شعبان متصارعان في دولة واحدة

الخميس 2013/10/31

توالت أحداث ثلاثة في الأسابيع القليلة الماضية تجمع بينها المرجعية السياسية والصفة الطائفية للمصابين:

الأول، كارثة العبّارة الأندونيسية الحاملة لمواطنين من شمال لبنان في طريقهم للدخول خلسة إلى الأراضي الاسترالية طمعاً بلقمة عيش ومستقبل أفضل. أدّت هذه الكارثة إلى وفاة 45 ضحية وفقدان 34 آخرين يجري التحقيق بأصولهم الطبية بين جثث الضحايا الباقية على أرض الكارثة.

الحدث الثاني هو انفجار سيارتين مفخختين أمام مسجدي التقوى والسلام في طرابلس ساعة صلاة الجمعة، أدّى إلى مقتل 51 شخصاً وخمسمائة جريح وحجم من الأضرار لم يحص بعد بشكل موثّق في محيط المسجدين.

أما الحدث الثالث فهو صدور قرار اتهامي جديد عن المحكمة الدولية بحق «حسن مرعي»، الخامس من المتهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري مع إشارة في القرار بانتسابه إلى حزب الله، وذلك بعد تعيين أمين عام حزب الله الأربعة الأول من المتهمين برتبة «قديسين».

كشفت هذه الأحداث الثلاثة التي وقعت على أهل السنّة من اللبنانيين في وقت متقارب، عن التباس سياسي وشخصي وحتى إنساني غير مسبوق عندهم.

لم يظهر على أهالي ضحايا العبّارة الإندونيسية من العكّاريين إلا اللوعة لمعرفة مصير من لم يظهر من أولادهم بينما يتم دفن الضحايا بهدوء المؤمن بقدره وقضائه، من دون فجور ولا اتهامات ولا تصرّفات تعتمد العنف في تذكير الدولة بواجباتها الآنية بمتابعة تفاصيل الرحلة الطويلة التي بدأت من مطار رفيق الحريري في بيروت وصولاً إلى حيث أصبح أولادهم طعاماً للسمك في البحر الأندونيسي. في الوقت الذي كان التسامح أو ربما التجاهل هو عنوان محاسبة الدولة المقصّرة لعقود من الزمن بحق منطقة عكّار والتي لا يمكن وصفها إلّا بـ»المنكوبة».

أما في المدينة العريقة في تاريخها وملامحها طرابلس، فقد صار انفجار السيارتين وما نتج عنهما حدثاً من الماضي بعد أيام من دفن الضحايا ومعالجة المصابين في المستشفيات بعيداً عن تحميل دولة- لا تسمعهم- المسؤولية عن مواطنين أبرياء يتعرّضون إلى القتل بمختلف أنواعه منذ سنوات. ولولا الإدانة المؤكدة لأفراد من التنظيم الأمني السوري في جبل محسن بالتفجير وما تبعها من استفزاز حاد للطرابلسيين لما اشتعلت خطوط التماس في المدينة.

شيّع أهالي الريف الشمالي والمدينة ضحاياهم بهدوء، وكأنهم ضيوف على الأرض التي يعيشون عليها وليس لهم من يعودون إليه في قضاياهم أحياء وأموات أيضاً، وكأن دماءهم شلال من الماء ليس له لون الدم نفسه للمواطنين من منطقة أخرى أو طائفة أخرى. كذلك، تجاوز رد الفعل على صدور القرار الظني بحق متهم خامس باغتيال الرئيس الحريري ما كان متوقّعاً، إلى حد الصمت المطبق باعتبار أنه من اليوميات السياسية التي لا تستأهل التعليق عليها.

المفارقة الإضافية أن لأهل السنّة الآن أربع رؤساء وزارات خارج دائرة القرار. الأول ممنوع من العودة إلى بلده تحسبا من اغتياله بعد اغتيال والده. والثاني ممنوع من التأليف بعد تكليفه وكأن سيرة والده مع النظام السوري عادت إلى الحياة. والثالث ممنوع من التكليف معاقبة له على تشكيل المحكمة الدولية. أما الرابع فمنتحل صفة تمثيل بيئته السياسية منذ اللحظة الأولى لتكليفه حتى قيامه بتصريف أعمال سياسة النظام السوري في لبنان. من هنا الالتباس الذي يعيشه أهل السنّة اللبنانيين في دورهم وفي قدرتهم، وفي تصوّرهم للمستقبل، منذ اللحظة التي انحرف فيها الرئيس ميقاتي عن إجماع بيئته السياسية لصالح خصومهم قبل أقل من ثلاث سنوات. بعد تراكمات من قهر بدأ باغتيال الرئيس رفيق الحريري ولم ينته حتى الآن.

فهم- أي أهل السنة- بطبيعتهم التاريخية ليسوا أهل اعتداء على الآخرين مهما بلغوا من القوة، وهي عنصر غاب عنهم منذ عشرات السنوات بفضل الوصاية السورية إلا في فترات متقطّعة أيام الرئيس الحريري الوالد.

ولا هم يتقنون فنون المظلومية المعتمدة على عنوان الأقليات، مستنجدة بقوى خارجية تعطف على ضعفها وقلّة عددها لأن المسألة تتعلّق «بالوجود المادي» لأهل هذه المظلومية قبل البحث عن دور مطمئن لها في النظام السياسي.

من البساطة القول أن تراكم أخطاء الإدارة السياسية لهذا الفريق، والانكفاء السعودي المادي والمعنوي عنها، والغياب الطويل لوارث زعامتهم عن البلد، هي الأسباب التي أدّت إلى تراجع الجزء الأكبر من القدرة على المقاومة.

المشكلة أعمق من ذلك بكثير. ففي ظل تخلّ دولي وغياب عربي كامل غير منقوص، تأخذهم التطوّرات إلى مواجهة غير متكافئة مع احتلال إيراني مذهبي بأولاده الشرعيين للدولة في لبنان، تزامناً مع إطباق الاحتلال الإيراني على الأراضي والأرواح السورية.

ألم يحقق التدخّل العسكري لحزب الله في سوريا نظرية أننا شعبَين «متصارعَين» في دولة واحدة؟

لن يطول هذا الالتباس. بانتظار دولة لا تلوح في الأفق، كثير من أهل السنّة القابضين على الأرض سينقلبون على صفتهم التاريخية لصالح «أهل النصرة» الممسكين بالتاريخ، وسيذهب المعتدلون أو ما تبقّى منهم، إلى منازلهم. ومن يعش يرَ.


كاتب وسياسي لبناني

9