شعبية الرئيس التركي تتراجع وقمعه يزداد

أدى قمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لخصومه والمعارضين لسياسته والرافضين لصلاحياته المطلقة إلى إغراق مطلب تركيا للدخول إلى الاتحاد الأوروبي، وألقت به سلطويته في حروب سياسية لا يتوقع أن ينتصر فيها كما عقّدت تحالفه مع الولايات المتحدة، فيما أضاع بوصلته نحو التحالف مع القوى العربية الإقليمية، أساسا المملكة العربية السعودية، يأتي ذلك بالتزامن مع تراجع كبير في شعبيته في الداخل التركي وتصاعد القلق من سياسته حتى في صفوف حزبه العدالة والتنمية، خاصة وأن طموحاته يمكن أن تأتي حتى على أقرب حلفائه، وهذه كلها عوائق محتملة لمسعاه الناجح للحصول على السلطة المطلقة والتي تدفعه إلى إجراء تعديلات وتغييرات، وصفت مجلة إيكونوميست بعضها بـ”الصادمة” والتي يبررها أردوغان بأن “البعض من عناصر حزب العدالة والتنمية أصابها الوهن” وأن حزبه في حاجة إلى تجديد بعد إقرار التعديلات الدستورية وقبل انتخابات عام 2019.
الأربعاء 2017/11/01
سياسة الوقوف وحيدا

لندن- في وقت سابق من هذا العام، استضاف مليح غوكجك، عمدة أنقرة (قبل أن يستقيل) وعضو حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا مجموعة من الإعلاميين والصحافيين الأجانب في أحد العقارات في إحدى ضواحي العاصمة.

خلال اللقاء قدم غوكجك عرضا، عبر برنامج باور بوينت، تحدث عن محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في صيف 2016. وعرض مجموعة من الصور تظهر أجسادا متداخلة مع الدبابات مصحوبة بموسيقى تصويرية مأخوذة من الفيلم الأميركي مرثية حلم.

وانتهى العرض بحديث غوكجك عن تآمر الغرب وتورطه في حمام الدم الذي نتج عن عملية الانقلاب الفاشلة، وذهب إلى حد القول إن إدارة باراك أوباما كانت وراء ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وإن المراكب الإسرائيلية والأميركية هي السبب في الزلزال العنيف الذي وقع قريبا من ساحل بحر إيجة بين اليونان وتركيا في يوليو 2017.

وعندما سأل صحافي مندهش العمدة عن مصادره رد عليه بإجابة صادمة “لديّ أفضل خدمة استخبارات في العالم تحت تصرفي”، وأضاف في نبرة لا تشي بأنه يمزح “إنها غوغل”.

نقلت فحوى هذا اللقاء مجلة إيكونوميست، على خلفية إعلان العمدة غوكجك استقالته إثر ضغوط من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خطوة أثارت الكثير من الجدل والاهتمام.

وكان أردوغان قد أعلن عن رغبته في “تجديد دماء” حزب العدالة والتنمية الحاكم قبل انتخابات عام 2019، محذرا من أن الحزب سيتخذ “إجراءات بحق رؤساء البلديات الذين يرفضون الاستجابة للنداءات”.

على الغرب أن يضمن حصول المعارضة السياسية التركية المعزولة على مزيد من اهتمامه بدل الاكتفاء بانتقاد أردوغان

ووصفت إيكونوميست غوكجك بأنه منظّر المؤامرة التركية، مشيرة إلى أن حياة العمدة السياسية انتهت فجأة، بعد قضائه عقدين من الزمن في منصبه، وهو أمر ملفت ولا يمكن أن يقرأ خارج سياق التغييرات الجذرية التي يقوم بها أردوغان من أجل إحكام قبضته لدرجة.

وأثارت استقالة غوكجك الحيرة على نطاق واسع لأنه شغل منصبه لفترة طويلة، وجاء قراره بعد الضغط المتزايد طوال أسابيع من أردوغان والصحف الموالية للحكومة على السواء، إذ لمحت البعض من الصحف إلى أن غوكجك سيواجه تهما جنائية إذا رفض التنحي. وفي عام 2015، اتهم نائب رئيس الوزراء السابق غوكجك بالفساد، لكن لم يقدم أي أدلة تثبت ادعاءاته.

وتنقل إيكونوميست عن ياسين اكتاي، أحد مستشاري الرئيس أردوغان “نحن بحاجة إلى بعض التغييرات والوجوه الجديدة”، بيد أن ليس هناك ما يضمن أن تغيير العمدة سيصب في مصلحة الرئيس أردوغان، فيما تعلق المحللة السياسية أتيلا سيلاد قائلة “هو يظن أن ناخبي حزب العدالة والتنمية يشعرون بخيبة أمل من الإدارات المحلية”، في حين “ربما يكون هو من أصابهم بخيبة الأمل”.

التحول نحو الدكتاتورية

العمدة غوكجك ليس إلا واحدا من المسؤولين الكثر الذين تنحوا من مناصبهم في مجالس البلدية في جميع أنحاء تركيا، فمنذ بداية سبتمبر تنحى حوالي ستة عمداء تابعين لحزب العدالة والتنمية، كان من المفترض أن تنتهي مدة ولايتهم في عام 2019، ويقال إن الرئيس أردوغان هو من أمر بسلسلة الاستقالات التي بدأت باستقالة عمدة إسطنبول.

وأردوغان خير العارفين بأهمية مثل هذا المركز، وهو الذي بنى نفوذه منذ أن تولى رئاسة بلدية إسطنبول سنة 1994. هذا المنصب هو الطريق نحو بناء السياسات والنفوذ، فأي شخص يشغل هذا المنصب لديه سلطة الموافقة على هذه المشاريع التنموية. وخلال فترة ولايته كرئيس للبلدية، أنشأ أردوغان شبكة قوية من المؤيدين، بمن في ذلك حلفاء داخل حركة خدمة التابعة لفتح الله كولن، من خلال الأشغال العامة المختلفة.

مليح غوكجك عمدة أنقرة يستقيل بعد 23 عاما على رأس بلدية العاصمة التركية مؤكدا أنه فعل ذلك "بأمر" من الرئيس رجب طيب أردوغان الساعي إلى تجديد صفوف الحزب الحاكم قبل انتخابات 2019 والذي حذر كل من يرفض الاستجابة للتغييرات والإقال.

وتعتبر إيكونوميست أن حصول أردوغان على صلاحيات إقصاء مسؤولين منتخبين دليل جديد على مدى استبداده وتحوّله نحو الدكتاتورية، منوّهة إلى أنه خلال العام الماضي أردوغان عمليات اعتقال أكثر من 80 عمدة في جنوب شرق تركيا، واستعاض عنهم بأمناء عينتهم حكومته، بالإضافة إلى تلاشي المعارضة داخل حزب العدالة والتنمية نفسه، وتقلص مساحات المعارضة في كل مكان آخر.

وكلفت عمليات التطهير التي أطلقها الرئيس أردوغان منذ محاولة الانقلاب الفاشلة العام الماضي حوالي 60 ألف شخص حرياتهم، و150 ألف شخص وظائفهم، وفق إيكونوميست، التي تضيف أن هناك الكثير من عمليات الاعتقال التي تطال مختلف الفئات، من ذلك احتجاز الشرطة لعثمان كافالا، وهو رجل أعمال وناشط بارز في المجتمع المدني في 18 أكتوبر 2017، واعتقلت قبل ذلك ببضعة أيام أيضا سابان كارداس، رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

وفي أوائل شهر أكتوبر ألقت قوات الشرطة في إسطنبول القبض على موظف تركي في القنصلية الأميركية بتهمة الإرهاب، الأمر الذي أدى إلى تصاعد التوتر في العلاقات بين واشنطن وأنقرة وأفضى إلى تعليق الولايات المتحدة خدمة التأشيرات داخل تركيا.

ويصنّف ألفرد ماكوي، أستاذ التاريخ في جامعة وسكنسون، ضمن القادة الشعبويين، ويقول إن “أردوغان بصفته شعوبيا إسلاميا استعرض قوته عن طريق عملية قمع دموية للأقلية الكردية في البلاد. ويشرف منذ منتصف 2016 على عملية تطهير بالجملة وملأ السجون التركية في أعقاب محاولة انقلاب فاشلة”.

وترجع إيكونوميست تصاعد حملة الاعتقالات إلى تراجع شعبية الرئيس التركي، حيث تظهر أحدث استطلاعات تزايد في أعداد الناخبين المترددين بشأن منح صوتهم لأي حزب. وتذكر أنه بموجب حكم الطوارئ الذي تم تمديده مؤخرا إلى ثلاثة أشهر أخرى، يتمتع الرئيس بسلطات غير مقيدة، بيد أن تحويل حرب التطهير إلى استهداف عمدة حزبه، تكشف شعورا بالقلق حول مستقبله.

وفي مطلع العام الحالي، بالكاد تم تمرير استفتاء منحه المزيد من السلطة، وعلى الرغم من محاولات حكومته في تذليل كل الصعاب لصالحه، كان التصويت بـ”لا” هو السائد في إسطنبول وأنقرة، مركزي نفوذ أردوغان.

دعم المعارضة

يفرض انهيار المؤسسات الديمقراطية في تركيا تدخل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، وفق الخبير في الشأن التركي والكاتب في صحيفة العرب ويكلي، ستيفن ستار، الذي يرى أن الحل لا يكمن في تسليط العقوبات على تركيا وانتقاد أردوغان بل في دعم المعارضة التركية بشكل كبير.

وكانت دول الاتحاد الأوروبي عقدت مؤخرا قمة بحثت قرارات تجميد المساعدات المقدمة إلى تركيا. وفي الخامس والعشرين من أكتوبر 2017 صوّت برلمان الاتحاد الأوروبي على خفض المساعدات بمقدار 80 مليون يورو، أي ما يعادل 94 مليون دولار، بحجة وضع حقوق الإنسان في تركيا.

ويقول ستيفن ستار “الشجب وإبداء الأسف لتراجع الأحداث في تركيا هو كل ما استطاع الغرب فعله. والسبب وراء هذا التجاهل لواحدة من أقوى المجموعات السياسية المعارضة في الشرق الأوسط مازال مجهولا”، والمجموعة التي يقصدها هي حزب الشعب الجمهوري، أكبر حزب تركي معارض.

وتتبنّى أحزاب المعارضة في تركيا مجموعة واسعة ومتنوعة من المصالح والأيديولوجيات، ولكن نظرا لأن الأحزاب السياسية يجب أن تفوز بما لا يقل عن 10 بالمئة من الأصوات الانتخابية للدخول إلى البرلمان، فإن الأتراك الذين لا ينتمون إلى الأوساط العلمانية أو الأوساط اليمينية المحافظة لا يمتلكون الحق في التصويت. تتكوّن المعارضة البرلمانية التركية من ثلاثة أحزاب: حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية والحزب الديمقراطي الشعبي.

وفي الوقت الذي يعمل فيه حزب الحركة القومية اليميني عن كثب مع حزب العدالة والتنمية الحاكم للنهوض بجدول أعماله المعادي للأكراد، يتشارك الحزبان الشعب الجمهوري والديمقراطي الشعبي، على الأقل رسميا، رؤية اجتماعية ديمقراطية وسط يسارية. وهذان الحزبان يشكلان تهديدا مباشرا لحزب العدالة والتنمية الحاكم.

ويرى ستار أن رفض الغرب التعامل مع هذه الأحزاب هو أمر محيّر بالنظر إلى أحزاب المعارضة الأخرى في جميع دول الشرق الأوسط التي كان الغرب يدعمها في الماضي.

وعلى سبيل المثال، في عام 2012، عندما سارعت واشنطن بالتدخل وأغدقت الأموال على المعارضة السياسية السورية. لكن للأسف لم تُجد تلك الجهود نفعها، حيث استعاد النظام السوري نفوذه وأصبح له اليد العليا في إدارة الأمور. وقبل ذلك، دعمت الولايات المتحدة أيضا أحزاب المعارضة العراقية خلال فترة حكم صدام حسين لدرجة مدمرة، حدث على إثرها الغزو الأميركي للعراق والحرب في العام 2003.

تصاعد حملة الاعتقالات بعد محاولة الانقلاب "الفاشلة"

ومع ذلك، تتمتع معارضة تركيا بثبات ورصانة أكثر من الأحزاب المعارضة في الدول الأخرى، وهو تكتل ظهر بالأساس في خضم التغييرات الدستورية المضادة للديمقراطية التي قام بها الرئيس رجب طيب أردوغان في أعقاب استفتاء أبريل الماضي.

تدعي أوروبا والولايات المتحدة أنهما تطالبان أردوغان بمحاربة عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا والسيطرة على تدفقات اللاجئين إلى القارة الأوروبية. ولكن هذه الحجة غير منطقية، حسب ستار، فمع حاجة الغرب لتركيا لتنفيذ تلك المخططات، فإن نجاح هذه القضايا لا يعتمد على مجهودات أردوغان وحده.

ويرى أن من بين أسباب يتجاهل الغرب للمعارضة التركية هو أنه على الرغم من أن العديد من الأتراك الذين يعارضون حكم أردوغان يعتبرون أنفسهم علمانيين، إلا أنهم لا يمثلون هذا النوع من الديمقراطيين الذين يرغب الغرب في دعمهم.

فقد كانت الحكومات العسكرية التركية العلمانية السابقة مسؤولة عن ارتكاب البعض من الجرائم المنتهكة لحقوق الإنسان خلال ثمانينات وتسعينات القرن الماضي التي دفعت دول الغرب إلى الابتعاد عن الشؤون التركية. لكن الأمور تغيّرت، ولم يعد الجيش يمثّل الآن قوة سياسية في تركيا.

ومن البديهي ألاّ يصبح تغيير النظام في تركيا أمرا يبعث على الاهتمام من قبل الحكومات أو المؤسسات الغربية إما علنا وإما خفية. حيث أن نسبة المعاداة للولايات المتحدة لاقت أعلى معدلاتها في تركيا (73 بالمئة)، وفقا لاستطلاع للرأي أجرته منظمة بيو ريسيرش في عام 2014 مقارنة بمعظم الدول الأخرى في نفس المنطقة المعادية للولايات المتحدة. وعلاوة على ذلك، فإن جذور الأيديولوجية اليسارية المتطرفة المضادة للإمبريالية متعمقة في التفكير التركي.

بدلا من السعي إلى الإطاحة بأردوغان، يجب على الغرب أن يضمن حصول المعارضة السياسية التركية المعزولة على مزيد من الاهتمام والدعم إذا أراد ضمان عدم اندثار الديمقراطية هناك بشكل كلّي.

يقول ستيفن ستار "لم يعد أردوغان حليفا يمكن الاعتماد عليه بالنسبة للغرب، ولكن لا تزال تركيا تلعب دورا مهما. وكما فات الأوان على حماية الديمقراطية في العراق وإيران وسوريا، دعونا لا ننظر إلى تركيا حتى تنضم إلى هذا الجمع".

7