شعبية ترامب في ازدياد

القادمون من دول عربية وإسلامية مكتوية بنار النظام الإيراني وميليشياته وتدخلاته في حياة أهلها يكونون، في الغالب، منجذبين إلى ترامب، ويتمنون بقاءه في سدة الرئاسة وألا يغادر البيت الأبيض قبل إنجاز وعوده بتغيير السلوك الإيراني العدواني.
الجمعة 2019/05/10
مصالح مشتركة

لو سُئلتُ، وأنا العربي العراقي الساكن في أميركا، هل تحزن أو تفرح إذا خسر الرئيس الحالي دونالد ترامب أو ربح في الانتخابات القادمة في 2020؟ وهل تحزن أو تفرح إذا خسر منافسه الديمقراطي أو ربح؟ لقلت على الفور: لا هذا ولا ذاك، إذ لا فرق بين جمهوري وديمقراطي، فلكلٍ منهما ذات العقلية والنفسية والانتهازية والنزعة النفاقية، ولا يختلفان سوى بالألقاب والعناوين والشعارات.

كما أن لكلٍ منهما أيضا سجله الطويل المتخم بالجهل الفاضح في فهم حقائق الشرق الأوسط والعالم، وكلاهما متشابهان في الانقياد الجبري لتكتلات اليهود الأميركيين المالية والسياسية والإعلامية التي لا بد أن ينحني لها كلُّ من ينوي أن يرشح نفسه لأي منصب قيادي في الحكومة الفيدرالية أو الكونغرس أو الحكومات المحلية في الولايات الصغيرة والكبيرة على حدٍ سواء.

وهذا ليس اتهاما ولا خيالا ولا رجما بالغيب، بل هو أمر حقيقي يلمسه العربي الأميركي أكثر من غيره من الأميركيين الوافدين من دول آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا الجنوبية البعيدة عن فلسطين، والتي لا تشغل نفسها بهموم الشرق الأوسط ومصائبه التي لا تنتهي.

ولكن برغم ذلك التماثل الصارخ بين الجمهوريين والديمقراطيين، فليس لعرب أميركا موقف موحد من ترامب ومنافسيه، بل هم مختلفون عليه بحدة وحماس.

فالقادمون من دول عربية وإسلامية مكتوية بنار النظام الإيراني وميليشياته ومخابراته ومفخخاته وتدخلاته في حياة أهلها يكونون، في الغالب، منجذبين إليه، ويتمنون بقاءه في سدة الرئاسة دورةً ثانية، وألا يغادر البيت الأبيض قبل إنجاز وعوده بتغيير السلوك الإيراني العدواني المتغطرس، أو استمراره في خنق النظام وميليشياته حتى السقوط النهائي السعيد.

أما الثوريون العرب وأشقاؤهم الإسلاميون المجاهدون، وخصوصا الحمساويين والإخوان المسلمين والإيرانيين والعرب الغارقين في غرام الولي الفقيه، فيدعون عليه، ليلا ونهارا، بكسر اليد والرقبة والظهر، وينتظرون سقوطه حتى قبل نهاية مدة رئاسته، بدعوى عدائه للإسلام والمسلمين، وغدره بفلسطين والفلسطينيين، تعضيدا وتأييدا لنبوءات الديمقراطيين ومجاهدي قناة “السي.إن.إن” وباقي شلل المتضررين من سياساته وقراراته وتغريداته، ومن حدة طباعه وحماقاته وشتائمه التي لا تنتهي.

ولا خلاف على أن لترامب سيئات وحسنات، ومن سيئاته أنه يبالغ كثيرا في إرضاء اليهود الأميركيين وإسرائيل، على الأقل كما يراه عرب أميركا ومسلموها، خصوصا في إقدامه على منح الجولان لحكومة بنيامين نتنياهو، وعلى نقل السفارة الأميركية إلى القدس، بالرغم من أن قرارات الأمم المتحدة، كلها، تعتبرها مدينة فلسطينية محتلة وترفض ضمها لإسرائيل.

ولكن الذي ينبغي الإقرار به، من باب العدل والإنصاف، هو أن الإسرائيليين هم الذين أخذوا منه، عنوةً، ما أرادوا، وسيأخذون منه، أو من غيره إذا خسر الانتخابات القادمة، ما يريدون. وقد يأخذون، غدا أو بعد غد، ما تبقى من فلسطين، وسيسكت العروبيون والإسلاميون الثوريون أبطالُ المقاومة والتصدي والصمود، كما سكتوا عن القدس والجولان، وكما سكتوا عن الغارات الدامية الإسرائيلية الأخيرة التي أحرقت غزة وقتلت وروعت أهلها، وكما سيسكتون، غدا، عن صفقة القرن، وهم صاغرون، بعد أن دوخونا بحديثهم عن محو إسرائيل في سبعة أيام، ولا يستحون.

إذن، فإن كان هذا هو الواقع المر الذي ليس لترامب، ولا للفلسطينيين، ولا للعرب، ولا للمسلمين، ولا لدول العالم الكبرى والصغرى، كافة، قدرةٌ على رده أو تغييره، على الأقل في حاضرنا الأسود الراهن، فلماذا لا نعذر العراقيين واللبنانيين والسوريين واليمنيين، وبعضا من الفلسطينيين والليبيين والبحارنة والإماراتيين والسعوديين، إن هم أرادوا الاستفادة من الوجه الآخر لترامب، فتمنوا فوزه على منافسيه السيئين الآخرين؟

فهو في عيونهم الفارسُ القادم على حصانه الأبيض لكي يشفي غليلهم ويغيض قتلة أبنائهم وسارقي ثرواتهم ومدمري حياتهم وسالبي أمنهم الذين لم يتركوا في قلب أحدٍ منهم شفقة ولا رحمة.

ومن المؤكد أن عالما خاليا من علي خامنئي وحسن روحاني وقاسم سليماني وحسن نصرالله وهادي العامري وقيس الخزعلي ونوري المالكي أنفع لقضية العرب الأولى فلسطين، وأشرف وأكرم وأصدق، دون شك ودون ريب.

والشيء بالشيء يذكر. فقد أعلن معهد غالوب للدراسات الميدانية الإحصائية الشهير أن شعبية ترامب في ازدياد. فقد أفاد 46 بالمئة من الأميركيين، (جمهوريين وديمقراطيين) بأنهم يوافقون على عمل رئيسهم.

وقال المعهد إن هذه النسبة غير المسبوقة تحققت بفعل الطفرات الاقتصادية الإيجابية التي حققها، وثبوت براءته من التواطؤ بين فريق حملته لانتخابية وروسيا خلال انتخابات 2016. كما أكد المعهد أن شعبية ترامب بين الجمهوريين بلغت91 بالمئة، وأرجع أسباب ذلك إلى هبوط معدل البطالة إلى أدنى مستوياته، منذ خمسين سنة.

إذن فمن الممكن أن نتكهن بفوزه من الآن، وأن نقول لكل إخوة الإسلام المسلح بالغاز السام والمفخخات: تعازينا.

فالمسلّم به والمعروف أن المواطن الأميركي، في مواسم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، لا يُتعب نفسه بالتفكير في إنسانية المرشح الجمهوري أو الديمقراطي، أو في ثقافته ونزاهته وأخلاقه السامية. بل إن كل ما يعنيه ويُشعل حماسه ويحرك قلبه ولسانه ويديه هو ما يخدم جيبه فقط، لا عقله ولا ضميره، ولا يعطي صوته إلا لمن ينفعه أكثر في ضريبة دخله، وتأمين أسرته الصحي والاجتماعي، وزيادة أجوره. أما مواقف الرئيس من فلسطين وإسرائيل وإيران وليبيا واليمن وكوريا الشمالية والعالم كله، فلا تخطر له على بال، بل قد يرى فيها منافع أخرى تُضاف إلى مكارم رئيسه الكريم وأعوانه الكرام.

8