شعبوية الاحتجاج ومنازعة الدولة في أدوارها

الثلاثاء 2017/05/23
المبالغة في المطلبية

تونس- القول بأن الاحتجاجات الاجتماعية أمر مشروع لا يعني أن نطلق أيدي المحتجين، والأحزاب والشخصيات التي تدفعهم إلى التصعيد لأهداف انتخابية، ليحلوا محل الدولة ويلعبوا دور رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والمحافظ.

ما يجري في منطقة الكامور (محافظة تطاوين) ليس احتجاجا اجتماعيا، وإنما منازعة للدولة على دورها في ملف النفط وكيفية استثمار عائداته وأسلوب التعاقد مع شركات الإنتاج وشركات الخدمات. فبدل أن يطالب العشرات من الشبان العاطلين عن العمل بأن تتحمل الحكومة مسؤوليتها في توفير موطن العمل لهم ولتطاوين وفق استراتيجية تنموية واضحة، عملوا على تحييد الدولة ولعب دورها في التعامل مع الشركات الأجنبية التي تتولى إدارة بعض الآبار الموجودة في المنطقة.

ويحاول المحتجون، ومن يقف وراءهم من شخصيات سياسية ترفع شعار تأميم البترول ضمن خطاب شعبوي للوصول إلى السلطة، أن يفرضوا اتفاقيات مع الشركات النفطية تتولى من خلالها هذه الشركات ضخ نسبة تتجاوز العشرين بالمئة من عائدات البترول في مشاريع محلية ودون أن تمر الأموال بأي جهة حكومية.

وتطرح هذه الدعوة إشكاليات كثيرة لعل أهمهما أن عائدات النفط هي ملك للدولة تتولى توزيع أجزاء منها على مختلف المناطق تماما مثلما توزع عائدات الفوسفات والملح، والعائدات المتأتية من استخلاص الضرائب، وهي توظف ليس فقط في توفير مواطن العمل في القطاع العام، وإنما على قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية.

وإذا قبلت الحكومة مبدأ توظيف نسبة من عائدات النفط والغاز، فإنها ستوجهها للتنمية في مفهومها الشامل، مثل تهيئة الطرقات، وتوفير الأراضي اللازمة التي تساعد على استقطاب الرأسمال التونسي والأجنبي للقيام بمشاريع تنموية توظف أعدادا من أبناء تطاوين وبقية المحافظات، كما أنها توفر مداخيل إضافية للدولة من خلال الأداءات والمساهمة في الصناديق الاجتماعية.

ما يجري في تطاوين ليس احتجاجا اجتماعيا، وإنما منازعة للدولة على دورها في ملف النفط وكيفية استثمار عائداته

أما أن نفرض على الشركات استقطاع 20 أو 40 بالمئة لتشغيل أبناء المنطقة بالقوة وعن طريق الاحتجاجات، فإن ذلك، وفضلا عن أنه لا يحرك التنمية، فإنه سيمثل عبئا كبيرا على الشركات التي ستتعرض إلى المزيد من الخسارة من خلال إغراقها بيد عاملة زائدة عن اللزوم.

فضلا عن أنها غير مختصة، ما يثقل كاهلها ببطالة مقنعة، ويجعل بعض تلك الشركات تقرر المغادرة كما فعل المئات من أصحاب رؤوس الأموال الذين فروا بأموالهم إلى الخارج وأغلقوا مؤسساتهم بسبب الاحتجاجات العشوائية التي تمارس من بوابة النقابات والمطالبات بزيادات كبيرة.

ولو فرضنا أن الدولة قبلت بأن تقتطع الشركات النفطية نسبا من عائداتها لفائدة تطاوين، فإنها ستضطر إلى القبول بمطالب محافظتي قبلي وصفاقس اللتين تتمركز بهما آبار للنفط والغاز أكثر من تطاوين، وستطالب محافظة قفصة بنسب عالية من عائدات الفوسفات.

وهكذا سنصل إلى وضعية معقدة تؤدي إلى تفتيت تونس إلى مناطق صغيرة، وتغذي صراع المناطق والجهات، ونستعيد الخطاب العشائري الذي قضت عليه الدولة الوطنية بصعوبة، وبدأ يعود إلى الواجهة في مرحلة ما بعد الثورة من بوابة التجاذب السياسي، والصراع على بطولات كرة القدم.

إن حكومة يوسف الشاهد مطالبة بأن تتحمل مسؤوليتها في أن تصارح الناس بحقيقة اللعبة اليوم في تطاوين، حيث تلعب بعض الأحزاب بوحدة البلاد وأمنها من أجل ضمان حصة في السلطة فشلت في أن تحققها عبر الشعارات الشعبوية، وأن تسمي المورطين في الركوب على احتجاجات مشروعة وتحويلها إلى لي ذراع مع الدولة قد يتحول في أي لحظة إلى مواجهة تضطر فيها الحكومة إلى استعمال القوة للدفاع عن مصالح البلاد.

ومن المهم أيضا أن تخرج اللجنة التي شكلتها الحكومة لتحديد ممتلكات تونس من النفط والغاز إلى العلن، وتعلن عن أرقام واضحة وحقيقية حول محدودية مخزون تونس، وأن تكشف عن حقوق الشركات الأجنبية المنتجة في تلك الآبار، وحقيقة العقود الممضاة معها حتى تسحب البساط من تحت أرجل المزايدين الذين استثمروا صمت الحكومة ليواصلوا إحراجها.

وفي انتظار خطوة شجاعة مثل هذه، على الحكومة أن تغادر دائرة الارتباك في قضية الدفع بالجيش لحماية الآبار النفطية، لأن السماح بالاجتراء على الجيش في حادث معزول سيحول الأمر إلى ظاهرة سرعان ما تتسع دائرتها لتشمل مختلف المناطق والمحافظات، وهو ما يعقد مهمة الجيش في حماية الأمن مستقبلا.

12