شعب "البرّاد" المحتار

الأحد 2017/02/19

انشغل التونسيون هذا الأسبوع بخبر يؤكد إجراء الجهات المعنية بوزارة المالية صلحا جبائيا مع عرّاف دفع بموجبه مليون دينار تونسي أي ما يعادل 500 ألف دولار أميركي، كأداءات لخزينة الدولة على نشاطه خلال 5 سنوات.

هذا العرّاف يستخدم في طقوسه "البرّاد"، باللهجة العامية التونسية، ولا يقصد به الثلاجة بل إبريق الشاي.

المهم أن “عرّاف البرّاد” هذا معروف بتسخين الماء في أباريق شاي كبيرة ومن ثمة النفخ والبصق فيها وهي ساخنة وسط تهليل “مريديه”.

بالنسبة إلى مريديه فالكلّ يحمل في يده قارورة يريد أن يحظى فيها بقليل من الماء المخلوط ببصاق “قديس زمانه”.

الصورة تبدو كاريكاتيرية مبتذلة إلى حدّ قاس، لكنها الحقيقة في بلد عرف عنه مراهنته على العلم والمعرفة. رغم ذلك فالسؤال الذي يطرح نفسه بقوة إن كان عرّاف البرّاد هذا رضي بدفع مليون دينار ضرائب فكم تبلغ مداخيله يا ترى؟

قد يفهم توافد البسطاء على عرّاف البرّاد، الذي يقول إنه يستخدم الرقية الشرعية في المعالجة، تمسّكا بقشة الدين التي يرون فيها الملاذ، وقد يفهم أيضا أن الإنسان عندما يصاب بالإحباط يبحث عن الرجاء في أيّ شيء، وأن الخوف مِن المجهُول يخلق فِي قُلوب البشر “رغبة” فِي تَصديق المشعوذين.

لكن ما لا يفهم كيف يجد شخص متعلّم أفنى سنوات كثيرة في الدراسة المواساة في ماء مخلوط ببصاق.

إن الرقية هي في الواقع مهنة من لا مهنة له وهي أسرع الطرق للثراء وهذا يدل على الجهل المطبق المتفشي في الناس، إذ أن في المجتمعات المتخلفة فكريا تكون “الشعوذة” ثقافة قائمة بذاتها بل ثقافة مستشرية.

ولعل الدليل الأول على ذلك أنه تزامنا مع الإعلان عن الخبر الخاص بعرّاف البرّاد، أعلن مخرج تونسي عن إغلاق فضاء ثقافي بعد أقل من عامين من النشاط بسبب صعوبات مالية.

أما الدليل الثاني فهو تصريحات بعض المسؤولين في الإعلام فقد سبق لرشيد عمار، القائد السابق للجيش التونسي، المسؤول حينها عن أمن البلاد والعباد أن قال إن تونس “بلاد سخونة” يحرسها الأولياء الصالحون، فهل نعوّض الجيش بالزوايا مثلا!

أما وزير التربية ناجي جلول، المسؤول عن تخريج الأجيال القادمة والمؤمّن على مستقبل تونس فقد صرّح أن أمه تضع له السينوج (الحبة السوداء)، الذي يحمي من العين في الثقافة التونسية، فهل يا سيد ناجي نعوض الدراسة باقتناء كميات وافرة من السينوج مثلا؟

إن ما سبق يدل وبصدق على أن عرّاف البرّاد يليق بنا بل أكثر من هذا نحن نستحق ما قاله عنّا المرزوقي، كفانا نفاقا وترديدا لمقولة "تونس 3 آلاف سنة حضارة" ونحن لازلنا سنة أولى شعوذة.

24