشيعي إبراهيم الزكزاكي في حمل السلاح ضد القوات العسكرية النيجيرية لأول مرة سنة 2009 في مدينة زاريا معقل جماعته المتطرفة.

ويقود إبراهيم الزكزاكي بالتنسيق مع السفارة الإيرانية في نيجيريا حملة إعلامية ضد الدولة منذ سنوات تقوم على مقولة “ظلم الدولة للمسلمين وإقصائهم من المشاركة في السلطة والتمتع بالثروة الوطنية”. ولئن حمل هذا الشعار في سياق “حق أريد به باطل” لكنه يضع الدولة النيجيرية اليوم أمام التحدي الحقيقي والرئيسي وهو المساواة والعدالة بين النيجيريين على أساس المواطنة وليس الانتماء الديني، وهذا ما سيساهم وبسرعة في القضاء على الإسلام الحركي في البلاد.

13