شعب العراق والفخ الانتخابي: هدية مجانية للفساد

الثوار قدموا برنامجهم للتغيير ابتداء من الانتخابات المبكرة وقانون جديد للانتخابات مرورا بإجراءات ثورية أخرى، فأحدث هذا التحوّل الخرق القاتل في جدار النظام السياسي.
الأربعاء 2021/09/22
وجوه سئم الناخب العراقي رؤيتها

كلما اقترب موعد انتخابات العراق في العاشر من أكتوبر ازداد التنافس بين مرشحي مختلف الأحزاب التي تجمعها أهداف لا علاقة لها بمصالح الشعب حتى وإن تبدّلت العناوين والأرقام وفق نتائج الدورات الانتخابية الماضية، وفنون الاحتيال على العناوين الوطنية لثورة أكتوبر (تشرين) التي دخلت مسرح التنافس الانتخابي باستحياء من خلال بعض الناشطين.

هناك قناعة عامة يتداولها حكام العراق تقول إن نظام ما بعد غزو 2003، رغم كل ما اقترفه زعماؤه من جرائم وانتهاكات سياسية وإنسانية وفساد شامل، محمي من قوى النفوذ الخارجي وبأدوات مسلحة داخلية، ولا يسمح بتغييره، وما يشاهد من مظاهر للانتخابات وتدوير للسلطة وتبديل للوجوه الثانوية في البرلمان إنما هي تفصيلات لخدعة "الديمقراطية عبر الانتخابات" التي تزعج شعب العراق.

هذه حقيقة ليست ناتجة عن نظرية المؤامرة، بل أكدتها وقائع الدورات الانتخابية وخاصة الحصيلة الأكثر إيلاما في انتخابات عام 2018 وما شهدته من تزوير فاضح بحرق صناديق الاقتراع وصفقات بيع الأصوات التي اعترف بها المعنيون، فضلا عن عزوف العراقيين بنسبة وصلت إلى 80 في المئة، ورغم ذلك أعطت ممثلية الأمم المتحدة ببغداد شهادة صحة تلك الانتخابات ودعمتها واشنطن والدول الكبرى وإيران.

المُتغيّر الصادم للقوى الداعمة للنظام يكمن في إزاحة الثوار لما سمي بالمشروعية الشعبية حين أعلن شباب المحافظات الوسطى والجنوبية وبإسناد من المحافظات الأخرى رفضهم سلميا النظام القائم وأحزابه الحاكمة وميليشياتها مما دفعها إلى مواجهة الثوار الشباب بالرصاص وقتل ما لا يقل عن 800 منهم وجرح أكثر من عشرين ألف شاب وشابة، والاستمرار باستهداف الناشطين بالاغتيال مثل هشام الهاشمي وإيهاب الوزني.

كانت إيران أول المتضررين من هذا المتغيّر الجيوسياسي الكبير داخل العراق، فالمتظاهرون كشفوا العلاقة الوظيفية المسلحة بين طهران والحكام الفاسدين في بغداد لتنفيذ برنامج يهدف إلى نهب ثروات شعب العراق واستهداف طلائعه الشابة.

الثوار قدموا برنامجهم للتغيير ابتداء من الانتخابات المبكرة وقانون جديد للانتخابات مرورا بإجراءات ثورية أخرى، فأحدث هذا التحوّل الخرق القاتل في جدار النظام السياسي.

هناك قناعة عامة يتداولها حكام العراق تقول إن نظام ما بعد غزو 2003، رغم كل ما اقترفه زعماؤه من جرائم وانتهاكات سياسية وإنسانية وفساد شامل، محمي من قوى النفوذ الخارجي وبأدوات مسلحة داخلية

القصة أصبحت أكبر من مجرد انتخاب دوري لزعامات البرلمان العراقي عبر انتخابات تحولت إلى مزادات رخيصة لتقاسم النفوذ بين اللصوص. ولمواجهة هذا المتغير الشعبي العراقي كان المطلوب عملاً سياسياً خاصاً لا يتقن التحضير له مديرو العملية السياسية ببغداد من شيعة السلطة.

كان على الولي الفقيه علي خامنئي ومستشاريه التدخل المباشر بوضع ترتيبات خطة ماكرة للمحافظة على نظام بغداد من الانهيار عبر الالتفاف على ثوار أكتوبر وإسقاطهم سياسيا بعد العجز عن إزاحتهم بالمسدس الكاتم وفق اتجاهين:

الاتجاه الأول: تحويل إسقاط عادل عبدالمهدي من رئاسة الوزراء الذي أسهمت فيه المرجعية الشيعية بالنجف بزعامة علي السيستاني إلى هدف في حد ذاته وكأنه المسؤول الوحيد عن الأزمة، والإيحاء بمقدمة مخادعة للثوار بأن رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، المُسمى من قبل طهران وبرضا أميركي، هو الأداة السياسية التي ستنفذ مطالبهم خصوصا القبض على قتلة الشهداء ومحاسبتهم.

الاتجاه الثاني من الخطة، وهو الأخطر، يقوم على دفع بعض الناشطين للدخول إلى العملية الانتخابية بعد اختراقهم تنظيميا تحت غطاء "نحن الشيعة لا نقبل ضياع حكمنا، تعالوا واشتغلوا معنا في البرلمان، هذه دولتكم ولكم ما تريدون"، والهدف من وراء ذلك هو تمزيق وحدة الثوار ثم تصفية ثورتهم.

هل تمّ احتواء مخاطر انهيار النظام بهذه العملية اللوجستية؟

لم يمض وقت طويل ليفقد الكاظمي ثقة الثوار لأنه لم يوف بتعهده باعتقال قتلة رفاقهم والزج بهم في السجون. حاول لكنه فشل بعد تحديه العلني من الفصائل المسلحة داخل المنطقة الخضراء التي حاصرت مكتبه الرسمي، وأهانته بسحق صورته بالأحذية.

سياسياً ساعدت التحولات في ظروف المنطقة ومن ضمنها العراق على أن يجد الكاظمي بنفسه في دائرة من المرونة المحسوبة اشتغل لنفسه من خلالها للوصول إلى ولاية ثانية فلعب على ملف إيران في منطقة الخليج، وكذلك الانفتاح على مصر والأردن، ثم كافأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالتوقيع على عقد توتال بـ27 مليارا في ظرف فرنسي داخلي شاق يواجهه ماكرون وبمرونة محسوبة من واشنطن حين ساعد الكاظمي على عقد مؤتمر الجوار العراقي ببغداد.

يشار إلى أن حكومة الكاظمي لها مهمة مؤقتة هي الانتخابات كما يعلن عن ذلك نفسه، لكنه وقع عقدا نفطيا مع الصين لمدة ثلاث سنوات لبيع 300 ألف برميل يوميا بسعر 49 دولارا بالدفع المسبق خلافا لسعر السوق الحالي 70 دولارا لكي يسدد الرواتب في بغداد.

الأساس التشريعي والقانوني لاستمرار الأحزاب في حكمها وظلمها وفسادها ونهبها هي الانتخابات، فلماذا يستمر الشعب العراقي في تقديسها، وهل أن مقاطعتها مُحرّمة إن كانت لا تنتج غير تلك الوجوه من الأحزاب؟ 

والآن يسعى الكاظمي لإنجاز مهمة الانتخابات معتقدا أنها فرصته لتجديد ولايته رغم أن نوري المالكي دخل المعركة الانتخابية الحالية بقوة ضدّه ويسعى للفوز، لكن الكاظمي يعتقد بأن مقتدى الصدر سيدعمه إلى جانب عمار الحكيم وتكتلات شيعية صغيرة أخرى. لكن بورصة الانتخابات فيها الكثير من المفاجآت.

الأساس التشريعي والقانوني لاستمرار الأحزاب في حكمها وظلمها وفسادها ونهبها هي الانتخابات، فلماذا يستمر الشعب العراقي في تقديسها، وهل أن مقاطعتها مُحرّمة إن كانت لا تنتج غير تلك الوجوه من الأحزاب؟ وجميع الأعراف الديمقراطية تقول بجواز المقاطعة.

هناك من الداعمين للعملية السياسية من يقول إن مقاطعة الانتخابات تعني ترك الساحة للفاسدين، لكنهم يناقضون أنفسهم بترديدهم لشعار "من يمتلك السلطة والمال والسلاح هو الذي يفوز في الانتخابات"، وفي هذا إقرار أن الفساد هو محور العملية الانتخابية برمتها.

فما الجدوى من تقديم هذه الهدية المجانية للفاسدين، ولماذا إضافة مشروعية جديدة للميليشيات التي ستفرض نفسها بقوة السلاح، وممثلة الأمم المتحدة في بغداد جينين هينيس بلاسخارت ستعطي في النهاية الشرعية للوضع الجديد؟

ولا بد من الإشارة إلى أن الأحزاب لا تهمها نسبة ذهاب أبناء الشعب العراقي إلى صناديق الاقتراع، حتى وإن كانت النسبة خمسة أو عشرة في المئة، فستتم شرعنتها وستساندها دول العالم، فلماذا يدخل شعب العراق في هذا الفخ ويمنح الشرعية لقتلة أبنائه وبناته؟

إن مقاطعة الانتخابات لا تعني موقفا سلبيا صامتا، إذ لا بدّ أن ترتبط باستراتيجية لتحالف القوى الشعبية والوطنية المناهضة للفاسدين تنطلق مما أفرزته ثورة أكتوبر من معطيات إيجابية أهمها كسر حاجز الخوف وهشاشة النظام السياسي، وقيام جبهة شعبية وطنية عريضة تستند إلى رؤية سياسية يلتف حولها العراقيون بمختلف فئاتهم وتوجهاتهم.

9