شعبان يوسف يستعيد وجوه فتحي غانم الأخرى

حسنا فعل القائمون على مؤتمر الرواية الأخير الذي أقيم في القاهرة خلال الفترة من 15 إلى 18 مارس الماضي، بحضور 250 ناقدا وروائيا من 20 دولة من مختلف الدول العربية، وحمل عنوان “تحولات وجماليات الشكل الروائي” بإهداء الدورة السّادسة هذه، إلى قامة إبداعية كبيرة لاقت من التهميش والإهمال الكثير، وصل إلى العبث بأعماله وانتهاكها بالمصادرة، إلى روح الرّوائي فتحي غانم (1924 – 1999) صاحب رواية “الأفيال”، و”الرجل الذي فقد ظله”، و”الساخن والبارد”، و”حكاية تو”، وغيرها من الأعمال الإبداعية المهمة في رحلة الكتابة المتنوّعة بين الصحافة والإبداع.
الاثنين 2015/05/04
كاتب عاش حالة التشويه ومصادرة كل ما يكتبه

من أهم محاسن مؤتمر الرواية الأخير هو صدور كتاب تذكاري عن شخصية فتحي غانم المُهدى إليها المؤتمر، بعنوان “وجوه أخرى لفتحي غانم”، يستعيد بشكل أو بآخر الكاتب فتحي غانم في المطلق وليس الروائي فقط.

الكتاب يحوي مختارات من الذكريات والبورتريهات ونصوصا تائهة في مسيرة فتحي غانم كما يقول معدّه ومحرّره الناقد وخازن الثقافة المصرية شعبان يوسف. وهو في مجمله كما يتضح من عنوانه هو بمثابة كشف أو استعادة الوجوه الأخرى لصاحب “قط وفأر في قطار” و”الرجل المناسب”.

الوجوه التائهة

يقدّم شعبان يوسف في المقدمة التي عنونها باسم “فتحي غانم ذلك الكنز المجهول” لمحات من مسيرة الكاتب الراحل، وصورة أخرى تكاد تكون مجهولة لقرائه، حتى أن الناقد يتساءل عن تلك الصورة التي صدّرها الناقد غالي شكري عن فتحي غانم في كتابه “مذكرات ثقافة تحتضر”، الصادر عام 1970، ونفيه عنه صفة المعارض ووسمه بالكاتب المسالم وهو الأمر الذي لم يرق لغانم نفسه إذ أرسل برسالة لغالي، داحضا فيها تلك السلبية التي ألصقها به عندما قال عنه غالي في كتابه “فلم أره يوما في معركة حادة من معارك الفكر أو الأدب أو السياسة”.

كما يعدد يوسف المواقف التي خاض فيها معارك وصراعات على صفحات الصحف والمجلات، ومنها على سبيل المثال أنّه هاجم الكاتبيْن أحمد الصاوي وعبدالرحمن الخميسي، وهو ما حدا بالخميسي لوصفه بأنه “ابن ذوات ويكتب قصصا فاشلة”.

التهميش ضريبة يدفعها كل كاتب أو فنان أو أديب أراد أن يكون مستقلا، إلا عن قلمه الذي يخلص له أيما إخلاص

وكذلك مهاجمته في مجلة “آخر ساعة” لطه حسين عبر سلسلة مقالات تناولت موضوعا واحدا هو “طه حسين عقبة في طريق القصة القصيرة”، بالإضافة إلى ما كتب عن يوسف السباعي بالاشتراك مع الناقد الدكتور رشاد رشدي وقد وصفاه بـ”التلميذ البليد يكتب في فوائد الحديد”، وهو ما استفز السباعي الذي هاجمهما معا ووصفهما بـأنهما “ثنائي الأدب الراقصتان ليز ولين” (في إشارة إلى الراقصتيْن اليهودتيْن اللتيْن كانتا ترقصان بالشمعدان في الأوبرج).

ومع كل هذه الصراعات التي تجاوزت الأدب إلى الفن، حيث كتب في باب الفن فقط عشرات المقالات: عن السينما والمسرح وعن الفنانين، وهو ما جعله في المواجهة وفي حلبة الصراع حينذاك، إلا أن شعبان يوسف يقرّ برأي أقرب إلى اليقين بأن “فتحي غانم نال قسطا كبيرا من التهميش”، بل يذهب إلى أكثر من هذا عندما يقول “ليس التهميش والتجاهل فحسب، بل كذلك تغليظ هذا التهميش الذي وصل إلى حالات من الأذى”، وهو الأمر الذي فسّره يوسف بأنه بمثابة “الضريبة التي يدفعها كلّ كاتب أو فنان أو أديب أراد أن يكون مستقلا، إلّا عن قلمه، الذي يخلص له أيّما إخلاص”.

الحقيقة الأخرى التي يفاجئ بها شعبان يوسف القارئ، وتأتي نقيضا لما هو معروف عن فتحي غانم الذي ترقّى في الصحافة، ووصل إلى أعلى المناصب حيث شغل رئيسا لتحرير مجلة صباح الخير، ثمّ رئيس مجلس إدارة وكالة أنباء الشرق الأوسط.

إلا أن يوسف يكشف عن صورة أخرى لفتحي، ويقول إنه كان شبه مستبعد، وعاش حالة أشبه بحالة النفي الأدبي والإبداعي. ومن الأشياء التي يذكرها وتؤكد حالة التشويه ومصادرة كل ما يكتبه، ما تعرّضت له روايته “الأيام” التي نشرت في سلسلة حلقات بمجلة روز اليوسف اعتبارا من 15 أبريل 1963، فلقد تمّت مصادرتها ولم تصدر إلا عام 1966 عن المؤســسة نفســها في ســلسلة الكتاب الذهبي.

كتاب يحوي مختارات من الذكريات والبورتريهات ونصوصا تائهة في مسيرة فتحي غانم

تهميش بالمصادرة

كما يشير شعبان يوسف، في أكثر من مئة وثلاثين صفحة، أنه من العجيب أن فتحي غانم لم يتحدث، أو حتى يشكو، والمثير أيضا أن الذي قام بالحذف والمصادرة هو الكاتب الصحفي إلهام سيف النصر أحد الشيوعيين الذين كانوا محبوسين ومعتقلين منذ عام 1959 إلى عام 1964، الأغرب أن نفس الأمر تعرضت له رواية “الرّجل الذي فقد ظله”، التي كانت تتحدث عن صحفي كبير صعد من القاع إلى القمة، والذي أشيع حينئذ أنه يقصد هيكل، لكن الأمر مخالف للحقيقة كما ذكر في حواره مع المستعربة السويدية ماريتا ستاج في حديثها عن الرقابة.

يتضمن الكتاب الصّادر في 155 صفحة من القطع المتوسط، عن المجلس الأعلى للثقافة 2015، مقالات وذكريات لشخصية المحتفى به. كما يتعرض الكتاب لشكل من أشكال كتابة غانم غير الكتابة الروائية أو الصحفية، وتتمثل في الجمع بينهما ليكوّن فن البورتريه، على نحو ما كتبه عن الفنان “صمويل هنري” الــذي غــزا أوروبــا بتمثاله “الفارس الصغير”.

كما يشير الكتاب إلى ما فعله مع الفنان “حسن فؤاد” الرسام الشهير، ويقدم كذلك نموذجا لبورتريه من شكل آخر يأتي في شكل رثاء للسيدة فاطمة اليوسف متسائلا “أين إحسان عبدالقدوس ليقول لي: لا تصدقهم”، فمع أن المقالة في شكلها مرثية لهذه السيدة، إلا أنه يجنح منها ليرسم بورتريها لها في صورها المتعدّدة، ومنها الموت الذي كانت أول من قام بتمثيله على خشبة المسرح.

في الأخير حاول شعبان يوسف أن يرسم لنا ملامح جديدة للكاتب، مستعيدا مسارات حياته في تقاطعاتها مع السياسيّ والأدبي، وهو ما كان بمثابة قراءة جديدة لهذه الفترة بكل التباساتها السياسية والفكرية، التي انعكست على إبداعه، وبرز في نتاج الرجل الذي جاء متنوّعا، وحاويّا لحدية الصّراع وتناقضاته.

14